المقاومة الشعبية حاضنة المقاومة المسلحة

تعتبر المقاومة الشعبية أقدم صور مقاومة الظلم في العالم، وهي أسلوب كفاحي سلمي، يُستخدَم عند عدم تكافؤ موازين القوى مع العدو، وتجدي نفعًا إذا كانت شاملة لأفراد الشعب عامة، وكانت هناك قناعة بها والتفاف حولها. ومن أهم قادتها في العالم مارتن لوثر كينغ والمهاتما غاندي.

لم يغب هذا الأسلوب عن الشعب الفلسطيني في محاولته المستمرة لنيل حق الحرية وتقرير المصير وتثبيت الهوية الفلسطينية، في ظل التهويد المستمر لكل المعالم الفلسطينية في المناطق المحتلة من عموم فلسطين، إذ بدأت شرارة المقاومة الشعبية بشكل موثق منذ اندلاع الانتفاضة الأولى، والتي أطلق عليها لقب انتفاضة الحجارة؛ لتنطلق شرارتها من مخيم جباليا في قطاع غزة في الثامن من ديسمبر لعام 1987، ثمّ انتقلت إلى كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين.

استمرت المقاومة الشعبية وطرق التعبير عنها، إما التحامًا مع العدو بكل ما تَوفَّرَ للفلسطيني من مقاومة أو من خلال المسيرات الحاشدة على الحدود بين قطاع غزة والكيان الإسرائيلي أو نقاط التماسِّ في الضفة المحتلة، إذ تعتبر أسلوبًا لا يمكن التخلي عنه في إيصال رسالة الشعب الفلسطيني لأحرار العالم.

ولأن الشعب الفلسطيني يحيي الكثير من الفعاليات، يعمد للمقاومة الشعبية في رسالة واضحة منه إلى أحقيته في مليكة الأرض، إضافة إلى فعاليات إسناد الأسرى والقدس ووقف الهدم وتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين.

قد تزيد وتيرة المقاومة الشعبية أو تنحسر وفقًا للمعطيات على الأرض، إذ بدأت تنحسر المقاومة الشعبية مع بدايات العمل العسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصى لعام 2000م، حيث بدأ العمل العسكري بشكل فردي لبعض أفراد الأجهزة الأمينة في قطاع غزة في مقاومة المحتل، إضافة لمحاولات تفجير العبوات في طرق تواجد السيارات العسكرية الإسرائيلية، والتي كان لها الوقع الكبير في نفوس الفلسطيني والساخط لدى الإسرائيليين على المستويين العسكري والسياسي؛ ليتصاعد العمل العسكري حين أعلنت كتائب القسام إطلاق أول صاروخ لها تجاه الأراضي المحتلة عام 2001 من نوع قسام؛ لتحذو حذوها باقي الفصائل العسكرية التي رأت أن العمل العسكري ما هو إلا امتداد طبيعي لعمل المقاومة الشعبية.

ولوحظ تراجع كبير في المقاومة الشعبية بعد اتساع رقعة العمل العسكري في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، إذ بدأت تتراجع أكثر في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع 2005، واقتصرت على المساحة الممتدة من الضفة المحتلة، والتي سجل فيها الفلسطيني دورًا بارزًا في أن يكون شوكة أمام عنجهية الاحتلال؛ ليعود قطاع غزة للواجهة في المقاومة الشعبية إبان الهجمة الشرسة على مدينة الخليل، إسنادًا للشطر الآخر من الوطن، والذي انحسر مع بداية حرب 2014، لتشتد وتيرتها في الضفة المحتلة، ليسير العمل العسكري في القطاع والشعبي في الضفة بخطين متوازيين.

برزت خطورة المقاومة الشعبية في ظل انتفاضة القدس 2015 من خلال الالتحام المباشر مع المستوطنين وجنود الاحتلال وخطوط التماسِّ، ليضع الاحتلال هذا التحرك ضمن أجندته، في محاولات بائسة لإنهائه رغم نجاحه في نهاية المطاف في ذلك.

كشعب يسعى للتحرر لا يمكن أن نستثني أي وسيلة يمكن من خلالها أن نحقق حق الاستقلال ولكل وسيلة وقتها. ولا يمكن لعاقل أن يفضل إحداها على الأخرى، فلكل طريقة في المقاومة أهداف ورسائل، وتبقى النتائج محكومة بطبيعة الصراع.