مخرجة «سيدة» المشارك بـ«كان»: الأفلام المستقلة تعاني من التضييق الأمني

ـ نسمة زعزوع: الأفلام المستقلة تعاني من التضييق الأمني

ـ سعيدة بعرض الفيلم في «كان» وأرفض تصنيفي «مخرجة نسوية»

ـ «سيدة» نموذج يعبر عن كل مصرية معيلة تكافح من أجل أسرتها

ـ «مستقل» أصبحت «سُبَّة» ومحل شك من الدولة

 نسمة زعزوع.. مخرجة شابة دخلت مجال الإخراج منذ 8 سنوات بعد تخرجها من كلية الإعلام، وعملت بعدة وسائل إعلامية، حيث تركت عملها كمعيدة بالجامعة، لتصف نفسها بـ«نداهة السينما»، وانبهرت بتيار الواقعية في السينما المصرية، مما دفعها لاستكمال المشوار في رسالة الماجستير من جامعة غرب لندن.

نجحت نسمة في إخراج مجموعة من الوثائقيات والفيديو كليب الشهيرة، منها صندوق النقد لياسر المناوهلي، «حرف جر» لفرقة المغني خانة، وانتهت أخيرًا من فيلمها الروائي القصير «سيدة» الذي يشارك في مهرجان كان بركن الأفلام القصيرة في دورته الـ70 في الفترة من 16 إلى 27 مايو.

وعن الفيلم وحكايته والصعوبات التي واجهتها، وأهمية المشاركة بمهرجان كان، تحكى نسمة لـ«البديل»..وإليكم نص الحوار.

من هي «سيدة» التي تسافر لمهرجان كان؟

فيلم اجتماعي روائي قصير مدته 15 دقيقة، يحكى عن «سيدة» التي تريد أن تلحق بميعاد مع الخبير الألمانى القادم لزيارة مجانية لمستشفى الرمد، لكي تعالج ابنها، وتصارع الزمن حتى تصل بالميعاد، لكن تقابل هذا السور أمام المستشفى.

استلهمت فكرة الفيلم من قصص حقيقية ظلت محفورة في ذاكرتي منذ الصغر، حيث أقطن بالهرم وعند الانتقال لمصر الجديدة أو مدينة نصر عليَّ أن أستقل طريق صلاح سالم والمرور بميدان الجيزة، وكنت أتابع يوميًّا مئات المواطنين الذين يعانون في عبور هذا السور العالي الذى يفصل بين طريقين أمام المستشفى؛ إما بالقفز من عليه أو أن يتحشروا بين تلك الأسياخ الحديدية، وكانت من بينهم حكاية «سيدة».

ومتى بدأت ترجمة تلك القصص إلى فيلم؟

فكرت به منذ 4 سنوات، وتم تأجيله لصعوبة ظروف تصويره التي تتم معظمها بميدان الجيزة، وكتبت للاسكريبت 15 درافت، حتى بدأت في تصويره من نهاية 2016 حتى فبراير 2017، وأؤكد أن كل ما جاء بالفيلم حقيقي؛ من أحداث ومواطنين في الشارع، ولا يوجد سوى الممثلة والطفل.

والفيلم كان جزءًا من رسالة الماجستير التي انتهيت منها بلندن، وكان موضوعها عن موجة الواقعية في مصر وإيطاليا، ورغم صعوبة تنفيذ الفكرة إلَّا أن حدوتة «سيدة» تستحق أنها تحكى في كل مكان؛ لأن سيدة ومثيلاتها نموذج يقدم المرأة المصرية التي تحمل الأسرة على أكتافها، فهي التي تعاني وتعبر هذا الحاجز الصعب أمام المستشفى من أجل ابنها المريض حتى تصبح حياته أفضل، فهي لا تريد شيئًا لنفسها، حيث تجاوزت طموحاتها الشخصية من أجل إسعاد ابنها.

ما أهمية مشاركة فيلمك الأول بمهرجان كان؟

أنا سعيدة جدًّا بهذه المشاركة، وفي الوقت ذاته متوترة وقلقة؛ لأن الفيلم لو نجح وحظى بردود فعل جيدة ستكون فرصة هائلة لفتح مسارات جديدة للتشبيك مع شركات إنتاج أخرى تساهم في إنتاج أفلامي المقبلة، فضلًا عن رغبتي في الاستفادة بحضور ورش عمل جديدة تكسبني خبرات في مجال إنتاج الأفلام.

واختيار الفيلم ليس نجاحًا للمخرج وحده ولكنه نجاح لكل فريق العمل الذي يتكون من 70 فردًا، حملوه على أكتافهم حتى خرج للنور، وأغلبهم متطوعون محترفون وليس هواة، وعلى رأسهم مثلًا ريم العدل، التي تحمست للفكرة، وعمرو عصام، مهندس الصوت.

ما الصعوبات التي واجهتك أثناء تصوير الفيلم؟

«اللوكيشن» كان مخيفًا ومرعبًا، حيث التصوير في الشارع بقلب ميدان الجيزة المزدحم، بفصل الصيف وحرارته الشديدة، وسط مواطنين حقيقيين، وفريق عمل كبير، والسيارات من كل اتجاه، وموقع التصوير كان بمنطقة دقيقة، حيث سور بين اتجاهين لشارعين، أحدهما منزل كوبري الجيزة، مما كان يؤدي إلى غلق الشارع لمدة 5 أيام تصوير، لكن نجحنا مع فريق عمل مسؤول في إنجاز هذا الفيلم، ومؤمنين بالحدوتة «زي ما هي» رغم الصعوبات.

