مات المثقف ” اللي عنده دم”

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

الواقعة ينفيها أحمد عبد المعطي حجازي، وتؤكدها زوجة وابنة صلاح عبد الصبور، وتخص السبب وراء الوفاة المفاجئة للشاعر الكبير.

صحيحُ أن “الموت” واحد، وإن تعددت أسبابه، وصحيحٌ أنها آجال مكتوبة، لا تتقدم ولا تتأخر ساعة عن مواعيدها الموقوتة، وتجري مقاديرها بسبب وبدون سبب، وقد قيل أن ” كلمة” كانت هي السبب وراء موت شاعر بقيمة وقامة الراحل الكبير صلاح عبد الصبور، ولماذا العجب، و”الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور” كما قال عبد الرحمن الشرقاوي في “الحسين ثائراً”:

كان صلاح عبد الصبور يدرك أن الكلمة مسئولية، وأن الشاعر المثقف يلتزم شرف الكلمة، ولا يبيعها بأي ثمن، وكان أحمد عبد المعطي حجازي يدرك قيمة عبد الصبور الشاعر، وحسب الرواية كانت الكلمة القاتلة هي:
ـ “بعت ب 3 نكله يا صلاح”…!
كانت الحركة الثقافية قد انتقدت قبول صلاح عبد الصبور لمنصب رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب، في وقت أراد السادات فيه السماح بوجود إسرائيل بالمعرض الدولي للكتاب.
اللفظ حجرْ.. اللفظ مَنيَّهْ..

والشاعر مرهف الحس مستيقظ الضمير لم يستطع أن يتحمل كلمة، خاصة وأن البعض روى أنه تأثر جداً من أن يتحول مكتبه في معرض الكتاب إلى مكان تحقيق وتعذيب لعدد من المقبوض عليهم من المتظاهرين اعتراضاً على مشاركة “إسرائيل” بالمعرض لأول مرة بعد معاهدة كامب ديفيد، وظل المشهد يضغط على أعصابه ويحرق قلبه، خاصة وأن المتوقع منه أن يعترض وهو المثقف الكبير والملتزم على مشاركة كيان العدو في معرض الكتاب الذي يترأسه بحكم منصبه رئيساً للهيئة العامة للكتاب.

وقبل أن يمر بضعة شهور وحسب الرواية التقى عبد الصبور رسام الكاريكاتير المبدع بهجت عثمان في منزل الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي والذي بادره بالعتاب القاتل:
ـ “بعت ب 3 نكله يا صلاح”!
أصابته أزمة قلبيه نقل على أثرها إلى المستشفى ثم مات.

كلمة عتاب ولو قاسية.. كانت القشة التي قصمت ظهر الشاعر الكبير فمات المثقف “اللي عنده دم” ..
**

لو بعث عبد الصبور حياً في زماننا هذا لمات ألف ألف مرة.. ولعرف أن كلمة نجيب سرور الخالدة أن “الثوري مشروع خيانة حتى يموت”، هي الحكمة المصفاة.. وأنها كما كانت صرخة نجيب سرور الحكيمة في وجه كثير من رفاق الطريق فهي في نفس الوقت بصقة في وجه الذين انتهى بهم الحال في أحضان السلطة التي كانوا في يوم من الأيام من معارضيها.
رغم أن السقطات كانت فظيعة في أيامهم وبمقاييس ذلك الزمان، إلا أن أحداً من هؤلاء، الذين صرخوا ضد السقوط، والذين سقطوا، لم يكن ليتخيل المدى الذي وصل إليه السقوط في أيامنا هذه.

ولعل القدر كان رحيما بهم أن رحلوا قبل أن يروا هؤلاء الذين يحتالون علينا بما يحملونه على ظهرانيهم من تاريخ وطني ونضالي سابق، ويسوِّقون مواقعهم الجديدة الدافئة في أحضان السلطة اعتماداً على مواقفهم القديمة.

التراجع بالطمع أو بالخوف أو بالنفاق هي “الأستيكة” التي يمحو بها كل متراجع تاريخه، ولو كان ملء المجلدات، يمحو بها كل مواقفه القديمة، لينضم إلى زمرة ” الطبالين” التي لا يشرف أحداً أن يكون منها.

سرور الذي عانى أشد المعاناة وهو يرى تساقط رفاق الأمس تحت الإغراء أو خوف التهديد، أطلق صرخته أو حكمته الباقية على مر الزمان: “الثوري مشروع خيانة حتى يموت”، وهي قبل أن تكون إدانة لأحد بعينه، هي دعوة إلى عدم السقوط أمام مغارم السلطة ومغانمها، وهي صرخة في مواجهة الذين تغريهم جزرة السلطان أو ترهبهم عصاه، وهي أمل في أن يبقى المثقف صامداً في مواجهة المنافقين والطبالين والمرتزقة الساعين إلى دنانير السلطان وكنفه.

