​ملف/ سايكس بيكو وتشكل القوميات العربية (7)

تقسيم الإمبراطورية العثمانية

في 19 نوفمبر 1914 انضمت الدولة العثمانية لدول المركز، ألمانيا والنمسا المجر، في الحرب العالمية الأولي وذلك بعد ثلاثة أشهر من بداية الحرب. رأت الدولة العثمانية، التي كانت تشهد اضطرابات داخلية جمّة في تلك السنوات كالمناداة بالدستور وتحديث الدولة وصعود الروح القومية التركية وسيطرة جماعة الاتحاد والترقي علي الحكم، أن دخول الحرب هو الضمانة الوحيدة لعدم تفتيت الدولة، لكنها كانت بداية الانهيار التام للإمبراطورية.

لم يكن خافيا على دول الوفاق، روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، قرب انهيار الإمبراطورية العثمانية التي طالما تدخلت القوى الأوروبية لحمايتها حفاظا علي توازن القوى داخل أوروبا، وكانت آخر تلك التدخلات قبل ستين عاما، لحمايتها من تهديد داخلي تلك المرّة أشد وطأة من التهديدات الروسية السابقة عليه، والذي تمثل في أطماع والي مصر محمد علي الذي تمكن من احتلال الشام وهزيمة الجيش العثماني في الأناضول قرب القسطنطينية واستيلائه علي معظم الأسطول العثماني الذي أبحر به القبطان باشا أحمد من القسطنطينية وسلّمه طواعية إلي محمد علي في الإسكندرية.

وكما جرت العادة في الصراعات الدولية أن يرسم الطرف المنتصر الواقع الجيوسياسي لمنطقة الصراع ويفرض قواعده على الدول والإمبراطوريات المنهزمة، بدأت دول الوفاق في التشاور حول مستقبل الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب في القاهرة خريف 1915 ( التي عرفت باتفاقية القاهرة السرية ) ثم استُئنف التشاور في ربيع 1916 في سان بطرسبرج والذي كان نتيجته ” اتفاقية سايكس-بيكو”. تلك الإتفاقية التي شكلت بنودها أغلب النقاط المتعلقة بالدولة العثمانية في معاهدة سيفر التي وقعتها دول المركز ومن بينها الدولة العثمانية، في أغسطس 1920، إقرارا بالهزيمة وتقبلا للواقع الجيوسياسي الجديد.

بدايات تشكل الهوية العربية

لم يكن واقع الحال في الإمبراطورية العثمانية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جيدا. كانت أوروبا تحرز انتصارات كبرى في مجالي الصناعة والعلوم، والدول القومية في أوروبا قد تشكلت، وبدأ التنافس الاستعماري الأوربي يتسارع  حتى وصل إلى أركان العالم الأربعة، في الوقت الذي كانت فيه نظم الحكم والإدارة في الإمبراطورية العثمانية تثبت عدم قدرتها على مواكبة العصر، حتى المحاولات التحديثية التي تبناها السلطان محمود الثاني (1808-1839) وعصر التنظيمات بعد ذلك لم تنجح في الحفاظ علي وحدة الأراضي العثمانية من المخاطر والتهديدات الداخلية والخارجية.

وعلى صعيد المجتمعات العربية داخل الإمبراطورية العثمانية سارت إرهاصات الحداثة وبدايات تشكل هوية عربية في مسارين متوازيين. فبينما عرفت مصر الحداثة وبدايات خلق الهوية المستقلة عن الإمبراطورية العثمانية عن طريق الدولة الجديدة التي بناها الوالي العثماني محمد علي. وإن كان هو نفسه اعتقد أنه يقدم نموذجا تحديثيا يجب أن يُحتذى به في الدولة العثمانية التي لم يكن يسعى لهدمها أو الاستيلاء عليها كما يرى خالد فهمي في كتابه “كل رجال الباشا” إلا أن فكرة استقلال مصر وهويتها المتمايزه عن الدولة العثمانية دارت في ذهن ابنه وقائد جيشه “ابراهيم باشا”، حتى تجلت بوضوح بعد قرابة القرن في ثورة 1919 بقيادة الزعيم الشعبي سعد زغلول، أما بلاد الشام التي لم تعرف نظاما إداريا مركزيا كالذي عرفته مصر فقد ساهم مفكريها بجهد وافر في بلورة فكرة القومية العربية كهوية بديلة للفكاك من أسر الدولة العثمانية.

