لم نهرب ولم تجز الأعناق كالخراف!

“أجواء الهدوء تعم القرية، العصافير بفرحتها المعتادة تغني وتزقزق، من ثقب أسود انبثق عدد من المسلحين
يلبسون شارات بالنجمة السداسية الزرقاء في منتصف القرية، وبهمجية وعنف بدأوا بجمع أهل القرية نساء وأطفال وشيوخ إلى منتصف البلدة، ساقوا أهل البلدة إلى ساحة كبيرة، وأطلقوا الرصاص وقتلوهم جميعاً”.

هذا وصف لمشهد ظهر في أحد الأعمال العربية التي مثلت مجزرة دير ياسين 9-4-1948، مجزرة، نعم هذا ما حدث، لكن لم تكن بهذه الصورة السطحية الباهتة؛ العصابات الصهيونية كانت مشكلة وتهدد أمن الفلسطينيين، كانت هناك حامية لبلدة دير ياسين، واستمرت المقاومة ساعات وقتل وأصيب أعداد كبيرة من العصابات الصهيونية، وقصفت القرية بالمدافع، لكن للأسف الإعلام والمؤرخون والمناهج الدراسية التي كتبت ودرست التاريخ الفلسطيني الحديث وتناولت هذه المجزرة على وجه الخصوص لم تنقل الصورة الكاملة، ولكن اتجهت لتأكيد صورة الضحية بصورتها الكاملة وتجلياتها المعنوية، لم يتحدث الكثير من المؤرخين وأصحاب الأعمال الدرامية العربية عن المقاومة الفلسطينية في حالة مثل دير ياسين، من كتبوا التاريخ كتبوه ناقصا من الجانب المقاوم.

وهذا يعزى لأسباب، منها محاولة إظهار الفلسطيني كضحية مسالمة ولطيفة وسيقت للموت كما تساق الخراف للموت! وهذا ظلم صريح لشعب فلسطين ولمقاومة هذا الشعب.

للأسف تواجه الحقيقة في القضية الفلسطينية عديد من الصعوبات في الوصول لتشكيل الوعي الوطني للفلسطينيين، وصورة القضية الفلسطينية في العالم، ما أعنيه بالحقيقة وهي الصورة الكاملة لما حدث دون محاولة إخفاء جوانب معينة لتظهر صورة ورسالة للعالم وتشكيل وعي يتعلق بالعجز العام، وأن لا قدرة للتحدي، وأننا فقط ضحايا دون أي قدرة على المقاومة!

ما هي النكبة؟

هي مجموعة الأحداث وتشمل المجازر والهجمات اليهودية، وانتهت بإعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي التي هُجِّر منها الفلسطينيون وسيطرت عليها العصابات الصهيونية التي شكلت 78% من أراضي فلسطين التاريخية!

هل هذا تعريف يعبر عن الحقيقة؟ أم تعريف مجتزأ لحقيقة النكبة!

التعريف الحقيقي للنكبة دون اجتزاء لم يختره الكثيرون ممن عملوا على تشكيل الهوية الوطنية أو الهوية الفلسطينية أو حقيقة الصراع العربي الصهيوني.

إن قرار التقسيم بدايات طرحه كانت في 1937، أي أنَّ النكبة الفلسطينية بدأت في نهاية الإضراب الشامل والثورة
الفلسطينية الكبرى عام 1936، ولكن اختيار 15-5- 1948 تاريخ إعلان قيام دولة الاحتلال كتاريخ النكبة هو اختزال وتهميش بشكل مجحف لروح البطولة والمقاومة لدى الشعب الفلسطيني، واختصار لحقيقة ما حدث منذ نهايات عام 1947 أي مع إقرار قانون التقسيم حتى شهر آذار 1949.

إذا ما تجولت في الشوارع وسألت الناس: ماذا حدث في النكبة، أو ما هي النكبة؟ الإجابات ستدور حول تهجير الفلسطينيين من أرضهم، قتل الآمنين، هروب الفلسطينيين، أو أنهم تركوا أرضهم وبيوتهم للحفاظ على أرواحهم!

حتى إنَّ كثيراً من المجتمعات العربية المحيطة بفلسطين لديهم آراء مثل: هربوا وتركوا أرضهم لليهود، وباعوا أرضهم لليهود وخرجوا منها!

يتلخص تعريف النكبة كونها لحظة الاشتباك في الصراع على الهوية والأرض، ولحظة الاشتباك تعني أنَّ ما حصل لم يكُن سوق الفلسطينيين للموت، بل تعني أن الفلسطينيين قاوموا حتى الرمق الأخير في هذا الصراع، وحتى نفذت ذخيرتهم.

لم تدخل العصابات الصهيونية إلى القرى والمدن الفلسطينية بتلك السهولة التي صورها التاريخ، يعني لم يكن احتلالها سهلاً وسريعاً، بل كان مضرجاً بدماء المقاومين وعديد الانتصارات التي حققها المقاومون ومنها وأكثرها ووضوحاً الحفاظ على مدينة القدس ومنع العصابات الصهيونية من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وهذا الانتصار لم يرد ذكره أو إظهاره بشكل واضح كانتصار، ولكن كان كنتيجة لما حدث، أو سياسة صهيونية ما.

ماذا كان يمنع العصابات الصهيونية من احتلال القدس في ذلك الوقت؟ أو احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة؟ وهذا يعني أن هناك شعب كان موجوداً ولم يهرب كما شاعت الروايات، وبقي يقاوم حتى انتصر أو استشهد.

لماذا لم يهرب أهل القدس بعد مجزرة دير ياسين؟ وهي إحدى قرى القدس كمثال، لماذا لم تُحتل جنين وطولكرم رغم قربهما من الخط الأخضر؟

وهنا تطرح بعض الأسئلة ذاتها ثقيلةً على الوعي الفلسطيني..

لماذا لم يتم نقل صورة المقاومة، وصور الصمود على الأرض؟

لماذا لم تنقل الحقيقة كاملة؟

لما تبقى الرواية حول ما حدث تدور في فلك الضحايا؟

من المستفيد من هذه الرواية؟

ولماذا نهمش الذات الفلسطينية المقاومة؟

تبقى هذه الأسئلة مفتوحة دون إجابات ومبررات لها، وتبقى الحقيقة للنكبة مبهمة ومغطاة برداء فضفاض من الاستكانة والضعف، وهذا يدعو الفلسطينيين لإعادة صياغة ما يُنشر حول التاريخ والنكبة، وبث روح المقاومة وتجديد النفس وتأصيل الموروث البطولي لشعب فلسطين.