العلاقات الأمريكية السعودية.. من البداية إلى المآلات الحرجة (5)

أحدثت وقائع يوم الحادي عشر من سبتمبر2001، هزة عنيفة في العلاقات الأمريكية السعودية، خاصة بعدما تبين أن خمسة عشر ممن قاموا بالهجمات من أصل تسعة عشر، ممن يحملون جنسية المملكة العربية، وتعالت الأصوات داخل الولايات المتحدة، وفي الغرب بشكل عام إلى ضرورة إعادة النظر في الوضع في الشرق الأوسط؛ خاصة فيما يتعلق بالأنظمة القديمة التي حافظ الغرب على تحالفات استراتيجية معها دامت لعقود.

بدا الصمت الأمريكي تجاه السعودية مقلقا لفترة، ويمكن القول أن الإدارة الأمريكية حرصت على ملء تلك المساحة من الصمت بصخب الهجوم الإعلامي على المملكة من قبل عدد من الكتاب والصحفيين من ذوي الاتجاهات اليمينية المتطرفة الذين اعتمدوا خطابا تحريضيا يدعو إلى اعتبار السعودية عدوا للولايات المتحدة، وأن يكون ذلك أساسا لأي حسابات جديدة في الشرق الأوسط.

كان الرضى الأمريكي عن ذلك الهجوم باديا، وكان الغرض منه هو ممارسة أكبر قدر من الضغوط المسبقة قبل أن تشرع إدارة الرئيس جورج بوش الابن في عرض مطالبها الجديدة على السعودية وفق المستجدات والتداعيات المتعلقة بالحادي عشر من سبتمبر.. لقد كانت عملية ابتزاز واضحة تديرها الإدارة الأمريكية في صمت.

واتساقا مع هذا الخط خرجت دعوات تحرض الإدارة الأمريكية على ضرورة اعتماد بدائل أخرى للحصول على إمدادات النفط؛ والتنازل عن مبدأ النفط مقابل الأمن والذي اعتبر مرتكز أساسيا للعلاقات بين البلدين منذ لقاء الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز المعروف بقمة كوينسي عام 1945.

في المقابل كان قرار ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز بفتح حقول النفط مجددا أمام الاستثمارات الأجنبية بعد ثلاثة عقود من إغلاقها بغرض تطوير صناعة استخراج النفط وتحسين مكانة بلاده النفطية على الساحة الدولية عبر تأمين مزيد من القدرة الاحتياطية من جهة، وربط مصالح الشركات النفطية الأميركية باستقرار المملكة من جهة أخرى.

165776-جرائم-4

الحرب الأمريكية على أفغانستان 2002.

وبالرغم من أن السعودية دعمت قرار مجلس الأمن الذي اعتبر الحرب الأمريكية على أفغانستان بمثابة الدفاع عن النفس؛ إلا أن العلاقات عادت للتوتر مجددا، بعدما رفض المسؤولون السعوديون طلبا أمريكيا باستخدام أراضي المملكة في الهجوم على معاقل طالبان، وتنظيم القاعدة؛ وكان الوضع الداخلي ينذر بعواقب وخيمة في حال عودة القوات الأمريكية لاستخدام أراضي البلاد في تدمير بلد إسلامي آخر، عانى من ويلات الحروب لنحو ثلاثة عقود.

وقد تكرر الأمر مع بداية الحرب الأمريكية على العراق، ورفضت المملكة الطلبات الأمريكية مجددا، لكنها سمحت باستخدام أجوائها في الهجمات، كما لم تستطع التقاعس عن تقديم الدعم للقوات الامريكية على عدة مستويات أخرى.

وفي محاولة للعودة إلى الأحضان الأمريكية الدافئة رأى آل سعود أنه ربما يكون من المجدي أن يطرحوا مبادرة جديدة تهدف إلى حلحلة الوضع فيما يخص الصراع العربي الصهيوني، فأمريكا برغم انشغالها الشديد في العراق إلا أن التزامها بالمحافظة على مصالح الكيان الصهيوني، خاصة فيما يتعلق باشتراطات الأمن، وتطبيع العلاقات بين الكيان والدول العربية- من الأمور التي لا يمكن تجاهلها.

رأت المملكة أن مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت يصلح لانطلاق تلك المبادرة التي تضمنت عرضا سعوديا بالتطبيع مع الكيان إذا ما انسحب من كامل الأراضي التي احتلها في حرب يونيو عام1967، لكن الولايات المتحدة لم تبد كبير اهتمام بشأن المبادرة السعودية، وربما يرجع ذلك لانغماسها في الحرب على العراق، وتطلعها إلى توسيع جبهة المواجهة مع الإرهاب، كما أنها لم تلمس لدي مسؤولي الكيان الصهيوني حماسا كبيرا بشأنها؛ ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تكن واثقة تماما في نوايا السعوديين، الذي ما لبثوا أن استبدلوا المفردات؛ ليصبح التطبيع- وهو اللفظ الذي يفضله الكيان ، ومن ثم أمريكا- علاقات طبيعية.

