بالارقام و الفيديو .. كل ما تريد معرفته عن سد النهضة و الخطر الاكبر على مصر

تمهيد:

تشير التقارير الدولية أن موارد المياه المتاحة لكل فرد في العالم سوف تتقلص بنسبة لا تقل عن 50% خلال الفترة الواقعة بين عامي 2000 – 2025 وتكمن الخطورة عند معرفة
أن نسبة الاستهلاك العالمي للمياه تزداد بمعدل 8.4% سنوياً. وفي خضم هذا الواقع العالمي الذي يعاني من مشكلة نقص حاد في الوضع المائي، أصبح تقاسم مصادر المياه ضرورياً أكثر فأكثر، وصعباً بفعل تنوع الحاجات والاستخدامات واللاعبين. وفي ظل التقارير والدراسات التي تشير إلى أن القرن الحالي سيشهد حروباً داخلية وخارجية للسيطرة على المياه مثلما شهد القرن الماضي حروباً على النفط، تبدو المياه رهاناً استراتيجياً تدخل في صميم الأمن القومي لأي بلد سواء على الصعيد السياسي، الاقتصادي، الجيوسياسي و الاستراتيجي.

فالماء، لن يُعَود على الأرجح مصدر الاضطرابات السياسية والاجتماعية فحسب، بل الحروب في الشرق الأوسط ـ الفقير مائياً ـ خلال السنوات العشرين المقبلة. وحسب متخصصين وخبراء، فإن احتياطيات المياه الجوفية تشكل مورداً محدوداً يتم استغلاله على نحو يفوق قدرته على تجديد نفسه. تمثل منطقة الشرق الاوسط و شمال إفريقياً ارضاً خصبةً لتصاعد الصراعات المائية لعوامل عدة أهمها قلة المصادر المائية و انعدام التعاون و التنسيق فيما يتعلق بالسياسات المائية، فضلاً عن الزيادة المضطربة للسكان في تلك المناطق. يحتكم الشرق الأوسط علي 1% من إجمالي المياه العذبة بالعالم مُوزعة علي 5% من سكان العالم، الأمر الذي صعّد من حدة الصراعات الحالية و المستقبلية علي المياه بتلك المنطقة، و لربما يعيد تشكيلها من جديد بلاعبين جدد علي الساحة. حيث يشهد نهري دجلة و الفرات صراعاً قديماً و مستمراً بين تركيا و العراق و سوريا، كذلك نهر الأردن بين “اسرائيل و الأردن و فلسطين و لبنان”، و صولاً للقارة السمراء التي تأخذنا لأحد أهم و أكبر مراحل الصراعات المائية حالياً، المتمثل في الطموح المائي لإثيوبيا و التي ترجمته فعلياً بإنشائها أحد أكبر السدود بالعالم “سد النهضة” الأمر الذي فتح سجالاً دبلوماسياً و سياسياً بين قوي عدة قطبيها (مصر و إثيوبيا) لحسم ملف مياه نهر النيل، و فرض رؤيتها الاستراتيجية ـ البعيدة المدي ـ لتحقيق أمنها المائي بالمقام الأول. وسط الاضطرابات المائية الحرجة التي ستعصف بالعالم علي المدي القريب، و اعتماد مصر علي نهر النيل لتلبية حاجاتها المائية بنسبة 97%، كيف سيحسم طرفي الصراع المائي في إفريقيا معركته؟.. وإلي أي مدي تمثل الطموحات الإثيوبية المائية، تهديداً مباشراً للحياة في مصر؟..كيف تبدو التفاصيل الفنية للسد؟.. حجم الدور و التواجد الإسرائيلي هناك؟.. تاريخ محاولات السيطرة علي مياه نهر النيل؟..كيف نجح الإثيوبي في فرض السد كأمر واقع؟.. تفاصيل المعارك السياسية و الدبلوماسية، مستقبل اطروحات الخيار العسكري كحل اخير. هو ما ستوضحه هذه الدراسة في النقاط التالية:

1. نهر النيل

يعد أطول انهار العالم، و عاملاً و شاهداً اسياسياً منذ بدء التاريخ لقيام أولي حضارات الأرض، يمتد بطول 6.695 كم، يبدأ مساره من بحيرة فيكتوريا ـ ثاني أكبر بحيرة للمياه العذبة في العالم و الأكبر في إفريقيا ـ و يتجه شمالاً حتي المصب في البحر المتوسط، ليغطي بذلك حوض النيل مساحة 3.4 مليون كم2 حيث يمر مساره بـ عشر دول إفريقية يُطلَق عليها دول حوض النيل و هي (كينيا و أوغندا و تنزانيا و روندا و بوروندي و الكونغوا الديموقراطية و اثيوبيا و جنوب السودان و شمال السودان و مصر). بالإضافة إلي وجود دولة إريتريا كمراقب.

