«التأمين الصحي الجديد».. هادف للربح ويحول صحة المواطن إلى سلعة

حالة من الرفض أثيرت حول مشروع قانون التأمين الصحي الشامل، الذي وافق مجلس الوزراء، برئاسة شريف إسماعيل، على مواده بالكامل، بعد مناقشة استمرت 6 جلسات، حيث تجددت أزمة القانون بعدما وصفه المركز المصري للحق في الدواء، بأنه يحول التأمين الصحي إلى تأمين تجاري يهدف للربح.

ويتضمن مشروع القانون بأبوابه الخمسة، ثلاث هيئات، هيئة التأمين الصحي وهيئة الرعاية الصحية المسؤولة عن الرعاية الصحية وهيئة الاعتماد والجودة والرقابة، التي تعتمد المستشفيات والأطباء الذين يعملون بالمستشفيات وفق ضوابط معينة.

ووصف الدكتور أحمد عماد، وزير الصحة، القانون الذي من المنتظر رفعه لمجلس الدولة لمراجعته تمهيدًا لإحالته إلى مجلس الشعب للموافقة عليه، بأنه «نقلة في تاريخ مصر الصحي»، وأن الدولة مسؤولة عن تحمل تكاليف علاج غير القادرين بشكل كامل، والتي تحددها وزارة التضامن الاجتماعي،  وأن غير القادرين الذين تم تحديدهم حتى الآن يصلون إلى نسبة تتراوح بين 30 إلى 40%‏ من الشعب، على عكس ما رأى المركز المصري للحق في الدواء بأن القانون يفتح الباب لدخول الخصخصة، وهو ما يحول قانون التأمين الصحى الاجتماعي الشامل إلى قانون تجاري هادف للربح.

واعتبر «عماد» القانون الذي ستصل دراسته الاكتوارية للوزارة خلال 3 أسابيع، بأنه سيجعل المستشفيات الحكومية بمثابة ذراع الدولة التي تعتمد عليها في مشروع التأمين الصحي الشامل، وأضاف أن دخول المستشفيات الخاصة مشروع قانون التأمين الصحي الشامل سيكون بقواعد وضوابط وفق ما تحددها هيئة الاعتماد بالقانون.

7 سلبيات بمشروع القانون

وفند المركز المصري للحق في الدواء سلبيات القانون، ومنها أن القانون سيسمح بدخول الخصخصة، مما يطيح بأي مكاسب قد تتحقق، ويحول قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل إلى قانون تجاري هادف للربح، مثل تعريف الخدمات العلاجية، حيث تم إلغاء عبارة «كافة أنواع العلاج الطبي» التي كانت موجودة في صياغة سابقة، في تلاعب ستكون له عواقب محتملة بعدم اشتمال القانون جميع الخدمات العلاجية في المستقبل، وهو ما يعد مخالفة لنص المادة 18 من الدستور.

وعرف القانون الكوارث الطبيعية بأنها الظواهر الطبيعية المدمرة مثل الزلازل والحرائق والبراكين، وهي التى لن تغطيها خدمة التأمين الصحي، بينما يجب إلغاء الحرائق من الكوارث الطبيعية؛ لأنها تحدث يوميًّا، ويجب عدم تنكر التأمين الصحي من علاج مصابيها، كما ينص القانون على المساهمة في الدواء بنسبة 20% بحد أقصى 50 جنيهًا، وفي الأشاعات 10% بحد أقصى 200 جنيه، وفي التحاليل 5% بحد أقصى 100 جنيه، بينما الأصل هو أن يكون المريض الذي يدفع اشتراكات التأمين الصحي مغطى تمامًا بجميع الخدمات.

وانتقد المركز المادة 4 التي تنص على إنشاء هيئة اقتصادية تسمى هيئة التأمين الصحي الاجتماعي الشامل، لافتًا إلى أن فلسفة هذه المادة في عبارة أن تكون الهيئة اقتصادية تعني بالضرورة أنها هادفة للربح، وهذا يتناقض مع حق المواطن في الحصول على خدمة الرعاية الصحية، لذا كان يجب تعديل المادة لتشمل إنشاء هيئة «غير هادفة للربح».

