ضربة «التوماهوك» أنهت الخلاف بين ترامب والبنتاجون

بعد ساعات من القصف الصاروخي الأميركي على مطار “الشعيرات” السوري، استؤنفت الغارات السورية والروسية على مواقع الفصائل المسلحة في محافظة إدلب التي تسيطر عليها “جبهة النُصرة” وكذا مواقع المسلحين في ريف محافظة حمص الشرقي حيث تتركز العمليات العسكرية للجيش السوري في الأسابيع الأخيرة. وذلك انطلاقاً من مطار “الشعيرات الذي سيستأنف العمل بكامل طاقته خلال أيام حسب تصريحات لمسئولين سوريين، وهو الأمر الذي أكدته جهات معارضة مثل المركز السوري لحقوق الإنسان ومقره لندن، الذي أفاد بأن طائرات سورية من طراز سوخوي 22 أقلعت من “الشعيرات” واستهدفت تمركز لعناصر تنظيم “داعش”.

ضربة غير مؤثرة

وعلى صعيد عسكري فإن خسائر الضربة الصاروخية الأميركية لم تحقق الهدف الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو في مجمله ردع دمشق عن استخدام “الشعيرات” في شن غارات جوية على معاقل المسلحين، ناهيك عن كون المطار المذكور ليس الأهم ولا الأكبر الذي تستخدمه دمشق في محاربة المسلحين. ذلك بالإضافة إلى ما عُرض من صور ومقاطع فيديو من جانب وزارتا الدفاع الروسية ونظيرتها الأميركية لم تظهر تدمير للمطار الذي بحسب بيان موسكو لم يصيبه سوى 23 صاروخ من إجمالي 59 صاروخ “توماهوك” جوال، وهو ما يفتح آفاق تخمينات حول كيف أخطأ الصاروخ الأكثر دقة بين الصواريخ الجوالة والتقليدية لهدف بحجم مطار، وهل كان ذلك بسبب تشويش معين أم عدم اكتراث أميركي بأن يتم شلّ مطار “الشعيرات” الذي استهدف بـ”فاعلية قتالية متدنية” حسب العسكريين الروس. ومدى اتساق هذا مع التخمينات المختلفة للرسائل السياسية التي أرادت واشنطن إرسالها من خلال هذه الضربة العسكرية إلى مختلف الأطراف المعنية بالأزمة السورية.

وتوازى هذا مع تجميد موسكو لبروتوكول التعاون العسكري الخاص بحركة الطيران الحربي لكل من روسيا والولايات المتحدة والتحالف الدولي فوق سوريا، والذي يعد التجلي العسكري الأهم للاتفاق الأميركي الروسي الموقع في فبراير2016 من العام الماضي، والذي تعرض لاهتزازات متتالية قوضت فاعليته على مدار الأشهر الماضية، وإن ظل التمسك به هو خط الأمان لكل من البيت الأبيض والكرملين فيما يتعلق بالصراع في سوريا الذي صنفه الصليب الأحمر الدولي إلى مستوى “الصراع الدولي المسلح”. وبالتالي مع حسم جدلية جدوى وفاعلية الضربة الأميركية عسكرياً والتي لم تحقق أي ردع أو توازن ميداني، فإن هناك أسباب وتداعيات ترسم صورة عن تصورات الإدارة الأميركية الجديدة عن الأزمة السورية بشكل خاص، وعن سياسة ترامب في الشرق الأوسط بشكل عام.

إذن هناك أسباب ودوافع للضربة الأميركية تتجاوز فكرة الرد على استخدام الأسلحة الكيماوية –  بمعزل عن حقيقة من استخدمها في خان شيخون بعد تفكيك الترسانة السورية في 2014- وهي بطبيعة الحال تتجاوز أيضاً مسألة تعاطف ترامب وإدارته مع ضحايا الحرب في سوريا، وأيضاً تتجاوز فكرة انتزاع صلاحية دولية وأممية لدور عسكري أكبر للولايات المتحدة في سوريا؛ فمن نافلة القول أن الوجود العسكري الأميركي على الأراضي السورية منذ 2013 بشكل علني تزايد على مدار الأعوام الأربع الماضية ليصل في تقديرات إلى حوالي ألف عنصر من القوات الخاصة ومشاة البحرية والقوات الجوية، وهو ما يتنافي حال زيادتها مع ما رفضه ترامب إبان حملته الانتخابية بتوسيع التواجد العسكري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي سوريا وخاصة مسألة إرسال قوات برية. ومن ناحية أخرى ليس هناك داعي لأن يتم تفويض الولايات المتحدة أممياً للقيام بعمل عسكري في سوريا سواء من مدخل الكيماوي أو من مدخل فرض هدنة على جميع الأطراف المتحاربة بتدخل مباشر يتنافى مع إستراتيجية التعاون بين واشنطن وموسكو وبعض القوى الإقليمية لتسوية الأزمة السورية بشكل سلمي، وإن كان إجراء ترامب الأخير يرشح فرص الصدام العسكري بين موسكو وواشنطن على الأرض السورية للتصاعد أكثر من أي وقت مضى.