3

تنقسم دول حوض النيل الي قسمين، دول المصب و تشمل مصر و شمال السودان، و دول المنبع تضم إثيوبيا و أوغندا و كينيا و تنزانيا و رواندا و بوروندي و الكونغو الديموقراطية. و ينبع نهر النيل من العديد من البحيرات الإفريقية أبرزها بحيرة فيكتوريا الاستوائية، بحيرة إدوارد الاستوائية، بحيرة ألبرت (موبوتو) وبحيرة تانا ثم يخترق النيل أراضي السودان حيث يلتقي النيل الأبيض بالأزرق فوق الخرطوم قبل أن يلتقي بهما نهر عطبرة (الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية شمال بحيرة تانا بطول 800 كم قبل أن يلتقي بالنيل فى شمال السودان) ثم يشق طريقه إلى أرض مصر.
4

يتكون نهر النيل من فرعيين رئيسيين يقوما بتعذيته و هما النيل الابيض في شرق القارة و النيل الأزرق في إثيوبيا، يشكل النيل الأزرق 80-85% من مياه النيل الإجمالية، ولا يحصل هذا إلا أثناء مواسم الصيف بسبب الأمطار الموسمية على مرتفعات إثيوبيا، بينما لا يشكل في باقي أيام العام إلا نسبة قليلة، تُقَدّر مساهمة النيل الأزرق في مياه النيل بضعف مساهمة النيل الأبيض ـ تقريبا ـ ولكن تبقى هذه النسبة متغيرة، إذ تخضع للتغيرات فى مواسم الأمطار على مدار العام، حيث يبقى جريان النيل الأبيض ثابتًا تقريبًا خلال الفصول الأربعة، وبذلك تصبح مساهمة النيل الأزرق 90% والنيل الأبيض 5% عند الذروة، في حين 70% للأول و30% للثاني في الحد الأدنى.. حسناً فـ كيف تتوزع مياه نهر النيل بين دول المنبع و المصب؟ و للإجابة علي هذه النقطة، يجب النظر إلي 3 اتفاقيات مهمة، ظلت تُنَظّم إلي وقت قريب حصص دول حوض النيل من المياه.
أولا: اتفاقية 1929
جاءت الاتفاقية بين مصر وبريطانيا – التي كانت تنوب عن السودان وأوغندا وتنزانيا، فقد نصت على أن لا تقام بغير اتفاق مسبق مع الحكومة المصرية أية أعمال ري أو كهرومائية أو أية إجراءات أخرى على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها.
ثانياً: اتفاقية 1959
وقعت هذه الاتفاقية في 5 نوفمبر 1959 بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929وليست لاغية لها، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السد العالى ومشروعات أعالى النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عدد من الخزانات في أسوان. وقد حددت لأول مرة اتفاقية نوفمبر 1959 بين مصر والسودان كمية المياه بـ55.5 مليار متر مكعب سنويا لمصر و18.5 مليارا للسودان.

ثالثاً: تلي اتفاقية 1959 العديد من إطارات و مبادرات التفاهم التي تمت بين مصر و أوغندا من جهة عام 1991 و مصر و إثيوبيا من جهة أخري عام 1993 ضمنت جميعها عدة مبادئ، أهمها:
عدم قيام أى من الدولتين بعمل أى نشاط يتعلق بمياه النيل قد يسبب ضرراً بمصالح الدولة الأخرى
التشاور والتعاون بين الدولتين بغرض إقامة مشروعات تزيد من حجم تدفق المياه وتقليل الفاقد.

إلا أن تلك التفاهمات و الآليات التي وٌقِعَت في التسعينيات لم تكن أبداً في محل الاتفاقيات اأو المعاهدات، لذا فجميعها لا يلزم الطرف الآخر بالالتزام قانونياً بتلك المبادئ.

لذا تعتبر اتفاقية 1959 هي المحورية و التي ضمنت استحواذ كل من مصر و السودان علي 90 % من إجمالي مياه النيل بواقع 84 مليار متر مكعب، تذهب 55 مليار متر مكعب لمصر و 18 مليار متر مكعب للسودان.
حسنا.. هل تبدو تلك النسبة مجحفة بحق دول المنبع؟

دول المنبع لاتعتمد على نهر النيل في تأمين حاجاتها المائية لأغراض الزراعة وإنتاج الغذاء بقدر اعتمادها على الأمطار الموسمية التي تقدر بعشرين مرة حجم مياه النيل و التي يذهب معظمها هدراً لعدم توافر التقنيات و الإمكانيات اللازمة للاستفادة منها.. و من هذه المعادلة و النسبة السابقة، كان الطموح الإثيوبي المائي حاضراً منذ عقود.. فـ كيف تشكّل تاريخ الطموحات الإثيوبية في مياه النيل؟.
5

2. تاريخ الطموح الإثيوبي في المياه.

تشييد-سد-النهضة-الاثيوبي

كلفت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية الرحالة البريطاني “جيمس بروس” لاكتشاف بدايات نهر النيل في الحبشة، وكان ذلك عام 1769م، فجاء إلى مصر

وكان يحكم مصر في ذلك الوقت علي بك الكبير شيخ البلد وزعيم المماليك، ونزل جيمس بروس السودان وسار مع نهر النيل حتى التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، ودخل أرض الحبشة، ومكث هناك عاما كاملا حتى وصل إلى بحيرة تانا في وسط هضبة الحبشة وشاهد خروج النيل الأزرق من بحيرة تانا وسار معه حتى عاد إلى القاهرة مع نهر النيل، وكتب تقريرًا قدمه للجمعية الجغرافية الملكية البريطانية سنة 1770م قال فيه: (إن نهر النيل الذي يروي مصر ينبع من بحيرة تانا في الهضبة الحبشية، وإن مَن يسيطر على بحيرة تانا والهضبة الحبشية يستطيع تجويع مصر)

قبل البدء في سرد الطموح الإثيوبي في المياه يجب الالتفات أولاً، لماذا يمثل الطموح الإثيوبي قلقاً بالغاً لدول المصب و خاصة مصر؟.. كما أشرنا في بداية الدراسة، أن إثيوبيا تعد أهم دول المنبع بحوض النيل، إذ ينبع منها النيل الأزرق الذي يشكل (80% لـ 90% ) من مياه نهر النيل، و أغلب الطموحات الإثيوبية للسيطرة و التحكم في المياةه تقع علي هذا النهر، الأمر الذي جعل ذلك أقل الطموحات الإثيوبية علي هذا الفرع مصدراً دائماً للقلق.

