الاحتفال بالمولد النبوي.. ربنا ما يقطع لنا عادة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“ربنا ما يقطع لك عادة”.. دعوة قديمة يشكر بها المصريون من يحيي مناسباتهم الدينية، مثل عيدي الفطر والأضحى، وليالي شهر رمضان، وموالد أهل البيت.. ويأتي الاحتفال بالمولد النبوي على رأس الاحتفالات التي توارثها المصريون، وأصبحت تشكل جزءا مهما من وجدناهم وذكرياتهم، ولم تستطع جماعات الغلو الوهابي أن توقف مظاهر الاحتفال، أوإهداء الحلوى، وإقامة محافل التلاوة والإنشاد، التي تنطلق كل عام مع دخول شهر ربيع الأول.
تجاوز المصريون كل جدل فقهي يدور حول حكم الاحتفال بمولد الرسول، ولم تفلح فتاوى التبديع والتفسيق في صد الغالبية الساحقة عن الاحتفال بذكرى ميلاد نبيهم،.. لم يكن المصريون بحاجة إلى “تأصيل فقهي” للاستمرار في عادة توارثوها عبر قرون، باعتبارها احتفالا دينيا، يتقربون به إلى الله.. عاطفتهم الدينية كانت الرائد والإمام الذي يفتيهم، والشيخ الذي يأخذون عنه.
كان الاحتفال يتخذ أشكالا مختلفة، فمنه الرسمي الذي تنظمه الحكومة ويحضره رأس الدولة، ومنه الصوفي، حيث تنظم الطرق المختلفة مواكب تنطلق بالرايات من مساجد آل البيت، أو شعبيا، بإقامة السرادقات الضخمة التي يحييها كبار القراء والمنشدين.
أما الاحتفال الأكثر انتشارا، فيتمثل في حلقات تلاوة المولد، في آلاف القرى والمساجد والزوايا وبيوت الأعيان والوجهاء.. احتفال كان دائما يدور حول نصين شهيرين جدا، صارا هما المرجع الأول والمقدم لتلاوة المولد، وهما “عقد الجوهر في مول النبي الأزهر”، المشهور بمولد “البرزنجي”، و”التعطيرة الشريفة” المعروفة بمولد “المناوي”.
ومولد البرزنجي، عبارة عن قصيدة سردية طويلة، تنتهي الشطرة الأولى من كل أبياتها بتاء تأنيث مربوطة، تسبقها ياء مشددة (أبتدئ الإملاء باسم الذات العلية)، وتنتهي الشطرة الثانية بهاء مسبوقة بألف المد (مستدرا فيض البركات على ما أناله وأولاه).. وناظم المولد هو السيد جعفر بن حسن بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني الشريف، و”البرزنجي” نسبة إلى قرية برزنجة في العراق.. ولد في المدينة المنورة عام 1716 ميلادية، ونشأ بها، وحفظ القرآن وجوده ودرس القراءات، ثم طلب العلوم على يد علماء المسجد النبوي، حتى أجيز للتدريس، وجلس مدرسا في مسجد الرسول وعمره 31 سنة فقط، ثم أهلته مكانته للخطابة بالمسجد، وارتفع شأنه حتى صار مفتي المالكية بالمدينة المنورة.
كانت هذه الموالد تؤخذ معنعنة ومسندة إلى الرواة الثقات، فمولد البرزنجي مثلا، له عدة روايات، من أضبطها النسخة التي قدم لها وصححها مسند الديار الليبية المؤرخ العلامة أحمد القطعاني، الذي تلقى نص المولد بأسانيد بلغ أعلاها 8 رجال فقط بينه وبين الناظم، وإن كان قد تلقاه من عدد كبير من المشايخ، كلهم يرويه بإسناده عن مؤلفه.