لم يكن نجيب سرور يتوقع وربما لم يتخيل حجم السقوط الذي جرى من بعده، ولا تعدد الخيانات التي ارتكبها مثقفون كانوا رموزاً للنضال ثم صاروا نماذج مخزية على درب خيانة المثقفين، بعضهم يسقط ثم يستخدم مواهبه لتحسين مواقعه الجديدة في أحضان الأمن أو في زرائب السلطة، وبعضهم تحول إلى خلايا النظام النائمة في الأحزاب، أو على الشاشات، وكثير منهم يتخفى في أردية معارضة سرعان ما تسقط عنهم أوراق التوت التي تداري عورتهم الأمنية.

خيانة المثقف ليست كأي خيانة، وهي ليست مجرد ردة عما كان يؤمن به وتَقَدمٌ إلى معتقداتٍ أخرى بدت له صحتها، بل هي خيانة على الطرفين، خيانة مزدوجة لتاريخه ومعتقداته، وفى الوقت نفسه إقبال وانحياز إلى كل ما كان بالأمس القريب ضده، وهو إذ يفعل ذلك بإتقان وتفانٍ، يستخدم فيه ألاعيب لا يقدر عليها أصحاب الموقع الذي انتقل إليه، فيبدو أصحاب الموقع القديم أقل شأناً منه وهو الجديد عليهم.

أول ما يخونه المثقف ليست مواقعه القديمة وحدها، ولكنه يخون أول ما يخون دوره المعارض والمعترض والناقد والمنتقد، فإذا به ينتقل من حالة النقد والاعتراض إلى حالة التبرير والتفسير، وما يتبقى له من قدرة على النقد يستخدمها في نقد الجماعة التي كان ينتمي إليها والأفكار التي ظل يدافع عنها زمنه الأول، فإذا به يستقيل بالكلية من أي عملية نقد تنير الطريق إلى المستقبل، ليتفرغ للنقد المجاني الذي لا يؤدي إلى شيء.

خيانة المثقف أشـد ضرراً على الوطن من خيانة السياسي أو حتى خيانة المقاتل، فخيانة هؤلاء من الممكن تصحيح آثارها بقليل من الجهد ولو بعد حين، ولكن خيانة المثقف مفاسدها أشد خطراً على الوطن، وآثارها أشد وطئاً على عملية التقدم فيه، فهي تنخر في وعي الأمة، وتبقيه في القاع لا يقدر إلا على العويل.

المثقف الذي يقدم مصلحته الشخصية على مصالح أبناء بلده هو خائن لنفسه قبل أن يكون خائناً لوطنه، والمثقف الذي يغريه المنصب وتغريه الأموال أو يغريه جاه السلطة وفضائياتها يبيع نفسه لقاء دراهم معدودة لا قيمة لها في الحساب الختامي، والمثقف الذي يضع مواهبه في خدمة هذا الطرف أو ذاك يعلم أنه يتحول إلى “بلياتشو” يتلون وجهه كل يوم باللون المطلوب، أو هو في أفضل الأحوال يصبح مجرد “أراجوز” تحركه أيادٍ الآخرين التي تستعمله ولا تحترمه.

ويصدق فيه قول الشاعر وهو يفضحه ويفضح ألاعيبه: (يا واد يا يويو، يا مبرراتي، يا جبنة حادقة على فول حراتي، استيك لسانك، فارد وضامم، حسب الأبيج يا مهلباتي)

خيانة المثقف ملة واحدة، لكن أسوأ أنواع الخيانة تلك التي يأتيها المثقف مع قضايا أمته الكبرى التي تمس شرف الوطن أو أرضه أو تكوينه الوطني الجامع، فتجده يوالي أعداء أمته التاريخيين تقرباً وزلفى من رعاته المحليين، فتجد الواحد من هؤلاء وقد نفض من قلبه وعقله كل ما تعلمه وعَلِمه باليقين حول أعداء الوطن، وهذه ليست خيانة لدور المثقف ووظيفته فقط، بل هي في الصميم خيانة للوطن الذى يتغنى به ليل نهار.

من يقرأ تاريخ البشر ويستقرئ كيفية قيام الديكتاتوريات واستبدادها برقاب العباد سيكتشف أنها قامت على خيانة المثقفين، وما بين مثقف خائن ومثقف صامت تضيع من بين أيدينا القدرة على صناعة المستقبل.