حين نتحدث عن التاريخ الفعلي للطموح الإثيوبي في الماء، فـنحن بصدد الحديث عن الفترة بين العامين 1956 و 1964، و هي الفترة التي اإجرت فيها الولايات المتحدة عمليات تحديد موقع مشروع سد “النهضة الاثيوبي الكبير”، عن طريق دراسة للمكتب الأمريكي للاستصلاح، و الذي كان يجري أبحاثه علي 26 موقع، منهم 4 علي النيل الأزرق.

و منذ تلك الفترة نجحت إثيوبيا في تشييد عدد قليل من السدود في ستينيات و سبعينيات القرن المنصرم، سدود لا تحمل سعة تخزين عالية كما أن إمكانياتها لتوليد الطاقة ظلت في مستويات متوسطة، تقع معظم السدود علي نهر اواش و نهر اومو، كما يوجد سد فينشا بأحد روافد النيل الازرق.

ظلت وتيرة إنشاء السدود مستمرة لأنها لم تشكل خطراً أو تهديداً يُذكر لحصص المياه حسب اتفاقية 1929 أو 1959 لكن بالرغم من إنشاء السدود السابق الإشارة لها، و التي كانت تُستَخدم لري الأراضي الزراعية و توليد الطاقة الكهربائية، إلا أن إثيوبيا ظلت من أقل دول العالم استهلاكا و إنتاجاً للكهرباء. حتي بعد زيادة مشاريع توليد الطاقة، ففي عام 2005 كان حوالي 85% من سكان إثيوبيا بدون خدمات كهربائية، نضف لذلك الزيادة المضطربة للسكان، أخذ الطموح الإثيوبي مساراً أكثر جدّية، حيث تنوي اثيوبيا أن تكون مصدراً إقليمياً للمياه من جهة و للطاقة من جهة أخري، و مع زيادة الطلب علي الطاقة من دول الجوار الإثيوبي (جنوب السودان، شمال السودان، كينيا، و عبر جيبوتي و البحر الاحمر إلي اليمن)، مع زيادة الطلب علي الطاقة، و مع وجود مصر كخصم أساسي للطموحات المائية الإثيوبية، أصبحت إثيوبيا مسرحاً للعديد من عمليات تمويل انشاء السدود علي ورافد النيل، وصولاً للمعضلة الكبري و نقطة الصراع المصيري، سد الألفية الكبير ” سد النهضة “.

3.من أنت؟..عاقبت المصريين ببناء سد النهضة.

7

قبل الحديث عن سد النهضة بشقيّه الفني و الدبلوماسي، يجب الرجوع لحدث هام كان مفصلياً في مراحل بناء سد النهضة، نرجع بالتاريخ لعام 1993 خلال اجتماع القمة الإفريقية، عرض رئيس الوزراء الإثيوبي “زيناوي” علي الرئيس الإريتري ” أسياس افروقي” أن يعرض ملف مياه النيل خلال جلسات القمة الإفريقية، وقتها نصح الرئيس الإريتري رئيس وزراء إثيوبيا بعدم الإقدام علي هذه الخطوة لأنه ليس وقتها. و بحسب تصريحات الرئيس الإريتري عن هذه الواقعة و التي أدلي بها في العام الحالي، أنه في مساء يوم الاجتماعات وجد “زيناوي” غاضبا، وحينما سأله عن سبب هذا الغضب، رد عليه بأنه اقترح على مسؤول مصري بأن إثيوبيا سوف تفتح ملف النيل خلال اجتماعات القمة، فرد عليه المسؤول المصري وقال له “من أنت؟”، وبعدها هدد زيناوي بمعاقبة المصريين قائلا “سأفعل ما فعله الأتراك بسوريا والعراق.

و من ذلك الوقت تحديداً عزم الإثيوبيين علي المضي قُدماً لحسم ملف مياه النيل.. فكيف نجح الإثيوبيون في فرض “سد النهضة ” كأمر واقع؟ و ما الظروف التي مكنت المفاوض الإثيوبي من تطويق المصري و محاصرته ـ دبلوماسيا ـ في عمقه الإفريقي؟

4. محطات العلاقة المصرية الإثيوبية.. و تطويق الإثيوبي للمصري.

قبل الإجابة عن سؤال الفقرة السابقة ـ كيف نجح الإثيوبي في تطويق المصري ـ دبلوماسياً ـ في عمقه الإفريقي لتنفيذ أجندته المائية، يجب أولاً الالتفات إلي المحطات الهامة في العلاقات المصرية الإثيوبية و التي شكلت إلي حد كبير أنماط الصراع الحالي.

