الأسرى في سجون ومعتقلات العدو الصهيوني في حالة اشتباك دائم.. والإضراب عن الطعام نموذج من نماذج المقاومة

*لقد آن الأوان, وإضراب الأسرى على عتبة الأسبوع الرابع, أن يأخذ التضامن معهم مضموناً آخر أعمق بكثير مما هو سائد حتى الآن, فمن غير الطبيعي ولا المنطقي أن يعلن الأسرى عن الإضراب ومن ثم يقال لهم تكرموا!! (أضربوا أنتم ) ونحن ننصب لكم خيمة تضامن ونخرج على وسائل الإعلام نشيد بكم ونتغنى بصمودكم وبطولاتكم .

*الإضراب سلاح، والأسير المضرب أسير مقاوم مشتبك مع العدو, فلا تدعوه في ساحة الاشتباك لوحده.

يواصل الأسرى الأبطال المضربون عن الطعام إضرابهم، وهم اليوم على عتبة الأسبوع الرابع من بدايته التي أخدت من السابع عشر من نيسان (يوم الأسير الفلسطيني موعداً له)، ولقد جاء هذا الإضراب في أدق الظروف وأصعبها وأكثرها خطورة تمر بها قضية فلسطين ونضال شعبنا المكافح وأمتنا جمعاء، ووسط حالة من التداعي والانهيار في الساحة الفلسطينية، فالخلافات والانقسامات لازالت على أشدها، والأزمات التي تعصف بالساحة الفلسطينية تزداد عمقاً واستفحالاً، والمؤامرات المتواصلة من أجل تصفية قضية فلسطين لازالت تتوالى، وإصرار فريق فلسطيني متنفذ يقف على رأس منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة حكم إداري ذاتي أنتجها اتفاق أوسلو المشؤوم؛ بالمضي واللهاث وراء المفاوضات والانخراط في مشاريع التسوية (التصفية) يتواصل بعناد.

ويأتي في مرحلة تشهد فيها أمتنا جمعاء تعاظم الاستهدافات والمخططات والمشاريع الهادفة لتجزئتها وبث الفرقة والفتنة ومشاعر الحقد والكراهية في أرجائها من قبل معسكر معاد تقف الولايات الأمريكية المتحدة على رأسه إالى جانبها الكيان الصهيوني وبعض حكام العرب في العديد من أقطار الأمة وجيش مدجج من قوى الإرهاب الأسود المتوحش.

في ظل هذه المرحلة وهذه الأوضاع جاء إضراب الأسرى والمعتقلين، وإذا كانت سمات هذه المرحلة تشكل نقطة ضعف للأسرى في كفاحهم ضد جلاديهم إلا أنها ميزة تحسب لهم، وما يحسبه العدو الصهيوني ظروف مواتية لاحتواء الإضراب ومنع تمدده وتواصله، يشكل فرصة ثمينة وتاريخية لهؤلاء الأسرى الأبطال لإثبات قوتهم وقدرتهم من جديد وإعلاء صوتهم في إستحضار قضيتهم الوطنية بشكل ساطع وصارخ، وإرسال رسالة للعالم بأسره تفضح العدو الغاشم وممارسته العنصرية ورسالة للأمة العربية جمعاء أن قضية فلسطين لازالت حاضرة ولن يكون بوسع أي مؤامرة أو إستهداف أو ظروف أو حروب تعيشها أمتنا من تغييب هذه القضية وإسدال الستار عليها، ورسالة للشعب الفلسطيني وأجياله الناشئة التي تعبر عن نفسها بحراك إنتفاضي متواصل بأنه لا خيار لنا من أجل نيل الحرية والكرامة إلا مواصلة النضال وطرد الغزاة جنودا ومستوطنين.

في معركة الأمعاء الخاوية، معركة الحرية والكرامة التي يخوضها الأسرى الأبطال صراع إرادات، مما يجعل من السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بقوة، من الذي سينتصر في هذه المعركة؟ سؤالا مركزياً أمام كافة الفصائل الفلسطينية.