وتنص المادة 111 من القانون على تقديم الخدمات العلاجية عن طريق التعاقد مع أي من مقدمي الرعاية الصحية التي تشملها هيئة المستشفيات والرعاية الصحية، أو أي جهات أخرى ترغب في التعاقد، ووفقا لمعايير الجودة وأوضح المركز أن كلمة «الجودة» مهمة فعلًا، لكننا نعلم أن معظم مستشفيات الحكومة لا توجد بها معايير جودة؛ لعدم وجود إنفاق عليها، حيث تفتقد ٦٠٪‏ من المستشفيات العامة هذه المعايير، مما يقصيها عن القانون، وهنا يأتي دور القطاع الخاص الذي سينتظر فرصة المساهمة.

وأكد المركز ارتفاع الإنفاق على الصحة من جيوب المواطنين حتى وصل إلى ٧٢٪‏، مما شكَّل انتهاكًا واضحًا وصريحًا لأهم الحقوق الدستورية، وشدد على ضرورة وجود نظام تأميني عادل، عبر المشاركة في تحمل مخاطر العبء عن المرضى، وحماية حقوقهم التأمينية الاجتماعية التي كفلتها قوانين التأمينات الاجتماعية القائمة عبر أكثر من نصف قرن مضى، ورفض المساس بتلك الحقوق تحت أي دعاوى، لضمان التأكيد على مسؤولية الدولة فيما يخص العمل على زيادة الإنفاق العام الصحي، بما يضمن نصيبًا كاملًا ومناسبًا لتمويل النظام الجديد، ويضمن كفاءته واستمراريته ويخفف العبء عن المواطنين.

وتابع أن إعلان الموافقة على مشروع القانون هو إعلان رسمي من الحكومة لعلاج فئات عديدة ظلت تواجه مصيرًا غامضًا وجحودًا وتمييزًا فاضحًا عند تقدمها للحصول على خدمة العلاج، حيث أكدت المسودة أحقية الفئات الأكثر فقرًا في تلقي خدمة تأمينية مناسبة، مثل الباعة الجائلين والفلاحين والمرأة المعيلة والعمال دون عقود سنوية والعاملين باليومية، وهي فئات تقدر بأكثر من ٢٥ مليون مواطن.

وعلق الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، بأن التأمين الصحي صندوق تمويل يهدف لتغطية تكلفة الخدمة الصحية، ودون تغطية تكلفة الخدمة الصحية لا يمكن إيجاد نظام تأمين صحي حقيقي، موضحًا أن القانون هو نص منظم للحقوق والواجبات وطريقة العمل، ولا يضمن وجود خدمة صحية إلَّا فى وجود مؤسسات قادرة على توفير الخدمات الصحية المطلوبة كمًّا وكيفًا وانتشارًا وجودة وتمويل كاف لتغطية تكلفة الخدمة، وهذا يتطلب دراسة جدوى منفصلة للوصول بمؤسسات الخدمة إلى المستوى المطلوب وضمان استمرار ذلك المستوى.

وأضاف أن الاشتراكات في نظام التأمين الصحي هي الأساس في التمويل، ويجب أن يتم احتسابها بحيادية لضمان تغطية التكلفة الحقيقية، كما أن مساهمات الموازنة العامة للدولة تكون لخدمة جميع المواطنين وليس للفقراء فقط، وتوجه لزيادة ورفع مستوى المؤسسات الصحية المملوكة للدولة وخدمات الطب الوقائي وبعض الخدمات الأخرى، ومساهمات الضمان الاجتماعي تكون لخدمة غير القادرين على العمل ومحدودي الدخل من دافعي الضرائب والبطالة المؤقتة والمسببة عن العمل، وتكون على شكل دفع جزء من الاشتراك المطلوب أو كله، ولفت إلى أن المساهمات في نظم التأمين الصحي حتمية لمنع الإسراف والإهدار، ويجب ألَّا تحصل في وقت تقديم الخدمات الطارئة أو العاجلة.

وأشار إلى أن طريقة عمل أي نظام تأميني تتكون من عدة خطوات، تبدأ بتحديد دقيق لمستوى الخدمة المطلوب، بجانب أن حساب تكلفة رفع كفاءة مؤسسات الخدمة الصحية وإصلاح الأوضاع الفاسدة لضمان الوصول إلى مستوى الخدمة المطلوب، وأن يكون هناك حساب دقيق ومحايد لتكلفة الخدمة، ودراسة إكتوارية تحدد مقدار الاشتراكات المطلوب دفعه لضمان استدامة التمويل، وأن يحدد النص القانوني الحقوق والواجبات والالتزامات والعقوبات على المخالفات.