ناصر:
9

على مدى الـ64 عامًا الماضية، مرت العلاقات الثنائية بين مصر وإثيوبيا، بكثير من المنحنيات على المستوى الرسمي، إذ شهدت العلاقات المصرية- الإثيوبية، ازدهارًا كبيرًا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذى يعد أول رئيس مصري يزور إثيوبيا، وأسس فيها منظمة الوحدة الإفريقية، كما قدمت مصر لإثيوبيا دعمًا اقتصاديًا، وتجاريًا خلال تلك الفترة، ما جعلها حليفًا قويًا. لكن سرعان ما نشبت الخلافات بين البلدين علي خلفية قيام مصر في عهد ناصر ببناء السد العالي دون أن تستشير دول المنبع و هو ما عارضته إثيوبيا.

السادات:
10

يعد السادات من أكثر الرؤساء المصريين حزماً تجاه ملف مياه النيل، إذ اتخذ مواقف و سياسات عنيفة تجاه الجانب الإثيوبي و طموحاته المائية لدرجة التهديد بالدخول في حرب ثانية إن لزم الأمر إذا تعلق بمياه النيل
جاء إعلان الرئيس السادات عن مشروع لتحويل جزء من مياه النيل لرى 35 ألف فدان في سيناء ليشعل العلاقات بين مصر وإثيوبيا في عهد الامبراطور منجستو هيلا ماريام خليفة هيلا سيلاسى الذى تقدم بشكوى إلى منظمة الوحدة الإفريقية فى ذلك الوقت تتهم فيها مصر بإساءة استخدام مياه النيل، واحتدم الخلاف إلى حد تهديد الرئيس الإثيوبى «منجستو» مصر بتحويل مجرى نهر النيل، فيما وجه الرئيس السادات خطاباً حاداً إلى إثيوبيا مهددا باستخدام القوة العسكرية.

مبارك:
11

في البداية ساد قدر من التفهم و العلاقات بين البلدين وجها تكوين تجمع (الأندوجو)، الذى نشأ عام 1983، وهو يعنى (الإخاء) باللغة السواحلية، وذلك كإطار إقليمى للتشاور والتنسيق بين دول حوض النيل، رغم أن إثيوبيا لم تنضم إليه إلا بصفة مراقب مع كينيا
توترت علاقات خطط نظام الرئيس الإثيوبي منجستو لإقامة مشروع كبير فى منطقة تانا بيليز، لمضاعفة الإنتاج الكهربائي الإثيوبي، وهو مشروع بدأت مرحلته الأولى عام 1988، وبلغت ميزانيته 300 مليون دولار أمريكى، وكان من المقرر أن يتم من خلاله إقامة خمسة سدود لتوفير المياه لحوالى 200 ألف مزارع في إثيوبيا. فعارضت مصر وتصدت لمحاولة حصول إثيوبيا على قرض من بنك التنمية الأفريقي، مما زاد من توتر العلاقات بين الطرفين

مع قدوم عام 1995 حدثت قطيعة تامة في العلاقات بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس الأسبق مبارك بأديس أبابا إبان زيارته لحضور مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية المنعقد هناك، بعد تصاعد لهجة التصريحات الرسمية والإعلامية العدائية المتبادلة بين البلدين، واستمرت هذه القطيعة حتى قيام ثورة يناير. منذ ذلك الوقت و مع التراجع الحاد لنفوذ مصر إفريقيا في عهد مبارك بدأت الاستراتيجية الإثيوبية للسيطرة علي مياه النيل قيد التنفيذ، مستغلة التوترات السياسية التي عصفت بمصر إبان ثورة يناير من العام 2011، إذ بدأت الخطوات الإنشائية للسد في هذا العام تحديداً.. و علي الصعيد الدبلوماسي ـ السياسي، بدأت إثيوبيا مرحلة التطويق الفعلي لمصر. فكيف ومتي تم ذلك؟

5.اتفاقية عنتيبي.. منصة التطويق الفعلي للدبلوماسية المصرية.
12

فى يوليو من عام 2009 اجتمع المجلس الوزاري السابع عشر لدول حوض النيل في الإسكندرية؛ حيث سعت دول المنبع إلى فرض إقامة “مفوضية” لحوض النيل، بغض النظر عن مشاركة دولتي المصب (مصر والسودان)، عوضًا عن الاتفاقيات القديمة لتوزيع المياه، ولما اشتدَّت الخلافات بين دول الحوض قرَّر المؤتمر الاستمرار في المفاوضات والتشاور لمدة 6 أشهر قادمة، على أن يتم الانتهاء من حسم نقاط الخلاف، للوصول إلى اتفاقية موحدة تجمع دول حوض النيل أو مبادرة دول حوض النيل.

يمكننا أن نعتبر مايو 2010 هو نقطة البداية الملموسة لتفاقم أزمة دول حوض النيل، حيث قررت 6 من دول منابع النهر هى إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي التوقيع في مدينة “عنتيبي” الأوغندية على معاهدة جديدة لاقتسام موارده تنتهى بموجبها لحصص التاريخية لمصر والسودان وفقا لاتفاقيات 1929 و1959 ، ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة عاما واحدا للانضمام إلى المعاهدة، يذكر أن دولة جنوب السودان قد أعلنت في مارس 2013 اعتزامها الانضمام إلى معاهدة عنتيبى.