من الذي ينتصر؟ الحركة الأسيرة بإرادتها الفولاذية فتثبت جدارتها في ساحة الاشتباك وتستعيد هيبتها التي طالما أقضت مواجع العدو، وتستحضر تاريخها النضالي المشرف ليكون النموذج الملهم والصورة الناصعة لجماهير شعبنا الفلسطيني المقاوم، أم الذي ينتصر هو العدو الصهيوني وأجهزته الأمنية فيكون قادراً على إحتواء الإضراب ومنع تطوره وتناميه.

والأمر هنا لا يتوقف على صمود الأسرى وهم صامدون فعلاً، وعلى إرادتهم الفولاذية ولقد جسدوها، ولا على حجم التضامن الشعبي معهم سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي أو حتى العالمي على أهمية ذلك وضرورته، بل يتوقف فقط على عاتق الفصائل الفلسطينية أولاً وقبل كل شيء، سواء في دورها النضالي المطلوب أو في مراجعتها للواقع البائس والمترهل والمنقسم على ذاته، أو في استعادة المشروع الوطني الذي يستنهض الجماهير ويعيد لقضية فلسطين ألقها ويرسل رسالة واضحة للأسرى أنكم لستم وحدكم في مقارعة الاحتلال، فمن غير الطبيعي ولا المنطفي أن يعلن الأسرى الإضراب ويقال لهم تكرموا! “أضربوا أنتم” ونحن ننصب لكم خيمة تضامن ونخرج على وسائل الإعلام نشيد بكم ونتغنى ببطولاتكم، فإذا كان إضراب الأسرى نضالاً ومقاومة من خلف القضبان وهو كذلك فعلاً، فصداه يجب أن يكون نضالاً ومقاومة من خارج القضبان والزنازين.

لقد آن الآوان وإضراب الأسرى على عتبة الأسبوع الرابع أن يأخذ مضموناً آخر أعمق بكثير مما هو سائد حتى اليوم، ويتطلب هذا أن ندرك جميعاً أن خلف مطالب الأسرى المعلنة والعادلة تكمن مفاهيم راسخة على الصراع مع العدو الصهيوني سواء لجهة رؤية الأسير لنفسه كأسير مشتبك مع العدو لم يستطع السجان والجلاد أن يصادر حريته وينتزع إرادته رغم القيود والسلاسل، أو لجهة رؤية الأسير لشعبه التواق للتحرر والحرية، فالحرية والكرامة شعار إضراب الأسرى الأبطال، لا يأخذ مضمونه الواسع إذا لم يكن شعار الفصائل مجتمعة، فالحرية هي التحرر الوطني، هي طرد الاحتلال والاستيطان، هي مغادرة أوهام التسويات، ومغادرة محطات الانتظار البائس والمهين, وبالتحرير يتمتع شعبنا بالحرية وينعم بالكرامة.

إن أول ما يتوجب فعله هو الإنكباب على دراسة التجربة كلها وتجربة الحركة الأسيرة والتعلم منها والاستفادة من دروسها فنحن لسنا أمام أفراد معزولين في السجون ضعافاً يحتاجون إلى التعاطف معهم، ورفع الشكوى ضد جلاديهم على ما يواجهونه من تعذيب واضطهاد وممارسات عنصرية، والتغذية القسرية التي يتحضر العدو للقيام بها نموذج صارخ للعنصرية، وخطراً على حياة الأسرى.

الأسرى الأبطال لا ينتظرون منا أن نرفع معنوياتهم فهم يتقدمون الصفوف، ولا ينتظرون أن نشد أزرهم فهم أصحاب القرار والإرادة، وخلف مطالبهم المعلنة رسالة مشفرة إلى هذا الجيل من شباب وشابات فلسطين في حراكهم الانتفاضي المشهود أن واصلوا ملاحقة جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين.

أكد الأسرى في إضرابهم عن رسالتهم للسجان والجلاد، ولشعبهم ولأمتهم وللعالم أجمع، رسالة تقول أن إرادة المناضل لا تنكسر وأن عزيمة المقاوم لا تفتر، وأن الزنزانة الضيقة أوسع بكثير من أن يحاصرها جيش مدجج بالسلاح، فالإضراب سلاح، والأسير المضرب أسير مشتبك مع العدو… فلا تدعوه في ساحة الاشتباك لوحده.

*أمين السر المساعد لحركة فتح الانتفاضة