من يملك أرض مصر؟

(1)

من جديد تحدث الرئيس عن التعديات على أراضى الدولة، صباح أمس (الثلاثاء)، أثناء افتتاح مشاريع جديدة فى دمياط، هذه المرة كان أكثر صرامة، تحدث بحزم عن ضرورة أن تواجه قوات الشرطة والجيش المعتدين على أراضي الدولة مهما كان عددهم، وهذا قد يدل على وجود مقاومة من جانب البعض لقوات الأمن، وربما أدى ذلك لارتباك تلك القوات وهو ما جعل الرئيس يؤكد من جديد على ضرورة مواجهة هؤلاء مهما كانت أعدادهم وقوتهم وتنفيذ القانون، وأضاف: هذه دولة إن لم تصبح دولة أنا لا استحق أن اعيش فيها….احنا منستحقش نعيش فيها”، وهذه التصريحات تأكيد لما سبق وقاله عن أن ” مصر مش طابونة ” و”مصر مش عزبة ” وكلها عبارات تدل على رفض الرئيس أن يغتصب قلة دون سند دستورى أو قانونى اراضى مصر وينهبوا ثرواتها، وبدلا من أن يعم الخير على الشعب كله، تستغل دوائر صغيرة هذا الخير لصالحها دون وجه حق.

(2)

الدكتور يحى القزاز أستاذ الجيولوجيا بجامعة حلوان، وهو مواطن مصرى غيور على بلده وثرواتها مثل الرئيس،كتب على صفحته على الفيس بوك هذه البوستات وأن انقل ما كتبه بتصرف بسيط :

“ينص الدستور على أن السيادة للشعب، وأن الموارد الطبيعية ملك الدولة، وأن الجيش ملك الشعب. شركة شلاتين للثروة المعدنية التابعة لقطاع التعدين بجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة تسيطر على مناطق شاسعة فى جنوب مصر، ليس هذا فحسب بل صارت تنازع القوات المسلحة فى اختصاصها وتصدر تصاريح يحق لحاملها دخول المناطق الجنوبية الممنوعة!

قطاع التعدين فى جهاز الخدمة الوطنية يستولي على دور هيئة الثروة المعدنية، ويقوم بعمل مزايدات لبيع خاماتنا الاستراتيجية. يبيع حاليا خام “الإلمنيت” بمنطقة أبو غلقة جنوب مرسى علم ويجهز لعمل مزايدة لبيع خامات عنصرى النيوبيوم والتنتالم. ويستولى على الثروات المعدنية بغير وجه حق ويدعى انه مالك سطح؟!

هذا القطاع يمارس دورا تخريبيا باستيلائه على الموارد الطبيعية (الثروات المعدنية) وبيعها للخارج لسببين الأول أنه لا يخضع لمراقبة الجهاز المركزى للمحاسبات ثانيا لإهداره خامات استراتيجية نادرة.

يعقد قطاع التعدين بجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة مؤتمرا عن التعدين والثروة المعدنية فى مصر.. هل هذا دوره؟! وماالمقصود بما يفعله؟!

على جهاز الخدمة الوطنية فى القوات المسلحة أن يكف عن التغول والاستيلاء على اقتصاد واستثمارات وأراضى الدولة وثرواتها المعدنية، مستغلا انتماءه للقوات المسلحة.وأنا أطالب بفصل جهاز الخدمة الوطنية عن القوات المسلحة لطبيعة عمله مع المدنيين وحتى يتسنى مراقبته ومحاسبته قانونيا ، وضم قطاعاته المختلفة لوزارات البترول والصناعة والإسكان والزراعة وحتى لايكون تكرارا لأجهزة مدنية قائمة. ”

ويروى الدكتور القزار،على صفحته ايضا، واقعة كان طرفا فيها :” قطاع التعدين بجهاز الخدمة الوطنية أعلن عن تأسيس شركة استكشاف بترولية للعمل فى قطاع البترول، والأمانة تقتضى ذكر أن وزير البترول هو من عرض على وزير الدفاع تأسيس الشركة وكان رد وزير الدفاع: ماعلاقتنا بالاستكشافات، لا خبرة لنا بطبيعة هذا العمل، لكن اللواء محسن بسادة قائد قطاع التعدين أقنع وزير الدفاع بعمل هذه الشركة قائلا: نحن اليوم لا يوجد لدينا خبرة لكن يمكن ان نستعيرها ، وبعد 10 او 12 سنة يكون لدينا خبراء فى هذا المجال.. هذا ما قاله قائد التعدين فى اللجنة القومية للعلوم الجيولوجية بالنص (الدكتور القزاز عضوا فى هذه اللجنة التى يشارك فيها قائد عسكرى لأول مرة) وعندما حاولت الاستفسار منه عن هذا الموضوع ونقل مايدور فى الشارع عن تغول الجيش على الحياة المدنية.. انفعل وهددنى قائلا: أنا سأبلغ عنك القائد العام وسأقول انك تهاجم الجيش.. وسأقدم بلاغا للنيابة العسكرية لتحاكمك عسكريا، وكان ردى افعل ما تشاء .”