رفضت كل من القاهرة والخرطوم الاتفاقية واعتبرتها “مخالفة لكل الاتفاقيات الدولية”، وأعلنت أنها ستخاطب الدول المانحة للتنبيه على عدم قانونية تمويل أي مشروعات مائية، سواء على مجري النيل أو منابعه وإقناعها بعدم تمويل مشروع سد الألفية “سد النهضة” الذي سيتكلف نحو 4.8 مليار دولار أميركي حسب تصريحات المسئولين الإثيوبيين. لكن يبقَ السؤال موجوداً، بعد أن نجحت اثيوبيا في استغلال تراكمات الغياب المصري في افريقيا، و بعد ضمانها لارضية سياسية و دبلوماسية متينة الي حد ما لبنائها ” سد النهضة “، كيف سيمول الاثيوبي الفقير مشروعه الضخم؟ ..و ما حقيقة التواجد الاسرائيلي هناك؟

6. التواجد الاسرائيلي في اثيوبيا ..و دوره في بناء السد.

2013-635049386943322596-332

تُعتبر إثيوبيا أهم منصة إفريقية لدي عقل الكيان الإسرائيلي، فهي حلقة الوصل بين الكيان الإسرائيلي و سائر مناطق وسط إفريقيا و جنوبها، لذا احتفظ الإسرائيلي بعلاقات متميزة مع الإثيوبي علي الصعيد الاقتصادي و العسكري، كما عززت حالة الصراع و العداء الأخيرة بين مصر و إثيوبيا، أهميتها لدي الكيان الاسرائيلي . مما جعل العلاقات بينهما تأخذ منحني أكثر تطوراً علي جميع الأصعدة، قبل النظر في حجم و شكلية التواجد العسكري الاسرائيلي هناك، يجب التوضيح انه لا توجد أيّه وثائق رسمية تعلن رسمياً ماهية الدور الاسرائيلي في سد النهضة و ملف مياه النيل بوجه الخصوص، لكن الطموحات المائية الإسرائيلية لا تُخفي ابداً خصوصا ان تعلق الأمر بدولة عربية. أعلنت شركة ناحل الإسرائيلية و هي الشركة المسؤولة عن تطوير و تخطيط المصادر المائية في إسرائيل إنها تقوم بمشاريع و أعمال في إثيوبيا لحساب البنك الدولي، و إنها تقوم بأعمال إنشائية في أوجادين في الطرف الآخر من إثيوبيا علي حدود الصومال، كما كشفت العديد من الصحف أن خبراء اسرائيليين قاموا بعمليات مسح لمجري النيل و المناطق المحيطة به، لتقديم الاقتراحات حول إنشاء عدد من السدود علي النيل الأزرق ـ المغذي الرئيسي ـ لمياة نهر النيل كما أشرنا سابقاً. ويهدف التعاون الإثيوبي الإسرائيلي إلي تنفيذ العديد من المشروعات المائية التي يصل عددها الي 40 مشروعاً مائياً علي النيل الأزرق أيضا لتنمية الأراضي الزراعية علي الحدود السوادنية الإثيوبية، كما تعتمد المشروعات الاسرائيلية هناك علي الدراسات التي أصدرها مكتب الاستصلاح الأمريكي في خمسينيات القرن المنصرم و أوائل الستينات و التي كانت بهدف الضغط علي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. يُجدر القول أن الإسرئيلي في إثيوبيا يعد وكيلاً تنفيذياً لتلك المشروعات، لم يقتصر التواجد الاسرائيلي بالدعم التقني و الفني لأمور الانشاءات المائية فحسب، بل شمل أيضاً تطوير الجيش الإثيوبي، بداية من عام 1995، حيث عملت على تنفيذ برنامج خماسى -أى خمسة أعوام- يتعين إعادة هيكلة وتنظيم وتسليح الجيش الأثيوبى ليكون قادراً على مواجهة أية تحديات من داخل القارة الأمر الذى قد يؤشر ربما أن إثيوبيا كانت تخطط لاتخاذ خطوات بشأن ملف المياه منذ عقدين من الزمان

وطبقاً للصحف الاسرائيلية فإن إسرائيل بدأت ومنذ عام 1996، تضخ كميات كبيرة من الأسلحة إلى أثيوبيا شملت طائرات نقل واستطلاع من نوع “عرابا” المنتجة فى إسرائيل، كما شملت دبابات من طراز (ميركافا) السوفيتية والتى جرى تحسينها وكانت إسرائيل قد استولت عليها أثناء حرب 67، إضافة إلى منظومات رادار وصواريخ بحرية، ومنظومات صواريخ “باراك” و “جبريائيل” وصواريخ ومدافع مضادة للطائرات. كما اشار رئيس هيئة الاستشعار عن بعد “علاء النهري” ان ثمة تشويشا قد حدث لصور الاقمار الاصطناعية التي تتابع سد النهضة، تشويشا قد يصل للحجب، مما دفع مصر الي اللجوء لدولة اخري و شراء منها صور توضح ديناميكية بناء السد بحسب تصريحات “النهري”. بالطبع الاثيوبي الفقير لا يمتلك تقنيات التشويش عبر الاقمار الصناعية.

