زي الهَوَى

شاهدت بالأمس الفيلم الوثائقي “جاي الزمان” للمخرجة والمؤلّفة “دينا محمد حمزة” ابنة الشاعر الراحل “محمد حمزة”، الرجل الذي كتب أكثر من 1200 أغنية، أصبح عدد منها جزءًا من تراكيب اللغة الدارجة والتعبيرات الشائعة. كان من المتوقع أن يأتي الفيلم بصورة تقليدية كعمل وثائقي يؤرّخ لحياة وأعمال الشاعر الكبير، وأن يأتي تميّز هذا العمل من خلال المعلومات الأكثر خصوصية، والتي بالتأكيد لن يكون هناك من هو أقدر على تقديمها من ابنة الرجل محور العمل الفنّي.

وبمجرد أن بدأ الفيلم فوجئت بخَط مختلف تمامًا، بالتأكيد توافر به ما توقعت من معلومات، ولكنها لم تكن هي مركز الدائرة ولا المحرّك الأساسي لتتابع المشاهد والصفحات بالفيلم. تحرّك مسار العمل من خلال فكرة هي أكثر ما يشغلني مؤخرًا على مستوى الكتابة والحياة، وهي فكرة غياب الظل عن يوم مُشمس شديد الحرارة، أو غياب الشمس عن شتاء قارس. كان الأمر أكثر ذاتيّة مما تصوّرت، فأخذتني التجربة إلى نقطة هي أبعد مما انتظرت. كان اهتمامي كشخص محب للشعر وكاتب له أن أطّلع على تجربة ثرية وهامة كتجربة محمد حمزة، شاعر الألف أغنية، فوجدتني أطّلع على خطّين متوازيين استطاعت دينا أن ترسمهما بذكاء وصدق متلازمين، هما الخط الوجداني الذي تتحدث فيه البنت عن فقدان والدها وما شعرت به من وحدة وفقد ووحشة، تلك المشاعر التي أخذتها إلى الحزن التقليدي ثم مقت الحياة ثم إلى البحث عن الظل الضائع بين أسطوانات غنائية ومحطات الإذاعة وحكي المعارف والأحبّة.

أما الخط الثاني فهو سرد جزء من تاريخ مصر الحديث من خلال أغنيات كتبها الشاعر الراحل، وهذا الجزء التقني في العمل كان كفيلًا بتهديد الخط الأول منه بالضياع وتضييق انتباه المشاهد، لولا أن استطاع صناع “جاي الزمان” أن يقوموا بتضفير الخطّين في نقاط التقاء متعددة، منها الجانب الوجداني للرجل وتفاعله مع الأحداث وصدى ذلك عند الأبناء الثلاثة “أحمد ودعاء ودينا”.

في الحقيقة لا أعلم إن كان المخرج يستهدف الحالة النفسية التي تلحق بالمشاهد بشكل مباشر، أم أنه يركز كل صدقه وإتقانه للعمل في خدمة تصوّره، ثم يلاحظ تأثير عمله على من يشاهده. ولكن الحالة التي تسببت فيها دينا محمد حمزة لمن يشاهد هذا الفيلم هي –من وجهة نظري- إحدى أكثر الحالات المزاجية والنفسية رقيًّا وإنسانية، هي حالة التوحّد مع شخص وتكوين رؤية أقرب للشمول لوجدانه وطباعه، دون أن تراه يتحدث أكثر من دقائق معدودة ومن خلال شاشة تحجبك عنه، وسنوات كثيرة تفصل بينك وبين فرصة اللقاء معه. الرحلة الأخيرة التي خاضها الإنسان تاركًا خلفه رصيدًا كبيرًا من العواطف المتنوعة من شخص لآخر، لدرجة ألا يصعب أن تراه متجسّدًا أمامك في هيئة مشاعر مرتّبة وانفعالات بشريّة وعلاقات إنسانيّة. الشعر الذي يهب الخلود لوجدان الشخص بعد الفناء الفيزيائي المعروف والمترقّب طوال الوقت، هو لغة ذلك العمل.. فحينما نتحدّث عن محمد حمزة، أحد أهم صنّاع الأغنية المصرية في القرن العشرين، فنحن أمام تحدٍّ خاضه الرجل مع أغنية الفصحى “القصيدة المُلحّنة”؛ ليُخرِج منها نماذج عديدة، مثل “زي الهوى” التي انتصر بها حمزة على أصدقائه أنصار الفصحى في تحدٍّ قديم. وحينما تتحدّث دينا عن والدها فهي تتكلّم عن رجل سافر بعيدًا تاركًا “راديو مفتوح”؛ لنجد أننا أمام أب جاء إلى الحياة وعاشها، ثم غادرها برقّة كالهواء الذي يهب مداعبًا رؤوس الأشجار بالترتيب، ثم يغادر إلى حديقة أخرى. كذلك حضر حمزة إلى الحياة وداعبها وغادرها “زي الهوى”.