Iraq-War

الاحتلال الأمريكي للعراق 2003

كانت الاستفادة الإيرانية من الإطاحة بنظام صدام حسين، ونظام طالبان في أفغانستان، من الأمور التي أثرت بشكل سلبي على العلاقات الأمريكية السعودية؛ إذ رأى السعوديون أن أمريكا تهاونت كثيرا في وقف تمدد النفوذ الإيراني داخل العراق؛ حتى بدت كأنها تحاول خطب الود الإيراني بطريقة أو بأخرى، وكانت إيران قد استفادت جيدا خلال عقد التسعينات من ارتفاع أسعار النفط، في تطوير جيشها ، وتحديث أسلحته ، وتطوير قدراته القتالية، كما استطاعت التغلب على المشكلات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، وبالقطع فإن إيران كانت المستفيد الأكبر من تلك المتغيرات الكبرى في المنطقة، خاصة مع تزايد الضغوط على إدارة الرئيس بوش للانسحاب من العراق، بعد أن تجاوزت التكلفة الحد الذي كان مقدرا لها، وقد اندفعت المملكة في حالة السخط تلك حتى هاجم الملك عبد الله السياسات الأمريكية في العراق في مؤتمر القمة العربية المنعقد في الرياض في 2007، ووصفها بأنها سياسات أدت إلى أسوأ النتائج ليس على العراق فحسب؛ بل على المنطقة كلها.

21072_17799-680x461

الملك سلمان مع الرئيس أوباما في واشنطنسبتمبر2015

ويمكن القول أن الولايات المتحدة بانقضاء الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الابن، كانت في أمس الحاجة إلى التقاط الأنفاس بعد مواجهات عسكرية عديدة دامت لسنوات، خلَّفت إلى جانب عوامل أخرى؛ أزمة اقتصادية عميقة؛ لذلك رأت إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما أن من الأولويات الضرورية تقليص الوجود العسكري للولايات المتحدة خارج أراضيها؛ وقفا لحالة الاستنزاف المزعومة للموارد الامريكية التي استمرت لسنوات.. ثم أعلن أوباما أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيتم في عام 2011، كما أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان من المقرر أن ينتهي في 2014.. وكان ذلك بمثابة إعلان عن انحسار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مما يؤكد أن المؤسسات الأمريكية كانت بصدد الانتهاء من رؤيتها الاستراتيجية الجديدة بشأن المنطقة، وما حدث من تغيرات على الأرض.

في أواخر عام 2008، فشلت المحاولة الانقلابية التي قام بها الأمير بندر بن سلطان للإطاحة بالملك عبد الله، وكانت الفايننشال تايمز قد نشرت الخبر في يوليو 2009، والغريب أن المخابرات الروسية هي التي كشفت المحاولة، ولم تكشف عنها المخابرات الأمريكية ولا مكتب التحقيقات الفيدرالية، بالرغم من تواجدهما في ستة وثلاثين مقرا في أنحاء المملكة..ويقطع كثير من أمراء المملكة الكبار، بأن بندر لم يكن ليشرع في محاولته دون تفاهمات مع الأمريكيين.

وبالرغم من أن ما سمي بثورات الربيع العربي التي بدأت أحداثها في تونس ديسمبر2010، ثم في مصر في يناير من العام التالي- قد عمقت الخلافات بين البلدين، إذ رأت المملكة دعم زين العابدين وإيوائه، كذلك لم تتردد في مساندة مبارك، والعمل على بقاء نظام حكمه، بينما تحفظت الولايات المتحدة، والتزمت مبدأ التخلي عن الحلفاء المنقضية مهامهم، كما فعلت مع شاه إيران، كما أبدت الإدارة الأمريكية تفهما واضحا في إمكانية التواصل مع ما اعتبرته قوى إسلامية صاعدة في المنطقة، إلا أن الخلاف قد تعمق بشكل كبير بخصوص الوضع السوري الذي رأت فيه المملكة فرصة سانحة للتخلص من نظام الأسد حليف الأهم لإيران، في محاولة يائسة لكسب جولة في صراعها المستمر مع الجمهورية الإسلامية، إلا أن المملكة رات أن الموقف الأمريكي لم يكن على المستولى المطلوب خاصة فيما تعلق برد الفعل الأمريكي بشأن الاسلحة الكيماوية السورية، وقبول الطرف الأمريكي، بإنهاء الأمر بمعرفة روسيا.

ثم عاد المرجل الامريكي للغليان بشأن مسؤولية المملكة العربية السعودية عن كثير من العمليات الإرهابية، وفي مقدمتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي هذا الإطار تم تقديم مشروع بقانون للكونغرس يضيق المفهوم القانوني للحصانة السياسية عبر تعديل قانوني حصانات السيادة الأجنبية وقانون مكافحة الإرهاب، وقد تم تمرير المشروع من قبل مجلس الشيوخ بلا أي المعارضة في مايو 2016، وفي سبتمبر 2016 مرر كذلك بالإجماع من مجلس النواب. القانون لا يذكر هجمات الحادي عشر من سبتمبر أو المملكة العربية السعودية, إلا أنه سيسمح ضمنيا بإقامة دعاوى قضائية ضد المملكة من قبل الضحايا وأسرهم.