فَاطِمَةُ أمُّ البنين.. مُؤَسِّسَةُ أقْدَمِ جَامعَاتِ الدُّنيَا

إنها ابنة القيروان، حفيدة عقبة بن نافع فاتح إفريقية، امرأة قرشية خلدت اسمها في صحائف التاريخ، ضاربة أروع الأمثلة في الجود وحب العلم والورع والزهد حتى صار اسمها علما على الفضائل حين تجتمع.. في مطلع القرن الثالث الهجري وبينما كانت دولة الأغالبة في تونس تمتد بسلطان قوتها برا وبحرا، رأي والدها الشيخ الفقيه أبو عبد اللَّه محمد بن عبدالله الفهري- مغادرة القيروان إلى فاس ليكون وأهله في ضيافة حاكمها إدريس الثاني، وكان منزلهم عُدوة أقيمت لهم وللوافدين العرب عرفت بعدوة القرويين ، بينما شكّلت عُدوَة الأندلس على الجانب المقابل للنهر النصف المكمل للمدينة، ويبدو من اسمها أنها كانت مخصصة للقادمين من شبه الجزيرة الأيبيرية.
ليس من المعلوم على وجه الدقة كم كان عمر فاطمة الفهرية عندما قدمت فاس مع أختها الوحيدة مريم بصحبة والدهما؛ لكن الأغلب أنها كانت في أول الصبا شغوف بطلب العلم حتى أنها أخذت عن أبيها علمه وفقهه، ولم تكتف بذلك بل سعت إلى الاستزادة بمطالعة ما تيسر لها من كتب في شتى فروع العلم، ولم يكن لأبيها من الذرية إلا هي وأختها؛ فانكب الرجل على تربيتهما وتهذيبهما حتى شبّتا على أفضل ما تكون النساء علما وخلقا وأدبا وعفافا، وحتى صارتا مضرب الأمثال.
وكان لوالدها معرفة واسعة بأعمال التجارة، فلم تنقض بضع سنوات حتى صار ذا ثروة عظيمة، لم تزده إلا تواضعا وإخباتا لله، ثم كان أن تزوجت فاطمة من رجل ذا مال كانت له نعم الزوجة، وعندما مات ورثته، كما ورثت أخا له لم يكن يقل عنه ثراء، إضافة إلى ما ورثته عن أبيها.. رأت فاطمة أن ما تجمع في يدها من المال كثير، وهي العابدة الزاهدة التي ليس لها في متاع الدنيا حاجة.. ولم تزل فاطمة تفكر في أمر إنفاق هذا المال الوفير حتى انتهت إلى العزم على بناء مسجد فاشترت قرب منزلها في عُدْوة الواردين القرويين أرضا بيضاء كان يُصنع بها الجِص وشرعت في حفر أساس المسجد وبنائه في رمضان سنة 245 هـ.
البدء في أعمال البناء والتشييد
رأت فاطمة أن يبدأ العمال بحفر أساس المسجد مستخرجين كل ما يحتاجون إليه من مواد البناء من الأرض ذاتها دون الحاجة لجلب مواد من أماكن أخرى خشية أن يدخل فيها ما فيه شبهة الحرام، فقام العمال بالحفر عميقا حتى استخرجوا رمالا جديدة وأحجارا وجصا استخدمت في البناء الذي ما إن بدأت أعماله حتى دخلت السيدة فاطمة في صيام نذرت لله ألا ينتهي إلا بانتهاء أعمال البناء بالمسجد، ومن الطريف أنها كانت من العالمين بأمور البناء وأصول التشييد ذات مهارة وحذق قلما تتصف بهما امرأة في هذا المجال، حتى إذا انتُهِيَ من تشييده ظهر في أزهى صورة وأجمل حال وزخرف.
