العلاقات الأمريكية السعودية.. من البداية إلى المآلات الحرجة (4)

بين عشية وضحاها ينقلب الحليف إلى عدو تخشى غوائله، فبرغم الدعم الذي بلغ أربعين مليارا والذي قدم من السعودية والكويت لنظام الرئيس العراقي صدام حسين، طوال حرب الثماني سنوات ضد إيران- إلا أن ذلك لم يحل دون اجتياح الجيش العراقي للكويت، ليس ذلك فحسب فالقوات العراقية التي احتلت الكويت في ساعات تضاعفت خلال أربعة أيام لتصبح ثماني فرق كاملة، وبدا أن الأمر أكبر من احتلال الكويت، بدا واضحا أن شرق المملكة الغني بالنفط معرض هو الآخر لخطر الاجتياح.

في ذلك الوقت الحرج قدم مدير المخابرات المركزية الأمريكية” وليام ويستر” إلى الرئيس الأمريكي” جورج بوش” ولوزير الدفاع آنذاك” ريتشارد تشيني” وللقائد العام للقيادة المركزية الأمريكية” نورمان شوارزكوف” تقريرا يفيد أن أجهزة المراقبة قد أظهرت أن المصفحات العراقية قد اجتازت الحدود السعودية، ونقل محتوى التقرير على الفور إلى النظام السعودي، مع تكهنات تشير إلى أن العراق ربما يقدم على عملية عسكرية واسعة تهدف إلى تقطيع أوصال المملكة باحتلال الإقليم الشرقي، وإعادة إقليم عسير إلى اليمن، وإعادة السيطرة على المدن المقدسة للأسرة الهاشمية الحاكمة في الأردن!

وبحسب الكاتب الأمريكي “دور جولد” فإن الوضع العسكري السعودي لم يكن مطمئنا على الإطلاق برغم أن المملكة أنفقت مئتي مليار دولار على شراء الأسلحة منذ عام1970، وحتى حدوث الاجتياح.. وكانت المملكة قد استقدمت عشرة آلاف جندي باكستاني، استقروا على الحدود اليمنية وقاموا بعدد من المناوشات؛ لكن ظروفا حتمت عودتهم إلى بلادهم عام 1989، كما أن عمليات الصيانة للعربات المصفحة، لم تكن على ما يرام، أما عن القوات الجوية السعودية، فقد قدم وزير الدفاع السعودي تقريرا إلى الملك فهد خَلُصَ إلى أن الدفاع عن المملكة جوا هو أمر عديم الجدوى.

image02الملك فهد يستقبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في جدة عشية الاجتياح العراقي للكويت

وكان أن عرض الرئيس الأمريكي على الملك فهد إرسال قوات أمريكية للدفاع عن المملكة عند الطلب، مع الالتزام بعدم البقاء أو إقامة قواعد دائمة، وسرعة المغادرة إلى الديار متى طُلب ذلك.

لم يستطع الملك فهد وولي عهده الأمير عبد الله- الملك عبد الله فيما بعد- وكبار الأمراء البت في هذا العرض، برغم أن الظرف كان ضاغطا، وكان المخرج هو اللجوء للمؤسسة الدينية؛ فتم دعوة 350 من رجال الدين إلى مكة، على رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز الذي ترك له الرأي النهائي الذي جاء على النحو التالي” رغم أن الأمريكيين هم في الرأي الديني المحافظ مساوون للكفار ما داموا ليسوا مسلمين، فإنهم يستحقون الدعم لأنهم هنا للدفاع عن الإسلام” كما افتى ابن باز بأن الحرب ضد العراق تعتبر جهادا!

بهذه الفتوى تدفقت القوات الأمريكية إلى المملكة حتى بلغ عددها نصف مليون جنديا، وكأنما انشقت الصحراء العربية عن شعب من الأمريكيين في وقت قياسي.

ومن الطريف أنه بعد مضي أشهر قليلة من ذلك استدعت القيادة العسكرية السعودية “نورمان شورازكوف” قائد القوات الأمريكية في السعودية وأبلغته باستيائها من ارتداء الجنود الأمريكيين لقمصان تحمل صورة دبابة في الصحراء، ولكن “شوارزكوف” أبلغ القيادة العسكرية السعودية بأن الأراضي السعودية قد امتلأت بالدبابات، كما أنها في الأصل مليئة بالصحاري، وعندئذ قالت القيادة العسكرية السعودية بأنها لا ترغب في إعلان ذلك لشعبها.

image03القوات الأمريكية أثناء دخولها الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي

انتصر التحالف الذي دُعم عربيا من مصر وسوريا ودول أخرى، ولكن ذلك لم يحل دون عدد من المتغيرات داخل المجتمع السعودي بسبب الوجود الأمريكي، إذ خرقت نحو أربعين امرأة سعودية القانون، وقمن بقيادة السيارات بأنفسهن، كما تقدم عدد من أصحاب التوجهات الليبرالية بمذكرة تطالب بعدد من الإصلاحات السياسية، مما جعل الإسلاميين يشعرون أنهم تقهقروا خطوات، وأن الوجود الأمريكي بالمملكة سيفتح أبوابا للشر لا حصر لها.

