زي الضُحى والليل

 

يقول الموسيقار محمد عبد الوهاب في أحد تسجيلاته بأسلوبه المعهود في الكلام، أنه يتذكّر باستعجاب وإعجاب متلازمين كيف أدى العملاق الراحل نجيب الريحاني آخر مشاهد فيلم “غزَل البنات”، وآخر مشاهد حياته الفنيّة، بذلك الصدق وتلك البراعة بمجرد سماعه الأغنية التي قام عبد الوهاب بأدائها بمصاحبة الفرقة، فقد رفض الريحاني استخدام الجليسرين الذي اعتاد الممثلون استخدامه في مشاهد البكاء بتقطيره داخل العين لتدمع أمام الكاميرات الدائرة ليصبح المشهد دقيقاً وملائماً للحالة المطلوبة.

ويسرد موسيقار الأجيال القصة بتعجّب شديد واصفا الريحاني بالإنسان العجيب، مضيفا أنه لم يوافق أن يستحضر شكل البكاء فقط في ذلك المشهد، بل طلب منهم فقط أن يقوموا بغناء المقطع الأخير من أغنية “عاشق الروح” والذي كان كافيا لتنهمر دموع نجيب الريحاني دون توقف بفعل كلمات الساحر حسين السيد وموسيقى عبد الوهاب.

ربما لامست كلمات الأغنية مكان ما في قلب الريحاني، وربما هو اقتراب الأجل وشعور الرجل به أو أنه انفعال حقيقي منه مع المشهد والحالة الدرامية التي جعلت الأستاذ حمام يتعلّق بتلميذته ويشعر باستحالة أن يجمعهما أي شيء سوى أن يكون أستاذها وأن ترى فيه ما لم تره في أبيها الباشا، ربما أيضاً أراد الريحاني لو كانت قد أسعفته الألفاظ كما أسعفت حسين السيد -الذي ألهمه ما ألهمه للوصف القائل: “هايم على دنياه، زي الضُحى والليل”-ليقول الكلام ذاته لزوجته السابقة “بديعة”، أو شعر باكتمال الأسطورة حين نطق لسان موسيقار الأجيال بكلمات السيد قائلاً: “عشقت الحب في معبد بنيته بروحي وكياني، وخلّيت الأمل راهب مالوش عندي أمَل تاني”.

في واقع الأمر أن لهذا المشهد تحديداً، رهبته وقدسيته لدى أي مُحب للفن؛ فالرجل المُسن الذي لانت خشبة المسرح تحت أقدامه عشرات السنين ورحّبت شاشة السينما بوجه صاحب الشعبية والقبول لدى جميع قطاعات المصريين قد أطلق لمشاعره العنان، بينما تقف إلى جواره ليلى مراد ليبكي بحُرقة وألم في آخر مشهد له أمام شاشة السينما وآخر أيامه في عالمنا الفاني، وكأنه حينما قرر ألا يستخدم وسائل البكاء التقليدية في عالم السينما، كان يريد أن يودّع عرشه وجماهيره بمراسم هي مزيج من الإبداع الخالص والحزن الحقيقي والإحساس المتفرّد، وكل ذلك على خلفيّة من كلمات وألحان وغناء يلامسون ذروة الإبداع براحة اليد وبقامة مسترخية، ليخلّد الريحاني مشهده الأخير بعنوان يختصر حياته في “عاشق الروح”، فأي حياة زائلة تلك التي تحمل أحد الأشخاص على أن يمسك بقلمه بعد ما يقرب من سبعين عاما ليتحدث عن هذا الأمر؟ وأي زمن هذا الذي نجد فيه من القساة الذين بلغت بهم القسوة الحد الذي يحرّمون معه الفن والحب؟ هل المشهد الذي جمع “ليليان زكي مردخاي” مع “نجيب إلياس ريحانة” و”محمد عبد الوهاب” في هذا المزج الشعوري والإبداعي ليختتم الرجل به حياته صُدفة، يمكن أن يكون حراما بينما العداء والمشاحنات والكراهية هم الحلال؟ كل الأمور جائزة، ولكن المؤكد هو أننا جميعا سنتذكّر كل عنصر من عناصر هذا المشهد بكل خير، بينما سنتناول العقاقير وسنزور الأطباء ونلهو في هذا وذاك كي ننسى أسماء ووجوه ومفاهيم كل هؤلاء الذين بغضوا الحياة إلينا ولطّخوا كل جميل فيها بما لا ناقة لنا فيه ولا جمل.