لكن للشيخ القطعاني كلام مهم، يشير إلى مدى انتشار مولد “البرزنجي” في العالم الإسلامي، فيقول في تقديمه لنص المولد: “سمعته في مكة المكرمة، بدار شيخنا عالم الحرمين الشيخ محمد بن علوي المالكي، وبحضور شقيقه بلبل الحرم الشيخ عباس بن علوي المالكي، الذي يأخذ إنشاده للمولد بالألباب، في حضور كثيف من أهل الحرم المشرف، والديار المقدسة، وأهل إندونيسيا وماليزيا وغيرها من البقاع الآسيوية… كما سمعته في ليبيا مرارا وتكرارا في بنغازي وبنينة والمرج والبيضاء ودرنة وطبرق وأجدابيا ومصراته وزاوية المحجوب وطرابلس… كما سمعته في أمريكا حيث يتغنى المسلمون به هناك كثيرا، وينفقون على تلاوته وإقامته أموالا تأكيدا لانتمائهم لهذه البلاد… كما سمعته في إمارة دبي بحضور مئات من محبي الجناب النبوي.. وسمعته في دبي أيضا بأصوات طائفة من أهل سلطة عمان.. وسمعته في المغرب بمدينة مكناس، حيث يتلى هتاك ويقام بأصوات مقتدرة.. كما سمعته في مصر، وأختار منها أرياف قليوب.. أما أعجب ما رأيت في هذا الصدد، فكان في أكبر حديقة وسط مدينة كيب تاون بدولة جنوب إفريقيا، حيث كان الحضور يزيد عن 25 ألف نسمة”.
والمولد يسرد قصة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقلبه في صلب آبائه، إلى أن حملت به السية آمنة، وقد يتضمن مبالغات أو مجاز أو روايات ضعيفة، وكل ذلك مقبول في نص مديح احتفالي، لم يقل أحد يوما إنه يمثل مرجعا علميا لسيرة النبي، وقد يمتد إنشاد المولد حتى مطلع الفجر، طوال ليالي شهر ربيع الأول، حسب إرادة المحتفلين، وقدر ما سيقرأ من النص، ومدى سرعة أو بطء المنشد.. وجرت العادة أن يفصل المنشد بعد كل مجموعة من الأبيات بصلاة على النبي يشارك الحاضرون في إنشادها، كما يفضل الثقات من رواة المولد أن يهبوا واقفين حينما يصل المنشد إلى لحظة ميلاد النبي الأكرم.
أما مولد المناوي، فهو أيضا قصيدة سردية، استهلالها” (الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة خير البرية.. سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام) فتلتزم الشطرة الأولى قافية تاء التأنيث المسبوقة بياء مشددة، وتلتزم الشطرة الثانية الميم المسبوقة بألف المد.. ومؤلفه عبد الله بن محمد المناوي (لم أقف لى ترجمة له).
وينتشر مولد المناوي في مصر انتشارا كبيرا، ولسنوات قليلة خلت كان يكاد يقرأ في كل قرية، وفي عدة مساجد في المدينة الواحدة الصغيرة، وتسجيلات مقاطعه بصوت أعلام الإنشاد المصريين أوفر من مولد البرزنجي. كما يتميز مولد المناوي بالتعطيرة، وهي صلاة على النبي يرددها الحضور، بعد أن يمهد لهم المنشد طريقا نغميا سائغا، وتقول كلماتها “عطر اللهم قبره الشريف في البكرة والعشية.. بأزكى صلاة وسلام وتحية ورضوان.. اللهم صل وسلم وبارك عليه”.
التعطيرة الشريفة بصوت الشيخ إبراهيم الفران

بالطبع لا يقتصر الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول على مولي البرزنجي والمناوي، وتوجد عدة موالد أخرى تخص بعض الطرق الصوفية، كما أن بعض المؤسسات تحيي المولد بقصائد المديح والابتهال تؤديها فرق الإنشاد الديني، ولا ننسى المحصول الغنائي الضخم الذي يحتفي بمولد الرسول، وعلى رأسه قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي التي شدت بها أم كلثوم: نهج البردة، ولد الهدى، سلوا قلبي (اسمها في ديوان شوقي “في ذكرى المولد النبوي”).
والحقيقة أن العالم الإسلامي كله يحتفل بالمولد النبي، ويرى فيه يوما عالميا لاستدعاء سيرة الرسول عبر مديح المداحين وإنشاد المنشدين.. مملكة آل سعود فقط هي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لا تحتفي بالذكرى العاطرة، وترى الاحتفال بدعة، ونصوص الموالد كفرا، وتوزيع الحلوى رجسا أهل لغير الله به، وتنفق الأموال الطائلة لتكفير وتفسيق وتبديع المحتفلين والمتصوفين، ومحبي آل البيت النبوي… أما شعب مصر، فقد أدار ظهره إلى تلك الفتاوى، ومازل منشدوه يترنمون بمولد البرزنجي، أو يحيون الليالي بمولد المناوي.