يوميات أهل الكهف.. عجوزا «الدرابة» عندما يكون الموت أرحم

غرفة مسقوفة بالخشب يتخللها التصدعات والثقوب، ودورة مياه بدائية تسكنها الحشرات والفئران، داخل كهف تحت سطح الأرض، أشبه بزنازين السجون، وعجوزان ترك الزمن بصمته على وجوههما وجسادهما، لا يقدرون على الحركة والتنقل، تجاورهما حفنة كبيرة من الأدوية المتنوعة، يدركهما الموت كل يوم، لتبقى أسمى أمانيهما أن يجدا من يكرمهما حال موتهما، بعدما يأسنا من عون ومساعدة الحكومة والمجتمع.

داخل إحدى الحارات المنسية بمنطقة «الدرابة» جنوب مدينة المنيا أول ما تقع عليه عينيك بشارع حسن البنا منزل أشبه بكهوف العصور الوسطى، لا تصل إليه الشمس بعدما اندثر تحت سطح الأرض لأكثر من مترين، تشبه بوابته الخشبية نوافذ المنازل في مساحتها، تكسوها الخيش والبطاطين، وتجاورها بعض الكراكيب.

hsrtget

تنقلك السلالم الحجرية الخطرة إلى أسفل حيث يجلس على السيد 70 سنة، على كرسي متحرك يقضي عليه حاجته في مكانه باستخدام إناء نحاسي، لعدم مقدرته الحبو نحو دورة المياه، بعدما عجز عن الحركة، وتجاوره زوجته المريضة على الفراش بعدما تجاوز عمرها 67 عامًا.

الغرفة التي لا تزيد مساحتها على 8 أمتار، تضيق على السرير المتهالك والكنبة الخشبية، وركن صغير حيث يجلس الزوج على كرسيه.. الكرتون لحفظ الملابس، ومداراة الثقوب والتشققات، ومنع تساقط الأتربة على الفراش، أما السقف الخشبي يسكنه العناكب، وتتوسطه مروحة معطلة.

دورة المياه مساحة 4 أمتار، أشبه بزنزانة الحبس الانفرادي، تستغلها الأسرة كمخزن لحفظ الكرتون وأواني الغسيل، والكراكيب التي يحتاجونها من حين لآخر، كما تتخذها الأسرة كمنشر للملابس بعد تنظيفها، هنا لا تجد أشعة الشمس طريقًا لها، في حين تجد الحشرات والفئران مرتعًا بداخلها.

بحركة بطيئة، تزحف الزوجة المريضة داخل المنزل لإحضار المياه، والطعام، والأدوية، وإناء قضاء الحاجة، ولا مانع من إعادة ترتيب الغرفة الضيقة، وركن إحضار الطعام، ولصق الكرتون على جدران المنزل حتى لا يكسوها الأتربة المتساقطة من السقف والجدران، إضافة لمساعدة الزوج في الاستحمام وتغيير الملابس.

jygduhyjtd

قصة عم علي مع المرض بدأت منذ 25 عامًا حيث أصيب بتاتنس المفصل أعلى فخذه الأيسر، ليرقد وقتها 3 أشهر داخل مستشفى الحميات بالمنيا، بعدها لم يقو على حركة القدم اليسرى بأكملها، وظل يرتكز على قدمه اليمنى، ومع زيادة الحمل عليها أصيب بتهتك وخشونة في المفصل، وانتهى الأمر بجلوسه على كرسي متحرك؛ لأنه لم يتمكن من إجراء عملية جراحية في قدمه بسبب إصابته بحساسية شديدة على الصدر، بتحذير من الأطباء.

كما تعاني زوجته من أمراض السكر والضغط والانزلاق الغضروفي بجانب مياه على الرئة، وتعيش على الأنسولين والأدوية المسكنة، لعدم مقدرتها ماديًا على العلاج وإجراء التحاليل والأشعة والعمليات الجراحية.

drtretg

بعد علم أصحاب العمل بعدم مقدرته على الحركة، فصلوه دون سابق إنذار رغم أنه متعاقد ويتم خصم مبلغ مالي بصفة شهرية كي يتقاضاه كمعاش، وعندما ذهب إلى التأمينات الاجتماعية أخبروه بعدم أحقيته في المعاش؛ بسبب فصله، وأعطوه وقتها مبلغ 50 جنيهًا فقط، وعندما توجه إلى التضامن الاجتماعي، اكتفوا بإعطائه مبلغ 20 جنيهًا دفعها أجر «التاكسي»، وكانت حجتهم أن زوجته تتقاضى معاشا نظير عملها في حضانة.

وكانت زوجته تعمل في حضانة وخرجت مبكرًا على المعاش بسبب مرض زوجها، وبالتالي تتقاضى معاشها منقوصًا فقط 300 جنيه، تمثل الدخل الشهري الوحيد لأسرة «عم علي»، يدفعون منها القيمة الإيجارية للمنزل، وقيمة فواتير المياه والكهرباء، وما يتبقى لا يكفي لسد رمقهم من مطعم ومشرب لمدة 5 أيام، ففاتورة الكهرباء قيمتها 55 جنيهًا، و105 جنيهات لفاتورة المياه، في حين تظل الأسرة بمرضها لعدم مقدرتهم توفير نفقات العلاج.

hgxfgdf

عم علي العجوز المريض أنه لم يعد قادرًا على بيع الزلابية كما كان بالسابق، وكذا صناعة وبيع التمر والعرقسوس في شهر رمضان، حتى اضطر لغلق الكشك خاصته بسبب حالته المرضية، وأنه ينتظر أجل الله هربًا من آلام العيش، آملًا أن يتم تكفينه ودفنه حتى لا تتعفن جثته.

وتبقى أمنية الأسرة المنكوبة توفير مصدر رزق شهري بتخصيص معاش ضماني للزوج، وعدم نسيانهم حتى لا يخطفهم الموت ولا يجدون من يكرمهم بالتكفين والدفن كبقية البشر.