رحلة قصيرة جدًا

حظه العاثر ألقى به من قلب السماء إلى قلب أسرة فقيرة في قلب صعيد مصر، الصعيد الذي يعاني فوق هموم البلاد المعتادة هموم أخرى تزداد مرارة حينما تكون فقيراً، ولكنه طفل، صعيدي فقير مسيحي عام 2017، التركيبة الحزينة التي قد يجد طفل نفسه يعاني منها دون ذنب. الدولة تتجاهل مظاهر التمييز التي تحدث تحت عين الشرطة والمحافظين في صعيد مصر، الجماعات الإرهابية تزداد شراسة وتهديد للضعفاء العُزَّل المدنيين كفرصة لاستعراض القوة. أين القوة في قتل طفل أعزل فقير في قلب الصحراء؟ الأمر ليس مخيفاً حينما نجرّد الحدث من الأبعاد النفسية والعوامل المحيطة به، لا قدرة خارقة يحتاجها المرء كي يتمكن من قتل مدني أعزل بينما هو يحمل السلاح الآلي. فلنتخيّل المشهد… لا، بل لنستكمل القصة ونعود إلى بدايتها مرّة أخرى.

هناك طفل ألقى به الحظ العاثر إلى قلب أسرة فقيرة مسيحية في صعيد مصر، بالكاد استطاع اللحاق بمدرسة حكومية، حصّل منها من الكدمات والأمراض الجلدية أكثر مما جمع من معلومات. يتابع النشرات الحكومية بينما يجلس إلى جوار أبيه فلا يفهم شيئاً ولا يهتم. النشرات تمتلئ بالكراهية والبيانات العائمة والكلمات والوعود المؤجلة، البلاد تزداد فقراً فيصبح فقرهم فقرين بل ثلاثة. نزهته الوحيدة هي زيارته للكنيسة يوم الجمعة، بالإضافة للرحلات الكنسية المكررة للدير هذا أو للكنيسة تلك. لم يعد الفقر حالة اقتصادية أو وضع اجتماعي كما كان، فالفقير لم يعد فقط مهدداً بالموت مرضاً، بل أصبح يموت جوعاً ومرضاً دون المرور بمرحلة التهديد، فما بالنا بالموت قتلاً! أين العقل في إرسال إنسان إلى الموت وتلقيبه بـ”المحارب”؟ كيف يحارب هذا الفقير الهزيل حملة السلاح الثقيل؟ كان أولى به أن يحارب وضعه الاجتماعي الذي ألقى به في تلك الهوّة السحيقة من التعثر والصعوبة في ممارسة كل شيء.

الفرح صعب، النجاح صعب، الأكل صعب، السير بأمان صعب، وحتى استمرار الحياة على تلك الشاكلة أصبح شبه مستحيل. سُلبت الحقوق المنطقية بيد وسُلبت الحياة باليد الأخرى، أهناك ما يفوق ذلك الواقع حزناً وإحباطاً؟ الدولة تأخذ على عاتقها السير حتى نهاية طريق الإفقار وتجاهل حساسية الموقف، الدولة تشرف على حل الأزمات الطائفية بالمجالس العرفية التي تنصف القوي على حساب الضعيف دون أدنى تدخل رسمي، والطريق إلى الدير لا تأمين ولا عين ترصده سوى أعين الشر، ولكن ليست هذه قضيتنا الآن. فلنستكمل القصة من حيث توقفت.

وأخيراً جاء يوم الجمعة، القدّاس ثم التجمّع حول الأتوبيسات ومن ثم الخروج إلى الرحلة الكنسية المتجهة إلى دير الأنبا صموئيل. من الكنيسة إلى الدير، لا يهم… المهم أن نستنشق هواءً مختلفاً. نأكل مع الأصدقاء، قد نلعب بعض مباريات الكرة في الساحة الخارجية ونعود منهكين بالنشوة وننام في الطريق حتى نصل إلى بيوتنا. لم تكد الرحلة التي تحمل الطفل عاثر الحظ تصل إلى مدخل الدير حتى ظهرت مجموعة من المسلحين الذين قاموا بما أخبرتنا به وكالات الأنباء والصحف ووسائل الإعلام والقيادات الأمنية ورئيس الجمهورية، ليست هذه التفصيلة هي الأهم. حتى مصير الطفل المذكور ليس هو المهم الآن، فليس من المؤكد أنه قد مات ولكنه قد يكون فقد والدته أو والده أو أخاه أو اخته أو كلهم. ليس مهماً الآن تفاصيل خروج المسلحين الذين فتكوا بأفراد الرحلة على الطريق غير الجدير بالتأمين في ظل كل تلك التهديدات. ليس مهماً ما حدث للطفل وأين ذهب الرصاص تحديداً، المهم في تلك القصة هو أن الرصاصة ليست هي أسوأ جزء في حياة الطفل عاثر الحظ الذي ألقت به الحياة إلى قلب أسرة فقيرة مسيحية في صعيد مصر عام 2017 ليصبح عند بعضهم “النصراني المُحارب”، وعند الآخرين “الشعب الكسول” ثم ينتقل إلى “ضحية الإرهاب الغاشم” لمجرّد أنه انتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر ليخرج في الرحلة الكنسيّة القصيرة جداً.