نكبة فلسطين.. وجعٌ لا يغيب

69 عاما مروا على نكبة الشعب الفلسطيني الذي هجر من أرضه قسرا على أمل العودة، حين تسأل أي مؤرخ فلسطيني عن النكبة سيجيبك بأنها بدأت في الخامس عشر من مايو لعام 1948.

531 قرية ومدينة فلسطينية طهرت عرقيا، وسيخبرك بالكم الكبير الذي قتل ظنا منه حين يقول إنه قد استشهد 15 ألف فلسطيني في هذه الأحداث قد يحرك فيك شيئا من المشاعر، قد يؤلم فيك القلب لكن سرعان ما سترسم بسمة بلهاء على شفتيك حين يحدثك عن بعض الأمل، ليعود مرة أخرى ويظهر براعته في حفظ الأرقام حين يخبرك أنه خلال النكبة حدثت أكثر من 50 مذبحة موثقة وقعت بحق الفلسطينيين في العام 1984، وكأنَّ التوثيق في هذه الحالة سيعيد الوطن من خلال قرارات هيئة الأمم المتحدة.

تبهرك مقدرته على حفظ أدق التفاصيل فينتشي المؤرخ ويزيدك من الشعر بيتا ليخبرك أن 780 ألف فلسطيني هُجِّروا خلال النكبة ليحملوا لقب لاجئ فيما بعد، و150 ألفاً بقوا في المناطق التي قامت عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي أو ما اصطلح عليه فيما بعد بـ”عرب الداخل”، وسيخبرك ما هو أكثر وجعا في نهاية حديثه إليك أنَّ 78% من مجمل مساحة فلسطين وقعت بيد الاحتلال لتعلن بعدها ما تسمى بدولة إسرائيل.

خلص.. خلّص الحكي وخلصت النكبة بسرد هذا الحديث المنمق في المؤتمرات أو المقابلات الصحفية، حيث ينفضُّ القوم وتنفض المعلومات من ذاكرتنا الحبلى بالهموم كسرعة انفضاض حشد دعاه حزب ما لأرض الكتيبة أو السرايا بمدينة غزة تذكيراً بذكرى النكبة.

أنا لم أعش واقع النكبة ولم يحدثني والدي عنها وكذلك جدي.. ليس لأنهم قليلو وطنية، بل لأنهم تاهوا في منعطفات الحياة ولكثرة نكباتهم التي لم تتوقف عند الهجرة فقط.

نكبة الهوية الحزبية، نكبة الحروب، ونكبة لقمة العيش، ونكبة الحصار، ونكبة الانقسام، ونكبة البطالة، ونكبة تجار الموت، ونكبة المصالح الشخصية التي باتت أهم من الوطن.

أذكر ذات مرة وأنا في الصف الأول الثانوي، وقف أستاذ التاريخ عبد الهادي أبو عمرة في ذكرى النكبة وسألنا: مين منكم مهاجر ومين منكم مواطن؟ كان أغلب الفصل بما فيه هو مهاجراً، وحين سألنا عن المناطق التي هجرنا منها وكلنا أجاب.. استبشر خيراً، ولكن وقع ما لم يكن في الحسبان حين بدأ يسألنا واحدا تلو الآخر عن المكان الذي تقع فيه بلدتك؟ ولأي قضاء تتبع، وبما تشتهر، وكم عدد سكانها في ذاك الوقت، وما شكل زيها الرسمي وماذا أقيم عليها اليوم وما هو مسماها الآن، وشو راح تعمل لتحررها، نطق الأموات لو نطقنا ولا أستثني نفسي ممن هربوا للصمت حينها.

تابعت نظرات مدرس التاريخ كيف كانت حائرة في وجوهنا وكيف كانت عصية على الدمع من هول ما رأى من طلابه، يومها أذكر مقولته حين قال “والله ما هتحرر فلسطين طول ما انتو هيك” ومن يومها أخذت على عاتقي أن أبحث في كل ما يتعلق بمذبحة دير ياسين، لكن كم طالب فعل فعلتي؟!

قبل عامين نزلت للشارع لعمل استطلاع رأي عن النكبة وشو بتعني للناس وسألت يومها نفس أسئلة مدرس التاريخ شو بتعرف عن بلدك بشو تشتهر شو لون الزي، الأغلب هرب للابتسام أو النكات، ليهاتفني صديق صحفي آخر ليقول لي “لو طالع تعمل استطلاعات رأي منشان النكبة وتسأل الناس شو بتعرف عن بلدك الليّ تهجرت منها ما تعب حالك” يعني شبه حالة عامة عند الكل محدش فاضي للبلاد والنكبة بس شاطرين في تصفيط الحكي الوطني وشوية تصفيق وصفير وخلصنا، أكثر ما صدمني حين سألت في ذلك الوقت عن النكبة، جواب أحد المارة أنه مواطن ولم يهجر ولا يعرف شيء عن البلاد المهجرة واللاجئين سوى المفتاح، وصدمت أكثر حين علمت من خلال بحثي أن المستوطنين يعرفون عن بلادنا أكثر منا لإيمانهم العميق أنهم أحق منا بالأرض.

تبلغ ابنتي البكر ثلاث سنوات، أحدثها كثيرا عن دير ياسين، عن معنى الهجرة، عن الوطن، وكل وجع النكبة ومرارتها تذوب حين أسالها “مين سرق أرضنا؟” لتجيب بصوتها الطفولي وطريقتها “اليهود الصهاينة”.

رغم كل ماذكرته من تقصير في حق فلسطين وتخاذل المجتمع الدولي مع هذه القضية العادلة، إلا أننا مازلنا نملك كما كبيراً من المعلومات حول بلادنا التي هجرنا منها أجدادنا بمن بقي منهم حيا، أسعد كثيراً في عملي الصحفي حين أرى جدًّا يجمع أبناءه وأحفاده حوله ويخبرهم عن القرى والمدن.. أرى فيه ألم الواقع وفيهم أمل المستقبل، ولنكون أكثر صلة بما نأمل، نحن بحاجة لتربية جديدة لتعليم فلسطيني وطني جديد قادر على تأسيس أرضية وطنية صلبة تنطلق منها مشاعل التحرير.