نكبة الجيل الحائر

خطوات قليلة للخلف والتفاتة سريعة، رائحة ماضٍ قريب لجيل بالكاد دق أبواب الثلاثين ودلف للتو، هناك صورة طفولية ناصعة البياض مليئة بالأطفال الغاضبة والنساء المناضلة والآباء الأبطال. صورة تشكّلت بالتزامن من أحداث ساخنة خلف حدودنا الشرقية مات فيها أمام عدسات الكاميرات طفل يحتضنه أباه، عالم يغض الطرف عن الجريمة المنقولة على الهواء مباشرةً وحكومات “شقيقة” عاجزة عن الرد كعجزها عن الصد الخشن لغضب شعوبها والذي تم امتصاصه ببعض الخطب والحملات وإيصالات التبرع ولافتات المقاطعة، بينما يستمع الشعب إلى أوبريت “الحلم العربي”. تلك هي الصورة التي تكوّن بها الوعي بالقضية الفلسطينية لدى جيلنا، الجيل الذي تحرّكت على أقدامه ثورة يناير المصريّة والتي –للأسف- كانت على نفس درجة النقاء والطفولة الناصعة لتصبح خطّاً مستقيماً موازياً على ذات الامتداد لوعينا بالقضية.

وبرغم ذلك التصوّر أصبحت فلسطين هي البوصلة الإنسانية لدى كُل مهتم وحتى غير مهتم بالشأن العام، نرى الإنجاز من زاوية ما يُنجزه على الساحة الفلسطينية، نرى الكارثة من زاوية ما قد تُلحق من ضرر بالقضية الفلسطينية، أصبحنا نتابع ما يدور بغزة والضفة والأراضي المحتلّة لا بعين المُهتم، بل بعين المَعنيّ بالقضية وصاحبها، كبرنا وكبرت فلسطين وكبر أعداؤها وأعداؤنا بالداخل والخارج وبدأت الثورة، ثورة رفاق أطفال الحجارة الذين شاهدوهم منذ زمن قريب رافعين رايات النضال والتحرر، ورفع الرفاق شعارات العيش والحرية والعدالة آملين في حياة كريمة وتصوّروا ذلك التصور المُضحك المُبكي بأنهم على أعتاب التحرير.

رحل اللص من قصر الرئاسة المصري، وجاء هذا وذاك متبارين في إرضاء العدو، الصديق العزيز تارة والحليف الاستراتيجي تارة أخرى، شاءت الظروف لهذا الجيل أن يوضع في أكثر الاختبارات قسوة باشتعال الوضع في سوريا، حدود جديدة تشتعل ليبتعد الحلم أكثر فأكثر، ثائر يتحالف مع عدو القضية ونضال يتحوّل إلى كارثة، قلوب تحلم بالحريّة بلا شك أصبحت تحت وطأة التكفيري والمُحتل ونفوذ العالم بأكمله تتلاعب بمصائرهم.

“أي حريّة تلك؟” كان هذا هو السؤال الذي قفز في ذهن الثائر، حريّة أم ذريعة للتقسيم؟ هكذا قال الإعلام، سُنّة وشيعة، دروز وعلويون، أين العدالة من هذا الصراع بل أين الحريّة التي تقوم من أجلها الثورات؟ نيران متبادلة بين أطراف متعددة تتحوّل تحتها الأحلام إلى ركام وتصبح فلسطين في خبر كان بين الأنباء المتبارية يومياً على صفحات الجرائد والقنوات التليفزيونية، الإعلام المناصر للقضية سابقاً أصبح مناصراً لأعدائها اليوم، إسرائيل أصبحت حليفاً لبعض العرب ضد البعض الآخر، روسيا في جانب وأمريكا في جانب، ثم روسيا وأمريكا في الجانب نفسه، إسرائيل تقصف دمشق، والمعارضة –كما أسماها الإعلام- تحتفل، روسيا تتدخّل ويحتفل الوطنيّون، مصر تقف صامتة أحياناً وأحياناً تعلن موقفاً شفوياً، فلسطين تنقسم بين مؤيد ومعارض، سوريا تشتعل في إعلام وتنتصر في إعلام آخر، ثم تعود لتنتصر في الإعلام الأوّل وتشتعل في الإعلام الآخر، وتضيع البوصلة.

ويأتي يوم الخامس عشر من مايو معلناً ذكرى نكبة فلسطين، بينما نصف وسائل الإعلام العربية تكاد تنعته بـ “عيد الاستقلال الإسرائيلي” من فرط امتنانها للدور الذي تقوم به الشقيقة الصهيونية بالمساعدة في قتل الشعب السوري ودهس أحلامه بأقدام تكفيرية وطائرات إسرائيلية، يأتي الخامس عشر من مايو حاملاً معه رائحة طفولة جيل سُرقت ثورته وتقاسمتها القوى وفُقدت البوصلة حينما جاء وقت الجَد، وقت تقسيم الغنائم وتحوّل القضايا الإنسانية إلى أنشطة تسوّل وحُجج للمزايدة المتبادلة بين أصحاب الهوى، اتّضحت بعض الصور وضاعت ملامح صور أخرى، نضجنا أم فقدنا النقاء؟ ابتعد الحل أم فقط أدركنا مدى صعوبته؟ لعل مزيد من النضج يأخذنا إلى مفتاح القضية، ولعلنا نجده خلف القضبان القاسية يحتسي الماء والملح ويُعرض عن أطباق الطعام.