(3)

زميل صحفى، اثق فى وطنينه ونزاهته، أخبرنى هامسا : كل أراضى الدولة التى يتم سحبها من واضعى اليد فى المحافظات يتم رفع لافتة تفيد بأنها منطقة عسكرية تابعة للجيش،كل طرق مصر التى تقوم الهيئة الهندسية فى القوات المسلحة بتفيذها ، يتم استغلال 2 كيلو يسار ويمين الطريق من قبل القوات المسلحة، هل الجيش أصبح شريك أساسى للدولة فى أراضيها وثرواتها؟وهل هذا حق للجيش؟

لم أرد على تساؤله؛ لأننى لا أعرف صحة ماقاله حول موضوع أراضى الدولة المستردة، ولكن ما قاله عن استغلال 2كيلومتر يسار ويمين الطرق الجديدة لصالح الجيش، حقيقة مؤكدة وذكرها السيسى فى مقابلة مع الإعلامى أسامة كمال. ما قاله الزميل يردده المئات سرا وعلانية، الحديث حول تنامى نسبة مشاركة الجيش فى الاقتصاد المصرى لا يقابل بالارتياح فى الداخل ولا فى الخارج، ولقد أشار إليه أعضاء من الكونجرس أثناء جلسة مناقشة تخفيض المساعدات العسكرية الأمريكية إلى مصر .

(4)

الجيش المصرى، جيش وطنى، طوال تاريخه مصدر فخر للمصريين، وكانت هناك دائما مسافة بين القوات المسلحة والحياة المدنية، تعودنا على أن الجيش رابض فى ثكناته كالأسد الجسور، هذه المسافة التى حرص عليها كبار رجال العسكرية المصرية هى التى صنعت هيبة الجيش وصورته الناصعة، لكن منذ وصول الرئيس السيسى للحكم اصبح اعتماده على الجيش أساسيا، حيث يتم تكليفه بالأمر المباشر بتنفيذ معظم المشاريع الحكومية وفى كل المجالات، ولقد أصبح منافس للقطاع الخاص ،لكنه يمتع بمزايا واعفاءات تجعل المنافسة بينهما غير عادلة.

فى لقاء السيسى أمس ( الثلاثاء ) مع وزير الصحة سأله عن الفترة الزمنية المقدرة للقضاء على فيروس سى فى مصر،وأجابه الأخير : عامان يمكن أختصارهما لعام ونصف، لكن ذلك لم يرض الرئيس ورد: “سنة واحدة وسيساعدك الجيش” .

هل هذا معقول !!! الزج بالجيش فى كل صغيرة وكبيرة سيحرق فى النهاية صورته وينال من تركيزه فى دوره الأساسى وهو حماية البلاد وتأمين حدودها والحفاظ على أمنها القومى.

(5)

أراضى مصر وماعليها ومافى بطنها ملكا لشعبها، والمفترض أن الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة تدير هذه الثروات إدارة رشيدة لصالح الشعب،وأى تصرف فى هذه الثروات يجب ان يقابله مراقبة ومحاسبة دقيقة: لماذا باعت الدولة هذه الأصول وفيما أنفقت ثمنها؟ وهل كان البيع لصالح المواطن أم أن هذه الصفقات يشوبها الفساد وتتم لصالح فئة معينة أو أشخاص بعينهم ؟، لكن للأسف أجهزة المتابعة والمحاسبة والمراقبة نامت طويلا فى العسل.

الرئيس تنبه لهذه الكارثة، ومن قبله أثار المستشار هشام جنينة هذا الموضوع فى تقريره الذى تم إدانته بسببه والحكم عليه بالغرامة والسجن مع إيقاف التنفيذ!!، السيسى لا يوافق على أن يستولى فرد أو جماعة على ما ليس من حقهم،رلأن مصر دولة وليست طابونة أو عزبة لأحد،فهل يقبل للجيش ما لايقبله للأفراد؟

هل يقبل أن يقال أن جيش مصر يستولى على خيرات مصروأرضها؟ هل يقبل أن يصبح الجيش بديل لواضعى اليد من مغتصبى اراضى مصر وناهبى ثرواتها؟هل يقبل أن يقال أن الجيش المصرى يمارس الاحتكار وأن كبار رجال الجيش أصبحوا أثرياء على حساب الشعب ؟

(6)

أثناء ثورة يناير رفع المتظاهرون شعار ” الشعب والجيش أيد واحدة “، كنا نشعر أننا فى حماية جيشنا الوطنى وأننا فى مأمن مادام رجاله يشاركونا الميدان والحلم، فلماذا يضعه الرئيس الآن فى دائرة الشبهات ؟

إلغاء المسافات بين الجيش والحياة المدنية التى تموج بالصراعات والمنافسات والنكايات والفساد يحرق هيبة الجيش وصورته التى نحرص عليها جميعا…من حق الجيش أن يكون له مشاريعه الاقتصادية التى تكفل له الاكتفاء الذاتى لكن ليس من حقه أن يضع يده على أراضى الدولة وثرواتها، والتى هى فى الأساس ملك للشعب فى الحاضر والمستقبل. الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وليس العكس، خلط الأدوار وعدم تحديد المفاهيم يضر حاضرنا ومستقبلنا.

عاشت مصر وعاش شعبها وجيشها أوفياء للوعد ..أمناء للعهد .

ELTEBLY@HOTMAIL.COM