ظهور القوميات العربية واليهودية

شكلت سنوات الحرب العالمية الأولى والسنين التي تلتها الفرصة الحقيقية (رغم الصعوبات وتعنت الدول الاستعمارية) لتشكيل كيانات سياسية جديدة أو تأكيدها والحفاظ عليها في العالم أجمع، في نفس تلك السنوات نشطت الصهيونية في تثبيت أقدامها في الأراضي الفلسطينية في محاولة خلق دولة يهودية. كما كانت محاولة الشريف حسين، في الثورة العربية الكبرى 1916 المدعومة من بريطانيا لتأسيس دولة عربية في الشام والعراق هي المحاولة الأولى لخلق كيان سياسي ذو هوية عربية. كانت اتفاقية “فيصل – وايزمان” (بين ممثل المملكة العربية الحجازية الأمير فيصل وممثل المنظمة اليهودية “حاييم وايزمان” التي تمت على هامش مؤتمر باريس للسلام 1919، هي أول إطار تفاهمي بين كيان عربي سياسي وكيان يهودي يتم فيه ضمنيا قبول قيام دولة يهودية في الأراضي العربية. ومن الملاحظ في مؤتمر باريس، رغم التعنت الواضح من الدول الاستعمارية، أن الوفود التي كانت تعبر عن مطالب مجتمعاتها (حتى لو مطالب غير عادلة كحالة مطالب اليهود في فلسطين)، والتي صاغتها تلك المجتمعات بشكل ديمقراطي شعبي، نالت في نهاية المطاف مطالبها، مثل الوفد المصري الذي عارضته السلطة الاستعمارية البريطانية والذي في النهاية نال استقلال البلاد عام 1922 وإن كان استقلالا شكليا. كذلك أيضا حاييم وايزمان الذي اجتمع بالجماعات اليهودية في فلسطين للاتفاق على مطالبهم وعرضها في مؤتمر باريس.

احترمت كل من انجلترا وفرنسا فيما بينهما مناطق نفوذهما في الأراضي العربية المتفق عليها في اتفاقية “سايكس- بيكو”، وبدأت من العام 1920 مرحلة جديدة في التعامل مع الواقع العربي في بلاد الشام والعراق الذي لم يسفر في سنوات الصراع والاضطراب السابقة عن كيان سياسي يعبّر عنه. أعلنت فرنسا الانتداب علي أغلب بلاد الشام وطردت الأمير فيصل من دمشق بعد معركة صغيرة مع جيش من المتطوعين السوريين، لتبدأ فرنسا عملية تجريب جيوسياسي في المنطقة لمدة خمس سنوات. في البداية، عام 1920 فصلت جبل لبنان والساحل وبعض المناطق المحيطة به عن باقي بلاد الشام (مشكّلة لبنان الكبير كوحدة مستقلة). كما قسّمت باقي الأراضي السورية إلى دويلات صغيرة كدولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل الدروز. وحين ثبت فشل رأي المندوب السامي هنري غورو الذي كان يدافع عن التقسيم، بحجة أن مجتمعات تلك الدويلات مجتمعات متمايزة ولا تربط بينها روابط حقيقية، أقيم الاتحاد السوري المشكل من ثلاثة دويلات ( دمشق وحلب ودولة جبل العلويين )، بعد ذلك أُعلن عن الدولة السورية عام 1925 وفي النهاية الجمهورية السورية الأولى عام 1932 التي نالت الاستقلال عام 1941.

في نفس فترة بداية الانتداب الفرنسي قامت بريطانيا بتعيين فيصل بن الشريف حسين، بعد هزيمته في سورية، ملكا على العراق عام 1921 وفي نفس الفترة تدخلت إنجلترا لتشكيل نظام حكم في منطقة شرق الأردن بعد إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين وتشكلت إمارة شرق الأردن عام 1923 وتعيين عبد الله بن الشريف حسين، أخو الملك فيصل ملك العراق وابن حليفهم السابق الشريف حسين بن علي أميرا عليها، والتي تحولت بعد ذلك إلي المملكة الأردنية الهاشمية. في نفس تلك الفترة عام 1917 كانت المنظمة اليهودية في فلسطين قد حظيت علي وعد بلفور وبدأت حركة هجرة اليهود في التزايد وصولا للحرب العالمية الثانية التي شهدت النزوح اليهودي الأكبر إلى فلسطين ثم تأسيس الدولة اليهودية بعد ذلك.