دوافع أبعد من حجة الكيماوي

إخراج الضربة الأميركية بهذه الصورة الإعلامية والسياسية التي تصدر فيها ترامب الشاشات وهو يعلن عنها بنفسه على غير عادة رؤساء الولايات المتحدة عند إصدارهم أوامر بشن هجوم عسكري آني ومحدود، ينم عن رسالة إعلامية الغرض منها التأكيد على أن ترامب يأخذ بزمام الأمور في ظل مناخ من العقبات والانتقادات التي تواجه إدارته وقراراتها على مستويات سياسية وتشريعية وقانونية، مثل تجميد قرار منع دخول المسلمين للولايات المتحدة، وغيرها من الإجراءات التي لا تسير بسلاسة كالعادة في بداية أي ولاية لرئيس أميركي جديد، وهو في حالة ترامب الذي تحيط به وبشخصيات إدارته العديد من علامات الاستفهام والشكوك حول علاقته وعلاقتهم السابقة بموسكو، وفرضيات عدة تصل إلى حد شبهة المؤامرة المتمثلة في إيصاله إلى البيت الأبيض بدعم وتخطيط روسي، وهو الأمر الذي تحرت عنه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأميركية منذ ترشحه رسمياً عن الحزب الجمهوري. وبالتالي فإن ضربة عسكرية غير مُكلفة في العواقب والكُلفة، ويتحدى بها ظاهرياً موسكو على مستوى عسكري، بالإضافة إلى أنها تأتي على هوى وتتسق مع شخوص وأفكار رموز الإدارة الجديدة من الجنرالات والمتطرفين اليمنيين، وتضع المسئولية في اتخاذ وتنفيذ القرارات تحت بند الأمر الواقع دون أذن الكونجرس –التفويض المستمر من الكونجرس للأعمال العسكرية الأميركية في سوريا يأتي تحت التفويض السابق لأوباما والخاص بمحاربة داعش وجبهة النصرة وليس النظام السوري أو غيره- مما يظهر ترامب في صورة المسئول الفعلي بدلاً من الظاهرة الإعلامية والاستخفاف بها في الداخل الأميركي وخاصة على مستوى دوائر صناعة القرار في واشنطن. وهو ما يجعل من ضربة “الشعيرات” حجر أصاب أكثر من هدف على مستوى داخلي أميركي يبدأ من نفي الشكوك والشبهات حول ترامب وإدارته وعلاقتهم بموسكو، وثانياً إثبات قدرة ترامب على اتخاذ قرارات عسكرية وتنفيذها بدون الرجوع للكونجرس، وثالثاً تمهد الطريق لإجراءات مماثلة على مستويات مختلفة وفي مناطق أخرى من العالم، وهو ما عملت عليه الآلة الإعلامية للإدارة الحالية وإخراج هذه الضربة العسكرية المتدنية من حيث الفاعلية على النحو السابق ذكره.

بين البيت الأبيض والبنتاجون

والأهم من السابق هو أنه يمكن اعتبار أن غارة التوماهوك على “الشعيرات” بمثابة بداية فعلية للتوافق بين البيت الأبيض والبنتاجون سواء فيما يتعلق بالسياسات العسكرية العامة للولايات المتحدة حول العالم، أو فيما يتعلق بسوريا وعلاقة ذلك بروسيا؛ ففي سبتمبر الماضي وصل الخلاف بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية والذي تفاقم في الشهور الأخيرة من إدارة أوباما مع عامل احتمالية نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية والعراقيل المتوقعة آنذاك في تسيير العلاقة بينه وبين جنرالات البنتاجون. ووصل الخلاف السابق إلى الذروة بعد غارة على جبل ثردة بمدينة دير الزور التي استهدفت فيها طائرات أميركية موقع للجيش السوري في منتصف سبتمبر الماضي، أدت لمقتل عشرات العسكريين السوريين وتقدم لعناصر “داعش”، وصرح البنتاجون في وقتها أنها حدثت بالخطأ، والتي أتت لتنهي اتفاق الهدنة الأميركي-الروسي بعد سريانه بأيام وهددت الاتفاق العام بين البلدين الموقع في فبراير من العام الماضي، وأثارت من جديد مسألة من الطرف الحاسم في الداخل الأميركي في رسم الاستراتيجيات بعيدة المدى؟

