وشوشة الودع .. ومستقبل السيسي

(1)

كلما اجتمعت مجموعة من المصريين المنشغلين بالشأن العام، كان حديثهم عن أوضاع البلد وترشح السيسي والبحث عن بديل، البعض يجد أن ما يحدث كارثي، فمصر اختزلت في السيسي، فهو صاحب القرار وصانع المستقبل.

نتحدث كثيرا عن الرئيس وكأنه سيظل في منصبه إلى الأبد، معارضو سياسات الرئيس، وأنا منهم، لم يقدموا حتى هذه اللحظة واقعا افتراضيا لما سيكون عليه الحال بعد خروج السيسي من الحكم، تصورات تجيب عن أسئلة: كيف سيتشكل مجلس نواب مستقل وواع يدافع عن الشعب وليس السلطة التنفيذية، كيف يصبح القضاء مستقلا، كيف يمكن تنفيذ الإصلاحات المقترحة بالنسبة لأداء ضباط وزارة الداخلية، كيف نغير سلوك المواطن في الشارع ونجعله إيجابيا مشاركا ومهذبا، كيف نجعل التهرب الضريبي جريمة لا يغفرها المجتمع لأنها تسلبه حقا أصيلا من حقوقه، كيف يمكن للجهات الرقابية أن تقوم بعملها دون قيد أو شرط، كيف نعيد للمعلم مكانته ويعود هو لإخلاصه وتفانيه، كيف نستعيد القيم؟.. ألف كيف وكيف عن مصر التى نحلم بها، مصر التي ليس لدينا خطة تفصيلية عن كيف تكون “أد الدنيا” حقا وصدقا وليس مجرد شعار انتخابي نردده مشفوعا بتحيا مصر…

علينا أن نجيب عن سؤال هام: ما هو خيالنا عن مصر بعد السيسي؟ إزاحة السيسي ليست هدفا، لكن تحسين أحوال مصر هو الهدف.

(2)

لقد أعدمنا الخيال في حياتنا.. في طفولتي كان من هواياتي جمع القواقع من على الشاطئ، كنت أختار أكبرها وأضعها على أذني وأستمع لهدير البحر، أو هكذا كان يخيل لي، كنت أهمس إليها بما يشغل بالي وأنتظر منها إجابة ملهمة، هي في الحقيقة من عقلي الباطن، الأطفال لا يفعلون ذلك الآن، لا ينصتون إلى صوت الموج، ولا يتطلعون لضوء القمر، ولا يجمعون القواقع ويهمسون لها بأسرارهم.. خيالنا كان أكبر من واقعنا المحدود، أما واقعهم فهو أبعد من الخيال، وهم يكتفون به ولا يذهبون إلى أبعد منه، لكن يظل الخيال المحرك الأساسي للإبداع الذي لم يعد له مكان في مصر..

(3)

مازلت أحن لهمسة القوقعة ووشوشة البحر ومراقبة الموجة التي تتركني وحيدة على الشاطئ كحجر صغير مهمل على الرمال، وتسافر بعيدا حرة كيفما شاءت، حتى لو انتهى بها الحال إلى الزوال، ولذا أعجبني فيلم صوت من الحجر Voice from the Stone، وهو فيلم أمريكي جديد، عن رواية للأديب الإيطالى سيلفيو رافو (69 سنة)، وهو يدور حول “فيرينا” الشابة اليتيمة التي تتنقل بين بيوت الأثرياء كمربية ومعلمة لنوعية معينة من الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التواصل، تصل إلى منزل الطفل “جاكوب” الذي فقد أمه “مالفينا” من 7 أشهر، وفقد معها رغبته في الحديث والتواصل حتى مع أبيه، وهو يتواصل فقط مع أمه الميتة بالإنصات إلى حائط حجرته، ويسمعها وهي تناجيه، “كلاوس” الزوج الأرمل فقد رغبته في العمل والحياة، فمنذ وفاة زوجته لم يستكمل التمثال الذي كان ينحته لها، باختصار، الحياة في المنزل الكبير جفت كأوراق الشجر التي تملأ ممراته، ولم تستطع فيرينا أن تقنع جاكوب بالتجاوب معها، إلا بعد أن تعلمت هي الأخرى الإنصات للحجر وسمعت صوت أمه، استوقفني الفيلم، رغم مستواه الفني المتوسط، لأنه ذكرني بما نسيته، كيف يمكن لإنسان أن يصنع عالما من الخيال؟، يستمع فيه لأصوات لا يسمعها غيره، ويؤمن بأشياء لا علاقة لها بالواقع وتكون أشد أثرا عليه وعلى حياته.. ولكن ربما تعينه على الخروج من مأزقه الآني.