إضافة إلى أن الوقت كان عامل ضغط؛ لأن الميزانية محدودة جدًّا للإنتاج، خاصة أنه قصير وليس ربحيًّا، وكل يوم يمر يكلف نفقات، لكن أي مخرج مستقل يواجه دائمًا هذا الثالوث «الوقت، الكواليتي، الفلوس»، وعليه أن يجتهد لتحقيق أفضل نتيجة.

وماذا عن الممثلين وتجهيزهم للفيلم؟

عقدنا عدة بروفات في الأسبوع التحضيري الأخير قبل بدء التصوير، وكانت فرصة جيدة لتدريب الممثلة والطفل على كل الظروف، حتى لا نترك تساؤلًا للصدفة أثناء التصوير، مما يعطل العمل، وبالفعل أصطحبت الممثلين عدة مرات للنزول لميدان الجيزة والعبور من السور، وأن يركبوا الميكروباصات، خاصة أن الطفل «بمدارس فرنساوي» وكان أول مرة ينزل الجيزة، ودربت الممثلة التي تلعب دور «سيدة» على المشاعر كافة التي تحس بها أثناء انحشارها بين أسياخ السور، والتعليقات المحرجة التي تسمعها، وغيرها من التفاصيل الواقعية التي كنت أراقبها مع الشخصيات الحقيقية.

ما هي التحديات التي تواجه صناع السينما المستقلة؟

 نعاني من غياب كيان رسمي ننتمي إليه، وحتى أكون نقابية بالمهن السينمائية هي عملية معقدة وتحتاج إلى إجراءات طويلة، ومن ثم أصبحت كلمة مستقل سُبّة تنتقص من صانع الفيلم، وتجعله دائمًا محل شك وتثير المخاوف تجاهه، خاصة في ظل الأكليشهات المعروفة عن المؤامرة وتشوية صورة مصر بأفلام مستقلة، ومن ثم نواجه مشكلات في الحصول على التصاريح الأمنية الخاصة بالتصوير، فكل هيئة تذهب إليها للتصريح تواجهك بسؤال «إنتي مين أصلًا وتبع مين؟!».

وماذا عن صعوبات تمويل إنتاج الأفلام المستقلة؟

«الفلوس» تحتاج إلى «شطارة»، ما أكثر الدعم والتمويل للأفلام، خاصة من العالم العربي وأوروبا، لكن المخرج المستقل يجب أن يكون صبورًا ولديه إصرار وتصميم، وأن يكون مؤمنًا بأنه لو تم رفضه 50 مرة فالمرة 51 ستنجح في إنتاج الفيلم، بالإضافة إلى أن يكون محترفًا ومتفرغًا لكتابة وإرسال الاسكريبت أكثر من مرة، لكن هذه المشكلة تواجه جميع المخرجين المستقلين في العالم، حتى لندن التى درست بها.

إذن ما هي مطالب مخرجي السينما المستقلة من الدولة؟

أتمنى تسهيل عملية انضمامنا لنقابة المهن السينمائية، أو أن يكون لصناع السينما المستقلة كيان رسمي مثل نقابة للمستقلين، لتسهيل عملية استخراج التصاريح الأمنية للتصوير، فكلمة مستقل تعني للدولة «انت ملكش كبير»، فهي تحب أن تتعامل مع المخرجين أو صناع الأفلام  من منطق «مين كبيرك»، أي ما هو الكيان الذي تتبعه مثلًا.

ذكرت أن موضوع رسالتك للماجيستير عن تيار الواقعية، ما الأسماء التي تمثل قدوة لك؟

بكل تأكيد عاطف الطيب ومحمد خان، وكم تمنيت مقابلته قبل وفاته.

ما هي أسباب انحيازك لتيار الواقعية في السينما؟

الواقيعة هي التي تجعل «السينما تعيش»، فهي التي تؤرخ المشاعر، الحواديت والألوان والرائحة والأحداث والملابس في كل زمن، لكن ليس بشكل وثائقي، لم أقرر أن أكون مخرجة واقعية، لكن وجدت نفسي أصنعها، بحب الجلوس في الشارع على الرصيف جدًّا، أثناء معاينة موقع التصوير، أشم رائحة التراب وأسمع حواديت الناس من حولي، وأرقب طريقة كلامهم وحركاتهم، حاسة إني «اتندهت» الواقعية اتجاه شدني بقوة.

وهل ترى أن الأفلام والدراما مؤخرًا بقصورها وسيارتها الفارهة تعبر عن المواطن؟

حقيقي الناس نفسها تشوف ذاتها ومشاكلها وأحلامها في الأفلام ليس بشكل صحفي، وفي الوقت ذاته ليس لديَّ مشكلة في الأفلام التي تتحدث عن طبقات اجتماعية غنية مثلًا، وأرى أنه يمكن تناولها بشكل واقعي أيضًا وليس بهذه الطريقة التي نشاهدها، لكن طول ما نحن كصناع للدراما موجودين ونعمل في استديوهات بأمان وسلام، سنظل نرسم لوحات ونجعل الناس ترى نفسها من بعيد، لكن العكس يحدث مع الواقعية، حيث تخترق القلوب وتؤثر في المشاعر. عندما أشاهد الآن فيلمًا لأستاذ الواقعية عاطف الطيب تنتابني نفس الأحاسيس والعواطف تجاه أحداث الفيلم وشخصياته، وتستمر في التأثير عليَّ، لذا هذه الأفلام مازالت «عايشة».

هل توافقين على تصنفيات نسمعها مؤخرًا مثل مخرجة «نسوية»؟

المخرج يقدم قصة عن كلب، رجل، امرأة، بلا تنصيفات أو قوالب، الذي أفهمه أن يحكي المخرج قصته، وينجح في تقديم حدوتة ممتعة بصريًّا للجمهور.