7.حسناً..قبل ان نخوض في التفاصيل الفنية للسد، كيف نجح الاثيوبي في تمويل مشروعه ” سد النهضة “؟
14

تبلغ تكلفة السد4.8 مليارات دولار، أغلبها تمويل حكومي من جانب إثيوبيا،عن طريق سندات للاثيوبيين في الخارج. بالإضافة إلى بعض الدول و المؤسسات منها
الصين:
وعد الصين شريكا أساسيا في بناء السد منذ عام 2013، حين وقعت شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية مع شركة المعدات والتكنولجية المحدود الصينية، اتفاقية لإقراض أديس أبابا ما يعادل مليار دولار أمريكي؛ من أجل بناء مشروع خط نقل الطاقة الكهربائية لمشروع السد النهضة، بالإضافة إلى الخبرات البشرية التي تشارك بها الصين،بجانب المليار دولار، فقد قام بنك الصين الصناعي بإقراض إثيوبيا 500 مليون دولار في عام 2010؛ من أجل إعداد الدراسات للسد في بدايته لتصبح أكبر دولة مشاركة في بناء السد
لم يفلح التعاون الاستراتيجي العسكري المصري الاخير في وقف التمويل، إذ تعتبر افريقا منصة هامة لدي التنين الصيني الذي يسعي بقدر الامكان لفرض نفوذه.

إيطاليا:
أما إيطاليا فتعد أحد المساهمين في مشروع السد، وذلك من خلال شركة ساليني إمبراليجيو المختصة بتشييد السدود، وهي التي تقوم على بنائه منذ عام 2011

البنك الدولي
رغم نفي البنك الدولي أكثر من مرة دعمه لهذا السد، إلا أن السفير محمد إدريس سفير مصر بإثيوبيا في 2013، أكد أن البنك الدولي هو الممول الرئيسي للسد،تركيا وقطر أيضًا ضمن القائمة، كما يؤكد بذلك جمادا سوتي المتحدث باسم جبهة تحرير الأورومو الإثيوبية، الذي أكد أن قطر وتركيات يمولان سد النهضة من خلال مشروع استثماري وزراعي ضخم، تموله الدوحة وأنقرة لزراعة مليون ومائتي ألف فدان في منطقة السد.

8. المواصفات الفنية الفنية للسد.

15

فور الانتهاء من إنشائه العام القادم ـ حسب ما اعلنته الحكومة الإثيوبية ـ سيُعد ” سد الألفية العظيم”، اكبر سدود افريقا جمعاء، و عاشر اكبر سد بالعالم، فأين يقع ذلك السد تحديداً؟..
يقع سد النهضة
يقع سد النهضة في نهاية النيل الأزرق داخل الحدود الإثيوبية، في منطقة بني شنقول-قماز، وعلى بعد حوالي 20-40 كم من الحدود السودانية، علي ارتفاع حوالي 500-600 متر فوق سطح البحر.
حسب تصريحات مسئولون في ادارة مشروع انشاء السد فقد تم اختيار هذا المكان لإقامة السد لاعتبارات جغرافية وجيولوجية واقتصادية، وأن هذا المكان على النيل الأزرق هو الأكثر توافرا وتدفقا للمياه، وأن الدراسات أثبتت أيضا أن هذا المكان الذي يتسم بمجموعة تلال ذات طبيعة صخرية سيكون الأقل تكلفة لبناء هذا السد.
16
يبلغ ارتفاعه 145 م، و طوله 1800م، و سعة تخزينه للمياة تصل لـ 74 مليار متر مكعب، و هي مساوية تقريباً لحصتي مصر و السودان من مياة النيل.
مرة ونصف من إجمالي سعة النيل الأزرق من المياه سنوية كما تعادل
كما تقدر القدرة المبدئية للسد على توليد الكهرباء بحوالى 6000-7000 ميجاوات ، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الطاقة الكهربائية المولدة من محطة سد أسوان الكهرومائية.
و للتعرف أكثر علي تصميم السد من الداخل و حجم الخزانات و المولدات و كيفية عمله يرجي مشاهدة الفيديو التالي:
http://goo.gl/UnNSCe

جدير بالذكر أن سد النهضة هذا ليس آخر المطاف فالخطة الإثيوبية قد تعمد إلى إضافة ثلاثة سدود أخرى هى “كارادوبي” و”بيكو أبو” و”مندايا” بسعات تخزينية تصل إلى 200 مليار متر مكعب.
17

9. ما حجم التهديد الذي يمثله سد النهضة بالنسبة لمصر؟.
كما اشارنا في بداية الدراسة، ان حصة مصر من مياة النيل تغطي 97% من احتياجاتها المائية، ومع التزايد الكبير في عدد السكان في مصر فإن حصة الفرد قد تتقلص إلى ما دون 500 متر مكعب سنوياً ـ و هذه النسبة اقل من نصف المعدل العالمي ـ هذا مع الإفتراض ان حصة مصر من مياة النيل ظلت في معدلاتها الطبيعية.

تبلغ السعة المائية في خزانات سد النهضة 74 مليار متر مكعب، و لكي يعمل السد بكامل طاقته يجب ملئ تلك الخزانات في اسرع وقت، و هذا سيحرم علي اقل تقدير مصر و السودان من تدفق 15 مليار متر مكعب من حصتهم سنوياً، و يعد ذلك كارثياً بالتحديد علي مصر، فطبقاً للتقديرات، يتطلب مليار متر مكعب من المياة سنوياً لري 200 الف فدان بمصر..و بذلك مع كل مليار متر مكعب تخسرها مصر من حصتها المائية تفقد 200 الف فدان. و بالتالي فإن جميع خطط استصلاح الاراضي الزراعية التي اعلنت عنها الحكومة المصرية سيُعاد النظر بها مرة اخري لمواجهة التهديدات المقبلة.

