حين حطّم الطفل لعبته

تعصف الأحداث القوية بأفكارنا المُرَتّبة بعناية وهندام، فما نخطط له في ساعات تعصف به لحظة وما قد يستغرق سنوات في ترتيبه قد ينتهي على أثر قرار خائب أو خطأ غير محسوب.

الحياة متعددة الاتجاهات والأبعاد بشكل مرعب. الحياة متشابكة والأحداث متقاطعة بشكل مُحكَم، ونحن نسير ونتخبّط بمعنى وبغير. نهتدي ونضِل وننجح ويخيب سعينا داخل ذلك الإطار العشوائي الذي كلّما اتسعت دائرة رؤيتنا له كلّما أصبح مُرعباً وشرساً. تتسع الرؤية شيئاً فشيئاً فيفقد المشهد رهبته تدريجياً فيصبح تافهاً كاللعبة التي يحطّمها الطفل دون أن تودي بحياته كما تخيّل ودون أن تقع السماء فوق الأرض كما أخبرته أمه.

الأعزّاء اليوم هم أطياف الغد، العابرين أمامنا دون أن نراهم. هل يُصدّق أن تمُر حبيبتك الأولى أمامك اليوم دون أن تهتز لك شعرة واحدة وربما لا تتعرف عليها من مشيتها أو رائحة عطرها؟ حتى عطرها الذي كان بمثابة بصمة الحضور ربما تغيّره إلى الأبد فتتغير بصمتها وتصبح غريبة متآلفة مع الغرباء في دائرة أخرى من التشابك والرعب والتفاهة والعبث.

مجلس الأنس الجميل قد يصبح ذكرى مؤلمة كلما مررت أسفل شرفة أحد المفقودين بعد انفراط العقد ليسير كل فرد من أفراد الجَمع المؤنِس كخرز السبحة المنقطعة في يد مرتعشة.

نعيش ونركض يميناً ويساراً بحثاً عن شيء ما، شيء يتغيّر كلما طالت مدة البحث عنه، ويستمر البحث والتغير حتى نجد أنفسنا في وسط طريق لم نختر أن نسلكه سعياً خلف هدف لا نتذكره جيداً. نقابل هذا وذاك وتلك ونتعلّق بهم ثم نفقدهم. نبني حيواتنا حول أشخاص وملابسات وأماكن وظروف ثم تتغيّر رغم أنفنا فنحزن ونبدأ في احتواء أحزاننا بأشخاص وملابسات وأماكن وظروف أخرى لتختفي بمجرد أن تروق لنا الحياة. دائماً هناك ما ينغّص الوقت، إمّا فقدان الأشياء أو الخوف من فقدانها بعد ما مررنا به من سلسلة الفقد واللقاء والتعلّق حتى تختلط البدايات بالنهايات ويلتقي الموت بالميلاد في نقطة واحدة يتشابه فيها كل شيء. الموت يتشابه بالحياة واللقاء يشبه الوداع. الهَجر والود ينصهران في إناء واحد تلتقي فيه لوعة الحب بآلام الفراق.

يتعاظم الهَمّ فتتسع النظرة فنزداد رعباً ثم يهبط كل شيء إلى العدم وتفقد الحياة معناها من جديد. يتماثل الأمل باليأس ويلتقيان في الانتظار، انتظار السعادة ثم تحيّن الحزن المباغت أثناء السعادة فيبهت طعم الفرح في حلقنا ليستحيل مُرّاً منتظراً.

الحياة سلسلة من الذكريات التي نبنيها كي نتحسّر عليها. أماكن شهدت ضحكاتنا لتصبح عنواناً لخذلان الضاحكين بعد أن تمسي ضحكاتهم عدماً.

فما مغزى الحياة إذن؟ حلقات مفرغة نحياها حتى ينتهي بنا المطاف كموتى يبعثون الحزن في قلوب الآخرين؟ أم سلاسل من الإخفاقات والنجاحات بلا أي معنى سوى استهلاك الوقت؟ ربما المطلوب منّا هنا أن نفقد الإحساس بالحزن وأن نستمتع باللحظة كلحظة قائمة! نفقد التعلق بالأشخاص والأشياء طالما كل شيء سينتهي في يومٍ ما. لا جواب لتلك الأسئلة ولا مجيب لنداءاتنا التي نوجهها لأحبائنا المفقودين، الموتى منهم ومن هم في حُكم الموتى.

لا جواب يوقف سيل التساؤلات ولا نهاية متوقّعة لهذه الدائرة، فالنهاية دائماً مباغتة وغادرة. أمطار تهطل بلا سحب منخفضة، حروب بلا بواعث تبدأ وتنتهي في لحظة واحدة مخلّفة ورائها نهايات للكثير من القصص وآلام بلا نهاية، وإن كان الموت حقيقة مُطلقة، فالحياة هي سبيل وحيد لتلك الحقيقة. سراب لنبع شهي في صحراء قاحلة هي لا شيء، لهذا فليكن كل شيء على قدر الحقيقة من العبث، نفرح بعبث ونحزن بعبث ولا نأخذ أمراً على محمل الجديّة. فلن يدوم الحزن وكذلك الفرح، ونحياها كالطفل الذي حطّم لعبته وفوجئ بأن الكون لم يفنَ على أثر حماقته. فربما حطّمته لعبته وأحيته سجيناً لها حتى يكبر ويدرك مدى تفاهة الأمر الذي حافظ عليه حارماً نفسه من لذّة تحطيم اللعبة وتحطيم جدار الجديّة الذي يغلّف كل أمرٍ فانٍ في الحياة.