العلاقات الأمريكية السعودية ..من البداية إلى المآلات الحرجة(3)

في منتصف السبعينات تعددت الأحداث الهامة وتلاحقت، واجهت الولايات المتحدة النتائج الكارثية لحربها في فيتنام، وخرجت من الحرب بحمولة فاقت الخمسين ألف قتيل، وفي الداخل كانت أصداء فضيحة “ووترجيت” مازالت تتردد بشكل واسع، وتلقي بظلالها السوداء على عدد من المؤسسات الأمريكية، على رأسها المخابرات المركزية.. في ذلك الوقت استطاعت المملكة العربية السعودية استيعاب نتائج حدث بثقل اغتيال ملكها فيصل بن عبد العزيز على يد ابن أخيه، وتم انتقال الحكم إلى الملك خالد بن عبد العزيز الذي كان نائبا لرئيس الوزراء ووليا للعهد.. كانت إيران الشاه تتطلع للعب أدوار لحساب الولايات المتحدة في المنطقة؛ ترسيخا للحكم الاستبدادي؛ وإبقاء على الدعم الامريكي للشاه لآخر مدى، في حين كانت السعودية تبدى تململا بين الحين والآخر لا يحول دون التعاون، وغض الطرف عن الممارسات الإيرانية التي باتت تهدد دول الخليج العربي.. وحدث أن رأت الإدارة الأمريكية برئاسة جيرالد فورد أن التدخلات المباشرة لم تعد مأمونة، وأن مواجهة المد السوفييتي لابد أن يأتي عبر وسطاء؛ فأوعزت إلى فرنسا أن تقيم تحالفا استخباراتيا من عدد من الدول التي تدور في الفلك الأمريكي، وبالقطع كان على رأس هذه الدول إيران الشاه والسعودية والمغرب ومصر برئاسة السادات الراغب بكل قوة في البرهنة على نفض التجربة الناصرية بالكلية عن كاهله، وبالقطع فإن استخبارات العدو الصهيوني لم تكن بعيدة عن ذلك ترقب وتستفيد إلى أقصى درجة.. عُرف هذا التجمع الاستخباراتي بـ”نادي السفاري” واتخذ من القاهرة مقرا له.

نفذ النادي الذي مُوِّل من قِبل السعودية وإيران، ودُعِم عسكريا من جانب مصر والمغرب، وتولت فرنسا الإشراف والتنسيق بما يتيح لها تحقيق النجاح لمشروعها الفرانكفوني في المقام الأول، وتنفيذ الأجندة الأمريكية ثانيا.. ساهم النادي في إخماد ثورة ظفار في عُمان عام1976، كما قدم دعما لنظام موبوتو سيسي سيكو دكتاتور زائيرعام1977، ولحسين حبري في تشاد 1979، كما قدم النادي الدعم لمعارضي نظام هيلامريام الشيوعي في أثيوبيا استمر إلى بداية الثمانينات، وقد استمرت أعمال النادي حتى عام1983، حققت أمريكا من خلاله العديد من النتائج الجيدة، كما كان التحالف أحد أهم ترتيبات الصلح المنفرد بين مصر والعدو الصهيوني عام1978، والذي عُرف باتفاقية كامب ديفيد.

image03

مناحم بيجن وجيمي كارتر والسادات في كامب ديفيد 1978

في البداية أظهر النظام السعودي حماسا لمباحثات كامب ديفيد؛ لكنها حرص بعد ذلك على إبراز رفضه لما آلت إليه المفاوضات من نتائج؛ ففي بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء السعودي؛ جاء ما يلي”…أن حكومة المملكة العربية السعودية، مع تقديرها للجهود التي بذلها الرئيس كارتر… ترى أن ما تم التوصل إليه في قمة كامب ديفيد لا يعتبر صيغة نهائية مقبولة للسلام…”.

كانت الشكوك تساور الجانب السعودي بشأن الخطط الجديدة في المنطقة بعد كامب ديفيد، خاصة أن أمريكا تراجعت بشكل واضح عن دعم الشاه بعد تطور الوضع في إيران، كما أنها انتقدت بشدة رفع أسعار النفط؛ حتى أنها لوحت بعدم استبعاد الحل العسكري لضمان استمرار ضخ النفط.. لم تتخذ السعودية موقفا إيجابيا معلنا من كامب ديفيد برغم تطابق رؤيتها مع رؤية الرئيس السادات الذي كان يؤكد أن 90% من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة؛ لذلك لا يعتبر هذا الموقف أصيلا أو معبرا عن الواقع بقدر ما كان استجابة للضغوط العربية والفلسطينية بشكل خاص التي رأت أن تسوية على هذا النحو هي بمثابة نحر بدم بارد لقضية فلسطين.. ثم كانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي “سايروس فانس” إلى الرياض التي تزامنت مع حملة شنها السناتور اليهودي” فرانك تشرس” رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس على السعودية المتلكئة في دعم الاتفاق المصري الصهيوني.. لكن كل ذلك لا يبدو ذا قيمة إذا ما قورن بالدور الذي لعبته شركات النفط الأمريكية لصالح السعودية إذ مارست ضغوطا كبيرة من أجل ألا تتضرر مصالحها بسبب جموح السياسية الأمريكية بشأن قضية الشرق الأوسط.

