الصراع التركي المصري: من المنتصر؟

أظهرت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أن أردوغان قد أخطأ في خططه وتقييم كل الأحداث الإقليمية المحيطة بالحكومة التركية، ويبدو أن حزب العدالة والتنمية كان يرى أنه بإمكانه توظيف كل الأحداث والتطورات الميدانية التي وقعت بالدول العربية وخاصة سوریا كوسیلة للتقرب من الولايات المتحدة الأمريكية والدخول في الاتحاد الأوروبي.

وفي السياق ذاته، نرى أن الحكومة التركية قد اتخذت سياسات متغيرة ومختلفة بنوعها مع الدول العربية التي كانت تختلف على مر الزمن وبتغير الظروف السياسية وذلك كله لتحقيق ومتابعة أهدافها الجيوسياسية والجيواقتصادية ونزعاتها القومية والعثمانية.

يمكننا اعتبار العلاقات المصرية – التركية مثالاً واضحاً على ما ورد آنفا؛ إذ نرى أن بعد التطورات التي حدثت في مصر إثر الربيع العربي والإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك وتنصيب محمد مرسي رئيساً لمصر في يونيو 2012م، أن رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، آنذاك، كان أول رئيس يزور القاهرة ويلتقي بمحمد مرسي وبعد 3 يوليو 2013 والإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، اتهم أردوغان حكومة الجنرال عبد الفتاح السيسي بعدم الشرعية، قائلا إن النظام المصري استولى على الحكم بالانقلاب ووضع كل الحريات تحت قدميه، ما أدى إلى خلق اختلافات كثيرة واتساع الفجوة بين الطرفين وإعلان تركيا رسميا في 18 يوليو قطع علاقاتها بمصر.

واليوم، يمكن إرجاع سبب تدهور العلاقات المصرية التركية إلى تنافس الحكومة التركية مع دول الجوار للسيطرة على المنطقة سياسياً وعسكرياً؛ إذ يمكننا أن نعزو كل تحركاتها العسكرية إلى هذا الأمر كتدخلها الواسع في سوريا ودعمها للجماعات الإرهابية وإنشاء قاعدة عسكرية في قطر عام 2015 وأخرى في خليج عدن قرب السواحل الصومالية عام 2016 ومباحثاتها السرية مع البشير لإنشاء قاعدة أخرى في السودان، كما لا ننسى نزعتها القومية العثمانية التي صنعت منها دولة شبه استعمارية، كذلك يمكن اعتبار الجذور التاريخية للعساكر المصريين الحاليين المنشّئين على نفس نهج ناصر وقوة مصر العسكرية والسياسية، عاملا كبيرا في جعل الحكومة المصرية أن تتخذ تركيا العدو الأول لها في المنطقة.

وجاء التقرب التركي من السعودية بعد التوترات التي حدثت بينها وبين مصر في 13 فبراير 2017 تعميقا لهذه الاختلافات وتضعيفا لعلاقات مصر الخارجية مع دول الجوار، بالطبع، فإن تركيا عقدت مباحثات مع مجلس التعاون الخليجي في 13 أكتوبر الماضي بخصوص سوريا، وظهر أنه كلما تقربت السعودية من تركيا، زاد ذلك من مسافات علاقاتها مع مصر، وتعزّز هذا التصور بعد استباق السعودية القمة، وتوقيع شركة أرامكو 18 اتفاقية استثمار مع شركات تركية، بعد قطع إمدادها لمصر، كما تسبب لقاء وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد في 16 أكتوبر الماضي، مع الرئيس التركي أردوغان، في التكهنات بشأن مستقبل العلاقات بين مصر والإمارات، خصوصا أنها تعد أول زيارة من مسؤول إماراتي إلى تركيا بعد سنوات من التوتر بين البلدين، التوتر الذي كان ناتجا عن الانتقاد الحاد للرئيس السابق محمد مرسي، وكذلك عداء تركيا مع الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

وفي المقابل، قامت الحكومة المصرية في خطة ذكية بالاقتراب من الدول الأوروبية تطبيقا لمبدأ المقابلة بالمثل وردا على ما قامت به تركيا في التقرب من الحكومات العربية المتوترة علاقاتها مع مصر وذلك بعد أن حدثت عدة خلافات بين الحكومة التركية وهذه الدول إذ نرى تصاعد حدة الخلاف بين أنقرة وبرلين نتيجة سلسلة من التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الدولتين، في مارس الماضي على خلفية إلغاء الحكومة الألمانية التجمعات الداعمة لأردوغان والتي كان من المقرر أن تعقد في ألمانيا، وهذا الأمر أثار استياء تركيا وأدى إلى تصاعد النبرة الهجومية والحرب الكلامية بين البلدين.

تفاصيل هذه الأزمة بدأت حينما هاجم أردوغان الحكومة الألمانية، واتهمها بـ”إيواء الإرهابيين”، مشيرًا إلى الصحفي الألماني الذي تم حبسه مؤخرًا في أنقرة قائلًا “إن الصحفي الألماني الموقوف في تركيا هو انفصالي كردي وجاسوس ألماني في الوقت نفسه”، وكشف التصعيد الراهن عن تحسّس بالغ يكتنف العلاقات التركية-الأوروبية، إلى درجة دفعت أردوغان إلى الاغتراف من قاموس فائق الحساسية بالنسبة للألمان تحديداً، وهو التذكير بالماضي النازي لبلادهم، إنها إشارة صادمة بالنسبة لبرلين بكل تأكيد، وتقضم من رصيد التقارب الودي بين البلدين وفرصه المستقبلية.

في حينها اتسعت الأزمة بين تركيا وهولندا على خلفية منع الأخيرة وزيرين تركيين من دخول أراضيها،

وفي المقابل توعد القادة الأتراك هولندا بإجراءات عقابية، واتهموا ساستها بالفاشية، فدخلت دول أوروبية أخرى على خط المواجهة في الخلاف بشأن عقد تجمعات سياسية لحشد تأييد الجاليات التركية للتحول نحو النظام الرئاسي في إطار الاستفتاء المقرر بتركيا في 16 أبريل الماضي، كما تواصلت عدة خلافات بين تركيا والنمسا التي أدت إلى استدعاء تركيا سفيرها لدى النمسا في أغسطس الماضي، مؤكدة أنها ستراجع علاقاتها مع فيينا.

وفي مقابلة مع محطة «سي. إن. إن ترك»، قال أردوغان، إن كل شيء في علاقات تركيا مع أوروبا «من الألف إلى الياء» سيراجع بعد استفتاء 16 أبريل على التعديلات الدستورية التي ستوسع من سلطاته، فقامت الحكومة المصرية بالتقرب من الدول الأوروبية توسيعا لنطاق علاقاتها الخارجية التي كان أردوغان يسعى للحد منها وتضعيفا لجماعة الإخوان المدعومين من قبل أردوغان، حيث أكد مصطفى بكرى عضو مجلس النواب، أن زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ستكون لها انعكاسات على مدى العلاقات بين البلدين، منها إنهاء صفحة الإخوان نهائيا، لأن ميركل أدركت أهداف هذه الجماعة الإرهابية، خاصة أن للإخوان المسلمين مراكز متعددة داخل ألمانيا.

من الجدير بالذكر أن هذا السفر كان في نفس الشهر أي شهر مارس الماضي الذي تصاعدت فيه التوترات بين تركيا وألمانيا، كما جاءت زيارة سامح شكري إلى اليونان أكبر منافس للحكومة التركية في الاتحاد الأوروبي في 24 أبريل الماضي في هذا السياق.