ايضاً السعة الكبيرة من المياة التي سيخزنها و يحجزها سد النهضة، قد تؤثر علي المدي البعيد بمنسوب المياة خلف السد العالي و منها التأثير علي قدرته من انتاج الطاقة الكهربائية بنسبة تتراوح بين 20% و 40% بحسب خبراء في مجال المياة
18

10. ماذا عن الموقف العربي؟

لطالما ارتبط الماء بالأمن القومي العربي، خاصةً ان التوزيع الديموغرافي للدول العربية يقع في مناطق فقيرة مائياً. و علي الرغم من محاصرة العرب مائياً من التركي الذي اقام سد اتاتورك عام 1983 و حرمان سوريا من 40% من حصتها المائية، و العراق حصل فقط علي ثُمن حصته عام 1989، كذلك يحاصر الاسرائيلي الاردن و لبنان و فلسطين من جهة اخري عبر نهر الاردن..الا إن الموقف العربي تجاة ملف سد النهضة كان محيراً للغاية..فـ كيف تمحور الموقف العربي من قضية سد النهضة؟
أولاً: السودان
على الرغم من أن السودان أولى دولتي المصب، وفي حالة تعرض السد لأية مشاكل جيولوجية فان السودان ستتعرض لضرر جسيم اذا ما حدث انهيار لهذا السد؛ إلا أن الخرطوم تعتمد سياسة غير متوازنة وغير شفافة، مع التسليم بعدم توقيعها على اتفاقية عنتيبي ابتداء، وهو أحد أهم التحديات التي تواجه المفاوض المصري الذي يجري المباحثات الدبلوماسية المائية في أزمة سد النهضة.

ماذا عن الخليج؟..
قامت عدد من الدول الخليجية منها الممكلة العربية السعودية والإمارات والكويت و قطر بطرح رؤوس أموال طائلة للاستثمار الزراعي في الأراضي المحيطة بسد النهضة وهو تحد كبير يواجه السياسة المصرية في إطار التحالفات المعقدة لمصر مع الدول الخليجية في أعقاب عزل الرئيس محمد مرسي منذ 3 يوليو2013.
19

بالنظر إلي النقاط السابقة الخاصة بتمويل و دعم سد النهضة، يتضح ان المفاوض المصري امام تحدِ جسيم للغاية، و شبكة معقدة من اللاعبين، و تركة ثقيلة من تراكمات السياسات المصرية ـ بإختلاف حكوماتها ـ الخاطئة تجاه العمق الافريقي، فضلاً عن دخول المفاوض المصري احد اعقد معارك الدبلوماسية المائية علي الاطلاق دون رؤية واضحة منذ البداية. الامر الذي جعل من مهام التفاوض امام التعنت الاثيوبي امراً ليس بالسهل، خاصةً بعد نجاح الاثيوبي في تطويق المفاوض المصري قبل ان يعرض اجندته، و اختيارهم للوقت المناسب للبدء في بناء سد النهضة.. لذا يبدوا ان المصري يقاتل وحيداً في معركة مصيرية لا تقبل ابدا بالهزيمة، فـ هل من ثمة أوراق بديلة متاحة علي طاولة المفاوض المصري؟..و ما الخيارات المتاحة إذن؟

11.الخيارات البديلة
20

يجب التنويه اولاً ان أي إطار بديل كان، لن يغير من حقيقة وجود سد النهضة علي ارض الواقع بمشروعية كاملة، الخيارات البديلة ستضمن بشكل او بآخر الحفاظ علي الحصة المائية لمصر من مياة النيل و عدم المساس بها..خاص المفاوض المصري معارك عديدة و وقع علي العديد من اوراق التفاهم بعد موقعة عنتيبي التي ألغت الحصص التاريخية لمصر و السودان، لكن جميع تلك التفاهمات لا تحمل الصيغة الالزامية لما جاء فيها من مبادئ.. لذا فـ للمفاوض المصري عدة اوراق مهمة باقية علي الطاولة :

1. محاولة الضغط علي الخليجي لوقف تدفق الاستثمارات هناك أو سحبها، و استخلاص مواقف واضحة تصب في مصلحة المفاوض المصري و تعزز ارضيته.

2.بناء استراتيجية كاملة مع التنين الصيني الذي يسعي لفتح بوابة له في قلب افريقيا لمنافسة الامريكي هناك، إذ يمول الصيني العديد من المشروعات في مختلف الدول أهمها اثيوبيا و منها سد النهضة، و تقديم له بدائل و تسهيلات استثمارية كبيرة في مصر بدلاً من تمويل سد النهضة. و هو ما استحوذ علي انتباه الادارة المصرية منذ فترة تكررت علي اثرها الزيارات الرسمية بين الصيني و المصري. دون الاعلان عن أيّه خطط لحسم ملف تمويل “سد النهضة” حتي الان.
21

3.التنسيق مع محور القرن الافريقي (الصومال، جيبوتي، إريتريا) و استخلاص و توحيد مواقفهم العدائية تجاة اثيوبيا و سياساتها في المنطقة، و العمل علي زيادة التعاون المصري مع هذه الدول التي تعتبر المنفذ التجاري النشط لاثيوبيا في المنطقة. بإمكان القرن الافريقي ان يطوق الاثيوبي تجاريا لو تبني موقفاً اكثر صرامة مع المصري.