وكان العاهل الإدريسي يحيى الأول يتابع أعمال البناء والتشييد بالمسجد منبهرا من عزم تلك المرأة التي لا تدخر مالا ولا جهدا في سبيل تحقيق غايتها في أن يخرج العمل الذي وهبت له حياتها على أفضل ما يكون سائلة العلي القدير أن يتقبله منها خالصا لوجهه الكريم.. وقد استمرت أعمال البناء والتشييد تلك لنحو ثمانية عشر عاما بدءا من العام245هـ وحتى عام 263هـ ويوم تمام البناء دخلت أم البنين إلى المسجد وأدت صلاة الشكر لله.
وقد أجرى المرابطون بعض إضافات على المسجد، فغيروا من شكله الذي “كان يتسم بالبساطة في عمارته وزخرفته وبنائه إلا أنهم حافظوا على ملامحه العامة، وكان هناك تفنن من قِبل المعماريين في صنع القباب ووضع الأقواس ونقش آيات القرآن والأدعية، وكان أبرز ما تركه المرابطون في المسجد هو المنبر الذي لا يزال قائما إلى اليوم، وبعد المرابطين، قام الموحدون بوضع الثريا الكبرى والتي تزين المسجد الفاسي إلى يومنا هذا”.
وللمسجد سبعة عشر بابا وجناحان يلتقيان في طرفي الصحن الذي يتوسط المسجد، كل جناح يحتوي على مكان للوضوء من المرمر، وهو تصميم مشابه لتصميم صحن الأسود في قصر الحمراء في الأندلس.
يقول ابن خلدون عن أم البنين” فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها” في إشارة إلى ما أحدثه وجود هذا البناء الشامخ في فاس من حفز لولاة الأمر على تشييد المساجد ودور العلم بما يضارع هذا الصرح الذي ما لبث أن تحول لمنارة للعلم لا نظير لها في أربعة أركان الأرض.
أقدم جامعات الدنيا
يقول المستشرق الغربي روم لاندو أن العلماء في جامعة القرويين كانوا يعكفون على المباحث الدينية، والمناظرات الفلسفية التي تتجاوز دقتها إدراك فكرنا الغربي، كما كان مثقفو تلك الجامعة يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من فلاسفة الإغريق.. وكان كل ذلك قبل نحو ألف عام.
ويؤكد الباحث نايف شرار أن جامعة القرويين قد انتقلت ابتداء من العصر المرابطي من مرحلة الجامع إلى مرحلة النواة الجامعية، غير أنها لم تنضج بصورة كاملة إلا في العصر المريني عندما عُزز الجامعة بمجموعة من الكراسي العلمية والخزانات والمدارس المجاورة له، فأصبحت فاس بذلك قبلة أنظار لكبار العلماء والأدباء، وقد وصفت جامعة القرويين في تلك الآونة بأنها حازت علم القيروان وعلم قرطبة مجتمعين.
وتعتبر جامعة القرويين أقدم الجامعات في تاريخ البشرية إذ تأسست عام859م، بينما تأسست الجامعة الأزهرية 970م، وقد تأسست أقدم الجامعات الأوروبية وهي جامعة بولونيا بإيطاليا1158م والسوربون بفرنسا في1200م.
وقد لعبت جامعة القرويين دورا كبيرا في مواجهة الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب حتى أن الجنرال الفرنسي “ليوتي” صرح في 1912م بأن فرنسا لن يستقر لها الأمر في المغرب إلا بالقضاء “على هذا البيت المظلم”.
لقد قدمت فاطمة الفهرية أروع مثال للمرأة العربية صاحبة العزيمة التي تفوق عزائم الرجال، وكان لنهجها في البذل أعظم الأثر في كثير من الملوك والأمراء الذين زينوا حواضر الإسلام بقلاع الدين والعلم التي ما زالت باقية إلى يومنا هذا شاهدة على حضارة أعلت من شأن العلم، كما أعطت المرأة حقها في القيام بدورها في البناء قبل أن يكون ذلك مطروحا في الغرب بوقت ليس بالقصير.