Capture copy

الإمام الخميني في مطار طهران عائدا من فرنسا بعد سقوط نظام الشاه فبراير 1979

قبل أن ينقضي عقد السبعينات المضطرب بالأحداث الكبيرة يسقط نظام الشاه في إيران سقوطا مدويا، بعد أن خذلته الولايات المتحدة بشكل مهين؛ حتى أنها رفضت استقباله، ولم يجد سوى السادات يستضيفه.. ولا شك أن نجاح الثورة في إيران قد أجبر الإدارة الأمريكية على مراجعة الموقف من جديد سيما بعد حدوث أزمة الرهائن التي استمرت نحو 14 شهرا، وانتهت بتوقيع اتفاق بين البلدين في يناير1981، وقد خرج الجميع – وعلى رأسهم النظام السعودي- من هذا الموقف المتأزم بدرس مفاده أن أمريكا على استعداد تام للتخلص من أخلص حلفائها في أقرب حاوية نفايات إذا دعت الضرورة لذلك.

وقبيل انقضاء العام بأيام اجتاح الجيش الأربعون التابع للاتحاد السوفييتي أفغانستان لدعم النظام ضد المعارضة المسلحة التي دعمتها الولايات المتحدة قبل ذلك بنحو ستة أشهر، واستطاعت الولايات المتحدة أن تدفع بالسعودية لدعم الجماعات المعارضة بالمال والسلاح والرجال، بدعوى نصرة الإسلام ضد الشيوعيين الملاحدة، واستخدم نظام السادات في مصر لنفس الغرض، وبلغت الدعاية ضد الاتحاد السوفييتي مداها، بينما كانت دول مثل مصر وباكستان والسعودية لا تتورع عن دفع مواطنيها دفعا للجهاد في أفغانستان.. ثم انقلب السحر على الساحر.

image04

طائرة الإنذار المبكر الأمريكية أواكس ضمن القوات الجوية الملكية السعودية

رأى الطرفان- الامريكي والسعودي- نهاية أنه ليس ثمة خلاف حقيقي بينهما خصوصا بعد أن بادر الطرف الأمريكي بإرسال وزير الدفاع “هارولد براون” إلى الرياض، ثم دعا الرئيس كارتر ولي العهد الأمير فهد لزيارة واشنطن في العام نفسه، لكن فهدا لم يذهب إلى واشنطن، وكان التأجيل والإرجاء لحين إنهاء بعض الخلافات التي تعلقت بصفقات السلاح خاصة صفقة الطائرات( إف-15) وكان حجم ما دفعته المملكة للولايات المتحدة ثمنا لأسلحة حصلت عليها بلغ 34 مليار دولار في الفترة من(1973-1980).. ثم كان أن أسست السعودية مجلس التعاون الخليجي في 25مايو1981، بدعم ومباركة أمريكية؛ ليكون في مواجهة إيران الثورة، وفي الشهر التالي قصف طيران العدو الصهيوني مفاعل تموز العراقي بعد أن استخدم أجواء المملكة العربية ذهابا وإيابا وكذلك الأردن.. وبالقطع فإن هذا المرور الآمن لم يكن بخافٍ على الدفاعات الجوية السعودية التي كانت قد زودت بأربع طائرات أمريكية للإنذار المبكر المعروفة باسم (أواكس) قبل ذلك بنحو ثمانية أشهر!

ويستمر الإجرام الصهيوني بمباركة أمريكية، وصمت عربي مريب؛ فتقع مذبحة صبرا وشاتيلا في أكتوبر من نفس العام؛ ويتم تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل من العام التالي، وفي أكتوبر من نفس العام تدفع الولايات المتحدة ثمنا باهظا لدعمها غير المحدود للكيان الصهيوني؛ فتفقد 241 من جنودها في تفجير شاحنة في مقر قواتها بالعاصمة اللبنانية.. وكان التصعيد قد بلغ أشده بين النظام السعودي ونظام الثورة الإسلامية في إيران؛ وشهد موسم الحج في آخر يوليو عام 1987، جريمة بشعة حين قتلت قوات الأمن السعودية أكثر من 400 حاج إيراني.

image01

الاجتياح العراقي للكويت أغسطس1990

ونتيجة للإحساس المتزايد بالخوف من امتداد الحرب الإيرانية العراقية لجأت السعودية إلى تنويع مصادر التسليح؛ فاتجهت إلى أوربا وعقدت عدة صفقات مع فرنسا وألمانيا( الغربية) ثم بريطانيا عام1985، فيما عرف بصفقة المليارات، ثم جاء ربيع 1988، لتوقع السعودية مع الصين صفقة الصواريخ والتي سببت ضيقا شديدا للمسؤولين الأمريكيين؛ خصوصا أنها تمت بشكل سري، ولم تكن هناك علاقات بين السعودية والصين قبل ذلك، وللحقيقة فإن تلك الصواريخ فشلت في التصدي للصواريخ سكود التي أطلقتها العراق في حرب الخليج الثانية.. بعد أن قرر الرئيس العراقي صدام حسين صباح الثاني من أغسطس 1990، اجتياح الكويت، واحتلالها بالكامل؛ بل واعتبارها إحدى محافظات الجمهورية العراقية، بعد خلافات بين البلدين حول آبار النفط الحدودية، ومزاعم عراقية بعلاقات سرية ودعم كويتي لإيران خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية التي كانت قد وضعت أوزارها قبل الاجتياح بعامين.. لتدخل المنطقة العربية بأسرها مرحلة جديدة من العلاقات المتشابكة والحروب والدمار كانت منطقة الخليج مسرحا لها.