الطقس الحكومي

 

نسمة مُحرّضة على الأمل والعياذُ بالله، بعد أن فاجأنا الطقس وقفز لما فوق الثلاثين درجة بعد شتاء بارد وبين ليلة وضحاها، فاجأنا هذا النسيم في مساء اليوم نفسه ليكسر حالة الملل التي تصيب الجسد بالارتخاء والنفس بفقدان الهمّة، الآن جادت الطبيعة على الإنسان بالمزيد من الحيرة، حيرة المزاج والاستعداد البدني، الأجساد المتأرجحة بين الخدر واليقظة الإجبارية تبدأ في تشمم رائحة الهواء وتتبّع أقل قدر من الأمل في هواء منعش قد يختتم اليوم الذي بدأ بالصهد والأتربة، فلعلّها تنام بشيء من الرغبة في الاستيقاظ مجددًا.

لم يكن الحاج عبد العال بمنأى عن كل تلك الملابسات التي تشارك فيها الطبيعة بنصيب الأسد، بل كان هو الآخر صاحب نصيب الأسد من محصّلة الخدر والإرهاق النهاري تحت أشعة الشمس والأتربة، فجسده الممتلئ ولحيته غير الحليقة وقميصه الصوف كانوا شركاء المؤامرة مع الطبيعة في ذلك اليوم الذي كان ـ بمحض الصدفة ـ مُخصصًا لبعض المشاوير الحكومية الدورية لتجديد بعض الأوراق واستخراج أوراق أخرى ولَطع الأختام وطوابع البريد على بعض الأظرُف قبل إلقائها في أحد الأدراج إلى الأبد، أو حتى تحترق المصلحة.

المصلحة الحكومية بلا تهوية، الحرارة في الداخل قد تصل إلى ضعف الحرارة في الخارج، بالإضافة إلى خليط لا بأس به من الروائح التي ينتجها الجسم البشري بشكل طبيعي، ولكنها تكون في حاجة إلى هواء جارٍ كي تأخذ دورتها المنطقية في عجلة الطبيعة الدائرة.

الطبيعة التي تضرب مصالحنا الحكومية بقوانينها عرض الحائط بين الفينة وأختها. «كلّنا أخوة، فليحتمل بعضنا الآخر لتسير العجلة» هكذا قال الحاج عبد العال حينما أدرك أنه بصدد انتظار دوره بين كل هؤلاء؛ ولأنه مواطن واعٍ، كان قد ابتاع صحيفة اليوم لقراءة بعض الأخبار الخفيفة ريثما ينتهي الأستاذ حسن من تأديب المواطنين والأستاذة عفاف من النظر إليهم شذرًا أثناء سرد طلباتهم التي غالبًا ما تقاطعها مقاطعة العارف بتتمّة الحديث لتهم بإرشادهم إلى شبّاك آخر لتلبية خدمة لم يطلبوها.

العرق ينزلق من بين شعره الخفيف على جبهته لينتهي المطاف بأغلب قطراته بين شعيرات الحاجب. وها هو يستعد لقراءة الخبر: «هدفي أن يستطيع المواطن الإماراتي قضاء مصالحه الحكومية من خلال الموبايل». واستأنف القراءة متجاهلًا المفارقة ولم يشتت تركيزه شيء سوى صرخة دوت فجأة دون مقدمات حينما صاحت السيّدة الفاضلة عفاف في أحدهم، مطالبة إياه بالذهاب كي لا يعطّل مصالح الآخرين، وكأنها قد أعطت إشارة البدء للآخرين الذين بدأوا بالفعل في طرد الرجل بصياح جماعي ودفع ودّي بالأيدي كي يغادر غرفة قضاء المصالح بأقصى سرعة، مصحوبًا بالسلامة وخيبة الأمل وعبارات التهكم التي لن يسمعها، بل المقصود بها السيدة عفاف لعلها ترضى.

عاد السيد عبد العال لمطالعة الصحيفة مرّة أخرى ليقرأ عن بعض تفاصيل القمة العربية المرتقبة منذ مساء الأمس ـ حيث صدرت الجريدة ـ ويتخيل كم الإنجازات التي ستخرج بها تلك القمة من تحقيق السلام الشامل وإنهاء العدوان الغاشم وتحقيق الأمن الكامل وتثبيط الإرهاب القاتل وتحقيق النمو العادل، ثم ينتبه على قطرات العرق التي أعلنت التمرّد لتسقط دفعة واحدة على صفحة الجريدة وتطمس الحروف والكلمات وكأن تلك الثورة العَرَقيّة قد قامت لتنبيهه بأن دوره قد جاء أمام الأستاذ حسن.

هَم الرجل بإخراج بعض الصور والمستندات ويمسح عرقه في الوقت نفسه حتى تساقطت الأوراق من يده وانحنى ليجمعها ليسقط المنديل لتصيح السيدة عفاف به ليحمل منديله حفاظًا على نظافة المكان. فيحمل منديله فتسقط الأوراق فيصيح الأستاذ حسن في وجهه كي «يُنجز» ولا يعطّل مصالح الآخرين، فيبدأ الآخرون في الصياح فيه كي ينهي ما أتى لأجله، فيحمل الأوراق لتسقط المناديل دفعة واحدة فتنزلق قطرات العرق فوق عينه لتغلقها من شدة ملوحتها، فيزداد الصياح.

وظل على هذا الحال حتى ازداد الضجيج وغضب حسن وانهارت عفاف وحزن لانهيارها جميع المواطنين، فطلب الأستاذ حسن قدحًا من الشاي وهم بإشعال سيجارة لينفث بها غضبه. وهنا كان الحاج عبد العال قد انتهى من جمع أوراقه ومناديله وجريدته ليبلغه حسن بأن ينتظر حتى ينتهي من كوب الشاي، ويلومه المواطنين على ما تسبب فيه من إلحاق الأذى بمصالحهم وتعطيلها بإغضابه لحسن وعفاف وحتّى دريّة التي برزت من العدم وسط تهليل المواطنين العالمين بخبايا الأمور.

فمن الواضح أن السيدة دريّة لا تظهر إلَّا في مناسبات نادرة لحل المشاكل المستعصية على حسن وعفاف. التقطت الأوراق من يد عبد العال في صمت، فحصتها في سرعة تُحسد عليها، ثم أعطتها له مرّة أخرى وأخذت الجريدة ونصحته ـ بامتعاض ـ أن يمسح عرقه عن وجهه ثم ذهبت. فأدرك الرجل الحكمة الكامنة خلف القول ليمسح عرقه باستخدام مناديله ثم يلقيها جميعًا في الهواء ويغادر المكتب فيجد الطقس غير الطقس، وثمة نسمة عليلة تجود على المواطنين في الخارج بإحدى مسببات نزلات البرد وتحرّضهم على بعض الأمل، والعياذُ بالله.