قمّة الهَزَل

يقول دنقل في ختام رائعته “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”:

“قبّلوا زوجاتكم

إنّي تركت زوجتي بلا وداع

وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها، بلا ذراع

فعلّموه الانحناء، علّموه الانحناء، علّموه الانحناء”

الانحناء هو ما افتقده سبارتاكوس، بطل القصيدة، أثناء حياته فمات مطأطئ الرأس فوق مشنقة القيصر. الشجاعة التي قال بها “لا” في وجه جوقات المؤيدين وقوافل المنافقين، هي التي ساقته إلى عليّة المشنقة وقمة التاريخ حيث خلود السيرة وحلول الفرد في الجماعة.

اليوم في ذكرى دنقل، صاحب رائعة “لا تصالح” التي كتبها في هجاء الداعين إلى السلام مع قتلة المشروع الإسرائيلي، اليوم في ذكرى هذا الرجل الذي عايش الألم وصادقه صداقة زميل الدراسة وشريك السكَن، وللمصادفة الهزلية، كانت القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض عاصمة المملكة السعودية. أمس وقف رئيس الولايات المتحدة فوق منصة سعودية ليتبادلا لعن الإرهاب ويتوعّداه بالمحاربة حتى الرمق الأخير، نعم، وقف دونالد ترامب أمام سلمان بن عبد العزيز ليتفقا على خطة محاربة الإرهاب ولينعم العالم تحت ظل أكبر صفقة سلاح في التاريخ الحديث بين أقصى يمين الولايات المتحدة الأمريكية وأقصى يمين مجرة درب التبّانة بالسلام والطمأنينة والأمان من الإرهاب والقتل.

وانحصر ذكر الإرهاب لدى السادة الحاضرين في الإشارة إلى دولة إيران والتي حمّلتها أمريكا والسعودية على حد سواء مسؤولية الإرهاب في العالم أجمع. رغم أنه من الواضح للجميع أن أحد الأسباب السياسية الرئيسية لتأسيس التنظيمات المسلّحة مثل داعش والنصرة وغيرها، هو محاربة النفوذ الإيراني في المنطقة. المهم أن الجميع في هذه القمة اتفق على محاربة الإرهاب فكراً وتمويلاً وتسليحاً، ونحن –الشعوب- إذ نشاهد ونتابع الحدث هذا العظيم نعلّق آمالنا الكبيرة على المملكة السعودية في محاربة الإرهاب فكرياً، وعلى دولة قطر في محاربة الإرهاب تمويلاً، وعلى الولايات المتحدة –ونخص بالذكر السيد ترامب- في محاربة الإرهاب تسليحاً.

أما عن قيام أمريكا “أم الإنسانية وحقوق الإنسان” بتوقيع صفقة التسليح التاريخية مع دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في اليمن السعيد، فالصراحة راحة، ليس هناك ما يمكن التعليق به على هذا المشهد الواضح سوى أبيات الشاعر مُصطفى إبراهيم:

“شركة بتهِد البلاد

وشركة تبنيها

شركة بتبيع السلاح

وشركة بتطبطب على اللي يموت

العالم بيتقسّم دول

العالم بيتقسّم بيوت

العالم بيتقسّم

لبني آدم

ولبنكنوت”

فها هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تمسح دموعها بمنديل ناصع البياض يومياً، والتي يندى جبينها يومياً بسبب الأوضاع المؤلمة هنا وهناك. أمريكا التي تعرب عن قلقها كل نصف ساعة من تدهور أحوال الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلاد أفقرها الاستعمار والحصار الاقتصادي. ها هي تبيع الموت بيد وتربت بالأخرى على أكتاف الجثث التي انبعثت الكوليرا من ركامها في بلاد الخير والسَعد. ونرجو في القمة التالية ألا يفوتهم دعوة الدكتور أيمن الظواهري كي يشاركهم في محاربة الإرهاب وأهل الشر والتنانين المُجنّحة.

تلك هي القمة التي يمكن للمبالغ المالية التي ذُكرت فيها مُجرد ذِكر أن تصلح منظومة التعليم في دول العالم الثالث بأكمله وتقضي على مجاعات وتُقيم مراكز أبحاث للقضاء على الأمراض المستعصية وإيواء اللاجئين من البلاد المنكوبة وإنشاء منظومة رعاية صحية لغير القادرين، أموال قادرة على خلق واقع أفضل بكثير مما نعيشه، ولكن هؤلاء الذين اجتمعوا في الرياض لمحاربة الإرهاب قرروا أن شراء السلاح بتلك المليارات هو الحل الأمثل، كي يحيوا وحدهم في عالم بلا إزعاج تئن فيه بطون الجوعى وأفواه المنكوبين بنيران الحروب، وهذا هو قمّة الهزل.