الإجابة باختصار هو أن الإدارة الأميركية السابقة في عامها الأخير كان لا ينبغي لها التعهد بالتزامات طويلة المدى ولكن عليها أن تمهد الطريق للإدارة القادمة بتفاهمات ذات خطوط عريضة، وهو أمر ليس بغريب على السياسة الأميركية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كان مفتتحها في هذا السياق إصرار العسكريين الأميركيين قادة عمليات قوات التحالف ضد ألمانيا النازية أن تكون القوات الأميركية هي من تدخل برلين أولاً، وليست القوات السوفيتية، وهو ما كان يخالف رؤية فرانكلين روزفلت في شهور حكمه وكذلك عمره الأخيرة، والذي ارتبط بتعهدات مع لندن وموسكو جعلت رأي القادة العسكريين غير ذي اعتبار، على الرغم من وجاهته وثبوت صحته فيما بعد؛ فالذي كان يحسبه الجنرال جورج باتون بأن وصول السوفيت أولاً إلى برلين خسارة إستراتيجية على مدى عقود قادمة تحقق طيلة عقود الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن. هذا الأمر دفع بأن يكون للبنتاجون الفصل فيما يخص القرارات الإستراتيجية وراء البحار، وخاصة في العام الأخير من عمر الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أن البنتاجون لا يقوم بفرض رؤية بديلة ولكن يترك هذا الأمر للمدنين في البيت الأبيض والكونجرس، وإنما يخلق هامش مناورة يحلحل أي التزام مستقبلي يعيد خسارة برلين الإستراتيجية وما تبعها في حرب الكوريتين وفيتنام. وبالتالي يمكن مع اعتبارات أخرى مثل غموض أفق معركة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وقتها وإشكاليتها المركبة المتعددة، فإن ما أقدم عليه البنتاجون وقتها بغارة دير الزور هو بمثابة كبح السير في مسار الالتزام الذي سلكته الإدارة الأميركية السابقة  في عامها الأخير الذي يتم وصفه بأدبيات السياسة الأميركية بعام “البطة العرجاء” والذي في رأي العسكريين ليس الأفضل ويمكن خصوم واشنطن وعلى رأسهم موسكو من إحراز انتصارات إستراتيجية على المدى البعيد.

وطبقاً للسابق لا يمكن استبعاد أن ضربة التوماهوك الأخيرة أتت كعنوان للتوافق بين ترامب والبنتاجون حول الاستراتيجية العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وتنهي الخلاف السابق الذي اندلع في الشهور الأخيرة لإدارة أوباما، وتؤكد على إنهاء التوترات التي سادت عشية انتخاب ترامب فيما يخص علاقته بالبنتاجون وقبول جنرالاته بالتعامل مع رئيس ليس له خبرة سياسية أو عسكرية سابقة ويعد ظاهرة إعلامية أكثر من كونه سياسي، ناهيك عن الشبهات التي تدور حوله فيما يخص علاقته بروسيا هو ورجال إدارته. هذا التوافق الذي تم عبر جنراله المفضل جيمس ماتيس الذي ينتمي إلى مدرسة “روسيا العدو الأول للولايات المتحدة” بين العسكريين الأميركيين ينفي الشبهة السابقة، ويؤكد في الوقت ذاته أن الضربة الأميركية بعيداً عن أثرها العسكري والسياسي الخارجي وكذلك أهدافها على نفس المستوى، كان لها أهداف دعائية على مستوى داخلي في الولايات المتحدة متعلقة بشخص ترامب وبعض من شخصيات إدارته، ومرتبطة بشكل أكبر بترسيخ صورة ذهنية عن ترامب بصفته “رئيس” من حيث اتخاذ وتنفيذ القرارات وخاصة العسكرية منها.