«مكافحة الإرهاب».. هل يصطدم بمؤسسات الدولة أم يتحول لحَكَم بديل؟

أعلن الرئيس السيسي في خطاب تلفزيوني، مساء أمس، عن تشكيل المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب، ضمن عدة إجراءات أخرى منها إعلان حالة الطوارئ، عقب تفجيرات كنيستي طنطا والإسكندرية، التي أسفرت عن مصرع نحو 45 شخصًا وإصابة أكثر من 125 آخر، لافتًا إلى أن المجلش سيصدر في الفترة المقبلة بقانون خاص به.

وأضاف السيسي أن المجلس الجديد سيختص بمناقشة الأمور المتعلقة بالإرهاب كافة، ويتم منحه صلاحيات لضبط الموقف على المناحي كافة؛ الإعلامية والقضائية والقانونية والخطاب الديني، وسيكون المخول الأول بمجابهة الإرهاب والتطرف.

تساؤلات عديدة وتخوفات أكبر صاحبت القرار الجمهوري الطارئ بشأن صلاحيات المجلس الجديد، وما إذا كانت ستتجاوز سلطات مؤسسات القضاء والبرلمان والمؤسسات الدينية، وفريق تشكيل المجلس الأعلى وعدد أعضائه وهوية الأشخاص الذين يتم تعيينهم، وهل يتم منح أعضائه الضبطية القضائية ومدى دستورية ذلك.

فكرة إنشاء المجالس العليا ليست بالجديدة في مختلف دول العالم، وإن كانت تحمل مسميات مختلفة مثل «المجالس المتخصصة» ذات الاختصاص المحدد، وتنقسم إلى نوعين؛ استشاري، عبر تقديم المشورة للدولة في قضايا مثل «المرأة، الطفل، البيئة، الإرهاب»؛ للمساعدة في حل المشكلات الجارية، والثاني ذات صلاحيات تخول إليه بقانون وتشريع جديد، يكون له دور رقابي بعيد عن التشريعات.

دقت ساعة الطوارئ

قرار إعلان المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب جاء بالتزامن مع بدء تنفيذ حالة الطوارئ في البلاد لمدة 3 أشهر، ابتداءً من الواحدة ظهر اليوم، مما يعطي مساحة أكبر للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية في تشكيل محاكم استثنائية، وإقرار إجراءات جديدة لتسريع وتيرة المحاكمات الجارية، وتقييد الحريات، بحسب العميد محمود قطري، الخبير الأمني.

وأكد قطري أنه سيتم منح المجلس الجديد، الذي سيشكل في غضون أيام، سلطات وصلاحيات عليا على مختلف مؤسسات الدولة، فضلًا عن الصلاحيات المطلقة التي تتجاوز إصدار التشريعات والقرارات فوق الدستورية المتعلقة بالخطاب الإعلامي والديني، وتغيير مناهج التعليم والانتهاء من قوانين العدالة الناجزة، بصورة تتجاوز صلاحيات مؤسسات الدولة الرسمية.

وطالب قطري في تصريحات خاصة بضرورة هيكلة وزارة الداخلية قبل التفكير في تشكيل أي مجالس عليا لمكافحة الإرهاب والتطرف، فضلًا عن إصلاح منظومة العدالة الجنائية المتمثلة في الشرطة والقضاء والنيابة العامة والتشريعات كافة ذات الصلة بالجرائم.

وقال الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس: يجب التفرقة بين «المكافحة» و«التعامل» فالمكافحة هي اجتثاث الفكر قبل أن يصبح واقعًا ينتج إرهابيين فاعلين.

وأضاف: ولابد أن يضم مجلس مكافحة الإرهاب لجنة موسعة من أبرز علماء النفس والسياسة والأزهر وعلماء الاجتماع وخبراء الإعلام والأمن والتربية والتعليم ونظم ومعلومات حديثة ومنظمات المجتمع المدني؛ بهدف وضع خارطة طريق جادة لمواجهة الفكر الإرهابي المتطرف وتجفيف منابعه في مختلف الاتجاهات حتى لا يتكرر بعد ذلك.

إجراءات فوق دستورية

«لا يجوز انشاء مؤسسات على خلاف الدستور».. هكذا أعلن المحامي الحقوقي ناصر أمين، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي أوضح أن دستورية المجلس الجديد تتوقف على فريق تشكيله، ومدى التزامه بالصلاحيات الدستورية لمؤسسات الدولة.

وأضاف أمين في تصريحات خاصة أنه يصعب منح المجلس صلاحيات واسعة تتجاوز المؤسسات القائمة، مما يمس بطبيعة بالمؤسسات، والتأثير على صلاحياتها، وتنازع الاختصاصات، وهو ما وصفه بالإجراءات فوق الدستورية.

صلاحيات محظورة

وتابع أمين: ومن ثم فلا يجب أن يكون للمجلس الجديد أي صلاحيات تشريعية أو صلاحيات قضائية، ولا يجوز له كذلك توقيع أي عقوبة إلَّا عبر هيئة قضائية، وإلَّا سيخل بقاعدة «لا جريمة أو عقوبة إلَّا بنص قانوني».

الضبطية الممنوعة

وأكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن الضبطية القضائية يجب أن تأتي في إطار صلاحيات وزارة العدل، فهي الجهة الوحيدة التي يحق لها منح الضبطية لأي موظف عام، لكن المجالس العليا ليس بها تعيين، والقائمون عليها ليس لهم الصفة العمومية، ومن ثم فلا يحق لهم اتخاذ الضبطية القضائية.

مجلس حكم

كما تخوف أمين من إمكانية تحول مجلس مكافحة الإرهاب إلى حَكَم بديل عن مؤسسات الدولة، في حال منحه صلاحيات مخالفة للدستور، ولا يجوز له إصدار تشريعات جديدة إلَّا بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، بعد تقديم مقترح بذلك من قِبَل رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء.

ويرى العميد حسين حمودة، خبير مكافحة الإرهاب الدولي ومواجهة الأزمات، تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب خطوة جيدة، بشرط ألَّا يتم تشكيله بنفس الطريقة القديمة التي تُدار بها مؤسسات الدولة كافة والمجالس العليا.

كيان كرتوني

وأعرب حمودة عن قلقه من إمكانية اختيار أعضاء المجلس الحالي من بين أفراد الطبقة الحاكمة، الذين لا يمتلكون أي رؤى للتغيير، ومن ذوي الثقة والمحاسيب، كما جرت العادة في السابق، فيتحول على إثر ذلك إلى مجرد كيان كرتوني صوري لا يقدم أو يضيف أي جديد في سبيل مواجهة العمليات الإجرامية.

وأكد حمودة أنه يجب أن يجري تشكيل المجلس الجديد بمنظور حديث، وتتبعه مراكز بحوث وتفكير تمده برؤى ودراسات علمية وميدانية ومستقبلية للأوضاع الجارية؛ حتى يتخذ قراراته على علم.