بانتهاء حرب الخليج عام 1991، غادرت معظم القوات الامريكية المملكة؛ لكن شيئا ما كان قد تغير، وبدأت آثاره في الظهور، إذ شهد شهر مايو من نفس العام تقدم نحو أربعة آلاف عالم دين وأستاذ جامعي أصولي بخطاب مطالب موقع يتضمن المسارعة بإلغاء القوانين السعودية المتعارضة مع الشريعة، وبإعادة توزيع الثروة، والتزام سياسات خارجية لا تعتمد على التحالف وتتبنى القضايا الإسلامية. وبالرغم من أن ابن باز وابن عثيمين لم يوقعا على الخطاب؛ فإن رسالة وصلت إلى الملك تفيد مباركتهما لما جاء فيه، وفي العام التالي قدم 109 من علماء الدين إلى الملك مذكرة عرفت بمذكرة النصيحة تطالب بإعادة الاعتبار لعلماء الدين الذين أضحى دورهم هامشيا، كما أكدت المذكرة على ضرورة العودة إلى التقاسم العادل للسلطة بين القيادتين الدينية والسياسية.

كما تصاعد بين أوساط المتدينين خطاب الكراهية للولايات المتحدة، وانتشرت بينهم عبارات الشيخ الحوالي القائل بأنه” إذا كان العراق هو عدو الساعة، فإن أمريكا والغرب هم الأعداء حتى قيام الساعة”.

ومع تجدد نشر نحو عشرين ألف جندي عراقي بالقرب من الحدود الكويتية في 1994، مع تأهب خمسين ألفا من قوات الاحتياط في البصرة- قامت القوات الامريكية بنشر حوالي تسعين ألف جندي من المارينز، وسبعين ألفا من القوات الإضافية في الكويت ومنطقة الخليج، إلا أن النظام السعودي لم يبد متحمسا لهذا الإجراء، حتى بعد تقدمت إدارة “كلينتون” بطلب استضافة لواء مدرع أمريكي على الأراضي السعودية، وقد تردد السعوديون كثيرا في القبول إذ كان الخطاب العدائي للولايات المتحدة في الداخل قد بلغ ذروته بعد عودة قادة الجهاد من أفغانستان، وعلى رأسهم أسامة بن لادن الذي كان قد أرسل رجاله بالفعل قبل نحو عام لمواجهة القوات الأمريكية في الصومال.

image04آثار الدمار الناجمة عن تفجير السفارة الأمريكية بنيروبي أغسطس 1998

وفي الثالث عشر من نوفمبر 1995، يقتل خمسة أمريكيين في تفجير سيارة أمام مبنى الحرس الوطني بالرياض، ويتبين بعد ذلك أن من قاموا بالتفجير ممن حاربوا في أفغانستان.

وفي الثالث والعشرين من فبراير 1998، أعلن أسامة بن لادن عبر جريدة القدس العربي أن تحركه ضد الولايات المتحدة جاء بسبب احتلالها لبلاد الحرمين لنحو سبع سنوات، ولما أوقعته من مآس بحق الشعب العراقي، ولدعمها المستمر للكيان الصهيوني الغاصب للقدس ولأرض فلسطين العربية.

ثم حدث تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من دار السلام (تنزانيا) ونيروبي (كينيا) في وقت واحد في السابع من أغسطس 1998 تزامنا مع الذكرى السنوية الثامنة لقدوم القوات الأمريكية للسعودية، كما تعرضت المدمرة الأمريكية كول لهجوم في ميناء عدن في أكتوبر عام 2000

ومع تنامي النزعة المعادية للغرب داخل المجتمع السعودي بدا النظام عاجزا عن مواجهة هذا المد الذي كان يتلقى الدعم المبطن من القيادة الدينية في المملكة، حتى أنها لم تخفي غضبها بسبب اعتقال الشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان العودة، اللذين عملا على تأجيج روح العداء للولايات المتحدة والغرب عبر الخطب المسجلة على أشرطة الكاسيت والكتب أيضا.. وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية بدت أكثر اهتماما بتحقيق الأرباح والسيطرة على آبار النفط من أي شيء آخر.

هجمات-11-سبتمبرأحداث الحادي عشر من سبتمبر2001

وفي يوم الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر 2001 نفذ 19 شخصا  يرجح أنهم على صلة بـتنظيم القاعدة هجمات باستعمال طائرات مدنية مختطفة تم توجيهها لتصطدم بأهداف محددة، وتمت أولى الهجمات حوالي الساعة التاسعة إلا الربع صباحا بتوقيت نيويورك، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، وبعدها بربع ساعة  اصطدمت طائرة أخرى بمبنى البرج الجنوبي، وبعد ما يزيد على نصف الساعة اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية بينما تحطمت الطائرة الرابعة قبل بلوغها الهدف، ثم كشفت التحقيقات أن خمسة عشر شخصا من المنفذين يحملون الجنسية السعودية، وكان ذلك وغيره من الملابسات داعيا إلى تطور آخر خطير في العلاقات الأمريكية السعودية.