رحلة علاج

وفجأة ودون مقدمات تزول الكآبة وتذهب إلى حيث أتت، إلى عدم غير مفهوم المعالم والاتجاهات. أنظر بعين جديدة إلى كل شيء، كل الأمور أصبحت مغايرة لما كانت عليه بالأمس. الورق الأبيض المتسخ بالحبر أصبح مترّع بالكلمات، صارت البيانات رسائل والرسائل قصائد والقصائد أغان. شهور من الضيق والقلق تلاشت في لحظة كأن لم تكن، ضيق لم يكن مسبباً استحال راحة وغبطة غير مسببة.

لو تضافرت كافة نظريات علم النفس والطب النفسي لما تمكّنت من تفسير هذا الشفاء اللحظي الذي حققته رائحة البحر بمجرد خروجي من باب القطار إلى ساحة سيدي جابر يومها في تلك الرحلة التي لم أخبر بشأنها أحد، لم أطلب مرافقاً، ولم أرغب في صحبة خير من نفسي، نفسي التي ظلت تحدّثني لشهور طويلة بشأن الخسائر التي حققتها باقتدار منذ غادرت تلك المدينة آخر مرة، ولم أكن أعلم وأنا أغلق باب حجرتي التي شهدت مصايف الطفولة والشباب أنني لن أعود لها مرة أخرى.

لم أكن أعلم أنني أودّع كل قطعة أثاث بالمنزل السكندري وأنني حين أعود مرة أخرى إلى هذه المدينة ستستقبلني شوارعها فقط، وما المانع! هل هناك أجمل من تلك الشوارع؟ على الأقل بالنسبة لشخص لا يعيش في الإسكندرية، شخص اعتاد الزحام وعوادم السيارات والأتربة. اليوم بشكل خاص لست في حاجة إلى مكان مغلق بعد أن ألقيت المتاعب والضيق في عربة القطار الفاخر والذي لا تربطه بالفخر والفخارة أية صلة.

لم تكتف شوارع المدينة متعددة الثقافات والهويّات باستقبالي برائحة البحر وكبدة فهمي وصياح سائقي الميكروباص (المشروع)، فقد استقبلت أذني ذلك اللحن الذي ودّعت به القاهرة حين هممت بالمغادرة صباح اليوم. كانت “ما دام تحب بتنكر ليه” تأتي من كافة الاتجاهات وكأنها إذاعة داخلية تبثّها سماء المدينة باتفاق مسبق مع ذاكرتي التي تتسع للمشاعر ولا تحتمل الأحداث. صوت السيدة أم كلثوم في شبابها هو ما كان يستقبلني، كلمات أحمد رامي هي التي كانت تحدّثني، موسيقى محمد القصبجي هي المكان والزمان هنا.

.”تصد عنّي وتهجرني، واكلّمك تهرب منّي”
العتاب الرقيق، والذي يواجه غالباً بقسوة شديدة وقلب يزداد صلابة كلما زاد العتاب رقّة واقترب الكلام من الهَمس. الهروب من العاطفة الحقيقية والنزوع إلى الكلام المغلّف بالزيف والتصرفات الميكانيكيّة المُعدّة مسبقاً. قلوب أذابها الهجر والصَدّ والهروب وأموات أحياهم الوصال والوداد. نفوس لا تطيق السعادة الحقيقية وتسعى سعياً نحو الشكليّات المملة.

“لو كنت عايز تراضيني، وتصالح النوم على عيني. كنت اشتكيلك تواسيني”
جمود غير مبرر أمام وهج يذيب الصُلب. برودة تفوق تلك التي صنعت أقطاب الأرض من المياه الجارية أسفل جليد سميك في مواجهة شكوى تحترق لها أنهار وبحار دون تردد أمام قواعد الفيزياء القديمة، التي تجاهلت قوى العاطفة ونيران الشكوى ولزوجة التجاهل.

“لكن فؤادك يهواني، واعرف هواك من وجداني”
أهذا هو مفهومك عن الهوى؟ عاطفة بلا تصريح ولا حديث ولا تحرّك؟ أمر متروك إلى فراسة الآخر وقدرته على التسامح مع الجفاء وإدماء القلب وإرهاق الروح! الترك أفضل أم البقاء أصوب؟ هنا مربط الفرس، يريدون البقاء والجفاء مجتمعين. الهيام والصلابة في اللحظة نفسها، يتلاعبون بالألفاظ بين اهتمام وشغف واحتواء وبلاء أزرق بينما يحملون المعول ويهوون به فوق القلوب والأرواح الجائعة لشيء مما يطلبون. نعرف الهوى من وجداننا ولكن قلوبنا تكاد تكفر به وأرواحنا على وشك أن تُمسخ وتصير كأرواح مصّاصي الدماء بينما يتمرّغون فينا مطالبين بالمزيد من المصطلحات التي لا يفهمون منها شيئاً.

الغناء يغسل الروح، الشعر يفِش الغِلّ، الموسيقى تعيد شحن الوجدان. الأغنية بكاملها كفيلة بخلق مساحة كافية للتسامح مع تشوّه الآخرين. مساحة قادرة على تفريغ الذهن من ذكرياتهم الموجعة، بل ومنهم بأكملهم. الأغنية كفيلة – بمعاونة النسيم العليل – بأن تلامس قدمي أرض الإسكندرية دون أن أحمل في داخلي أي شيء مما مضى وأن أعود إلى قاهرتي بصحة جيدة وروح قادرة على المواصلة، وكأنني كنت مضطراً لقطع المشوار وركوب القطار كي استمع لأم كلثوم التي تحاوطني بمنزلي ومقهاي وشارعي.