كوابيس إسلام الشهابي.. (التطبيع-1)

(1)

عاتبت نفسي كثيراً، منتقدا بعض التعليقات الخفيفة التي أدونها على “فيس بوك”، وأحيانا أغضب من نفسي لأنني أرى في بعضها قدر من التجاوز قد يضر بالصورة العامة، أو الحالة النفسية، لآخرين لا أعرفهم ولايعرفونيي إلا كأسماء أو شخصيات تتحرك في الفضاء العام، ومن هذه الشخصيات لاعب الجودو إسلام الشهابي الذي خسر مباراته و(مباراتنا كلنا) أمام لاعب “إسرائيلي”.

(2)

شاركت بالتعليق والسخرية، وعلى سبيل التعويض والإزاحة توهمت كغيري أنني حققت قدرا من الحضور كمنتصر يسخر من المهزوم، ومن حسن حظي أنني عندما أشرع في الكتابة أتخلص من سيكلوجية “مواطن الفيس بوك”، وأفكر بعمق مسؤول، وحينها سألت نفسي عن قوة الصراع وحجم المعاناة التي طاردت الشهابي قبل وبعد مباراته مع “العدو”، وتوقعت أنه يتألم كثيرا (أو هكذا يجب أن يكون) فاللحية التي تشير إلى سيماء إسلامي متدين، تكفي كمدخل للصراع النفسي الذي يتولد داخل مسلم متدين يقف على بساط واحد أمام “يهودي”، ويمد يده إليه ليصافحه!.. هذا إذا افترضنا أن الشهابي ليست له علاقة بالسياسة نهائيا، ولم يسمع في حياته عن شهداء الصراع العربي الصهيوني، وعنصرية الكيان المغتصب، وحق الفلسطينيين في وطنهم، وكل هذه الشعارات ذات الطابع التاريخي والسياسي.

(3)

من هذا المدخل الذي فرضته على ذهني لحية إسلام الشهابي، توسعت في تحليل الموقف التراجيدي لفرد لديه بعض التصورات الشخصية التي تفرض نفسها على سحنته وملابسه واختياراته، لكن هذا الفرد ليس حرا تماما، فهو يلعب داخل قواعد مفروضة عليه، كمواطن في دولة يمثلها، ولاعب ضمن بعثة دولة، يدرك قواعد اللعبة التي يمارسها، وتقاليد البطولة التي يخوضها، لهذا كله كان إسلام الشهابي يتمزق ويعاني من كل هذه العوامل، فلا رئيس البعثة أدرك ذلك قبل المباراة (ولا المدرب ولا الطبيب النفسي ولا إسلام نفسه)، وكذلك نحن (إعلاميين وجماهير) لم ندرك ذلك، ولم نهتم به بعد المباراة.

(4)

بعد إدراكي لهذا المأزق الإنساني التراجيدي، قررت أن أكتب عن التطبيع متجردا من الموقف الأيديولوجي الجاهز، والخنادق السياسية الحصينة، وأيضا بعيدا عن خفة “الفيس بوك” وسرعة التعليقات العفوية التي عادة نتوازن بها حتى لو كانت انتقاصا متعمدا من آخرين يشاركوننا نفس الهزائم، والصعوبة أنني لم افكر من قبل في مناقشة مفهوم التطبيع بهذه الطريقة الخالية من الموقف السياسي المعادي لوجود دولة اسمها “إسرائيل”، لكن تعالوا نتعرف على النتيجة..

(5)

أتذكر الآن حكاية تراثية قديمة تُحكى عن أعظم لاعب شطرنج في تاريخ الخلافة الإسلامية، وكان الخليفة يعتز به ويراهن على تفوقه دائما، فدعاه لمبارزة لاعب شطرنج ذاعت مهارته في بغداد، برغم أنه أعمى، فاعتذر “اللاعب المفتح” عن هذه المبارزة.

غضب الخليفة، ووبخه مستنكرا: أتنسحب أمام أعمى؟

قال اللاعب بهدوء: نعم.

سأله الخليفة: هل لديك سبب مقبول؟

قال: لأنني في كل الأحوال سأخسر، إذا هزمته سيقولون باستهانة: لقد هزم أعمى، وإذا هزمني ستكون فضيحة يلوكها الناس كثيرا، فيقولون بسخرية: لقد هزمه الأعمى.

(6)

لا أعرف هل الحكاية واقعية تماما، أم أنها كالعادة تتكئ على واقعة عادية جعلتها إضافات النقل والخيال أمثولة تحكى، لكنها في كل الأحوال تصلح كمدخل هادئ لفهم مبدأ “المقاطعة”.. فالدولة “المفتحة” ذات التاريخ العريق والحضارة الممتدة، ستخسر في كل الأحوال إذا قبلت بمنافسة عصابة عدوانية مغتصبة بلا تاريخ إلا التزييف والإدعاء، فقد فاز لاعب جودو مصري من قبل على لاعب إسرائيلي، فماذا كانت المكاسب الأوليمبية أو السمعة المحلية والدولية؟

(7)

أما عن الاتفاقيات السياسية، والقواعد الدولية، والأخلاق والمبادئ الرياضية، فهذه قصة مهمة جدا، سأناقشها معكم في المقال التالي، آملا أن تفكروا معي وتشاركوني البحث عن منطق لسلوكنا وسياساتنا وتعاملاتنا في الداخل والخارج، لأن غياب المنطق جعلنا نتلعثم في كل شيء ونختلف على كل مبدأ، ولم نعد حتى نعرف العدو من الصديق، ما يليق ومالا يليق، وأظن أن هذا هو الخصم القوي الذي هزم إسلام الشهابي، ويهزمنا جميعا (دولة وجيشا وشعبا) في كل مجالات حياتنا.

(8)

أملي ألا يمر هذا المقال تحت غطاء القراءة الصامتة، والتلقي السلبي، أتمنى مشاركة واسعة بالتعليقات والرأي، فليس هناك أهم من أن نحدد مفاهيمنا، ونعرف العدو من الصديق، وكيفية التعامل مع أي منهما في كل مناسبة.. دمتم عقل الوطن وحصن أمنه، ونبع مستقبله.

 

جمال الجمل

tamahi@hotmail.com