(3)

ما الذي يجعل الإنسان مختلفا عن باقي الكائنات إلا هذا الخيال الذي يتحول إلى إبداعات فنية واختراعات علمية، وقد يتحول أحيانا إلى هذيان مرضي؟، الفرق بين المريض النفسي الذي يتخيل أشياء وبين المبدع، أن خيال الأخير يجعل الحياة أفضل وأكثر تنوعا ونفعا، الخيال المبدع دعوة للمشاركة بين أكبر عدد من الناس، أما الخيال المرضي فهو يؤدي إلى العزلة.

(4)

لنعُد إلى واقعنا السيئ ونتأمل واقعنا الضيق الذى يكاد يخنقنا، وننصت إلى حدسنا الذي تركناه ليصدأ عبر سنوات من التنميط والتعبئة الفكرية المثبطة للخيال. تأمل واقعك بقلبك وليس بعقلك الذي استكان للمستقر، حاول أن تجيب عن السؤال الخالد الذي نردده في عهد كل رئيس جاءنا بالصدفة أو بالتزكية أو حتى بصندوق اقتراع: هل هناك بديل؟

(5)

هل بالفعل ستضلّ مصر لوغاب عنها الرئيس، أيا كان اسمه؟، هل فعلا لو ترك السيسي الرئاسة ستعم الفوضى البلاد ويختلط الأمر على العباد؟ وهل ما حدث بعد ثورة يناير من فوضى كان بسبب غياب مبارك؟ أم نتيجة تآمر أطراف ورغبة كل منها بالانفراد بالحكم ولو دفع الشعب الثمن غاليا؟. مؤسسات الدولة حين تكون مستقلة ومستقرة لا تتأثر بغياب رئيس وقدوم آخر، لكن في حال عدم استقلال هذه المؤسسات، وتلاعب الدولة العميقة الفاسدة، هنا تكمن المشكلة وتصبح كلفة التغيير عالية، والخوف من حدوث فوضى وتناحر حاضرين في وعي الناس، وهو ما يجعلهم يتمسكون بالحاضر ولوكان رديئا لأن المستقبل غير مضمون العواقب.

(6)

أشهد أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة نرددها كل يوم مرات ومرات، ولكن هل تأملنا معناها ونتيجة اليقين بها؟، هذه الشهادة تعني لي الحرية.. الله الواحد القهار لا يكرهك على الإيمان به “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، حريتك منحة منه وليس لمخلوق أن يسلبك إياها، الملائكة أنفسهم لا يتمتعون بهذه الحرية، فهم مجبولون على الطاعة، وأنت مجبول على حرية الاختيار، وحسابك سيكون على اختيارك.

(غ)

اختر كيفما شاءت لك حريتك، وكيفما ذهب بك خيالك، أنصت إلى القوقعة أو الحجر، هما في النهاية وسيلة تستفتي بها قلبك، ثق بنفسك وقدرتك على التغيير.. لو أردنا لمصر حالا غير ما هي عليه يجب علينا جميعا أن نتشارك الحلم.. الحلم والخيال لا يستطيع أحد أن يصادرهما ولا حتى بقانون الطوارئ.

EKTEBLY@HOTMAIL.COM