4. التنسيق مع الجنوب السوداني ـ تحديداً ـ كونه الاقرب إلي مصر سياسياً و إلي سد النهضة جغرافياً.

12. ماذا إن فشلت كل الجهود الدبلوماسية امام التعنت الاثيوبي؟ هل يبقّ الخيار العسكري مفتوحاً؟
22

بدا واضحاً منذ البداية ان الطموحات الاثيوبية لا ترتكز في تأمين مصادرها من المياة و الطاقة فحسب. بل، الإستحواذ الكامل علي مياة نهر النيل و تهديد الامن القومي المصري في الصميم. كما إن وجود مصر كخصم للاثيوبي قد دفع بالعديد من اللاعبيين الاقليمين و الدوليين علي الدخول في حلبة الصراع. كما إن تغيير سياسة مصر الخارجية و العسكرية و اتجاهها إلي تنويع مصادر تسليحها و اتجاهها نحو الشرق “موسكو” قد دفع بالولايات المتحدة لاتخاذ اجراءات عقابية تجاه مصر و في صميم مورد بقائها ” نهر النيل” بإعتباره احد التكاليف الاستراتيجية التي يجب علي مصر تحملها، و من هنا جاء الدعم الامريكي اللا محدود لمشاريع السدود علي النيل الازرق و تقديم الدعم الفني و التقني. كما دخلت تركيا ايضاً لحلبة الصراع، عبر إبرامها اتفاقية للدفاع المشترك مع إثيوبيا، شملت الإتفاقية علي توريد بعض انظمة الدفاع الجوي من تركيا. لكن تبقَ تلك الإتفاقية في حيّز التعاون العسكري بين البلدين. إذ لا تحتمل أن تخوض تركيا حرباً بالوكالة في إثيوبيا، و خاصة بعد التواجد الروسي قرب حدودها في سوريا.

و بالنظر ايضاً الي التعنت الاثيوبي و حيادية الموقف العربي، قد نرَ إنحصار أيّه فرص للتوصل الي وثيقة تفاهم تضمن لمصر بقاء حصتها او علي الاقل تعديل المواصفات الفنية للسد و زيادة عدد فتحات الطوارئ العاملة فيه، مما يُرجح امكانية استخدام الحل العسكري كخطوة اخيرة. لكن ما هي مسارات التدخل العسكري المصري المرجحة لحسم ملف سد النهضة؟

حين نتحدث عن مصر، فنحن بصدد اكبر قوة عسكرية في افريقيا و الشرق الاوسط، و افضل قوة جوية بإفريقيا، و بالرغم من تزامن مرحلة بناء سد النهضة بالتحديث الشامل الذي يجريه الجيش المصري لكل افرع قياداته من الناحية التقنية و التسليحية، إلا ان مصر لا تمتلك مقاتلات او قاذفات ـ بعيدة المدي ـ في اسطولها، قادرة علي ضرب السد دون الحاجة لـ “ترانزيت” او طائرات الشحن العسكري و التزود بالوقود التي لا توجد في الترسانة العسكرية المصرية الان، مما يؤكد علي اهمية وجود وسيط افريقي يضمن لمصر التواجد العسكري قبالة الأثيوبي. و هنالك محورين هامين من المرجح ادراجهما في اي استراتيجية عسكرية لضرب السد.. المحور الاول،شمالاً: محور القرن الافريقي ” الصومال جيبوتي اريتريا” المعادي سياسياً لاثيوبيا. المحور الثاني غرباً ” جنوب السودان”. حيث جعلت المواقف المموهة و الغير شفافة لحكومة شمال السودان تجاه مصر و سد النهضة عائقاً امام أيّه فروض و احتماليات للتعاون العسكري فيما يخص قضية السد.

23

و قد تلجأ مصر إلي تعديل طائرات النقل لديها من طراز “سي ـ130” لتحويلها الي طائرات للتزود بالوقود، كما فعلت الصين بتحويل طائرات “التي ـ يو 16” لطائرات تزود بالوقود، تندرج تلك الخطوة علي طاولة الخيار العسكري في حال تعثر او تأخر المفاوضات الجارية مع مصر الان لاستقدام طائرات “ايرباص إيه 400″ و ” إليوشن 67″
24

من المرجح ان تشمل الاستراتيجية العسكرية لضرب السد، ضربه في المراحل الاولي من إنشائه و قبل امتلاء خزانه بالمياه، لتجنب خلق حالة من الفيضان الهائل بالمصب في السودان و مصر ايضاً..

ووفقا لمركز لستراتفور أفضل طريقة أمام مصر لضرب سد قائم هو استخدام القنابل التي يتأخر عملها ونشرها من ارتفاعات منخفضة تماماً، أو الأفضل من هذا استخدام ذخائر الهجوم المباشر المشتركة التى يتأخر تشغيلها أيضا من ارتفاع متوسط، و مصر تمتلك مقاتلات ” الرافال” و ” اف 16 بلوك 52+” التي تمتلك القدرة علي المناورة في تلك الظروف و الارتفاعات كما تمتلك ايضاً احدث انواع الذخائر الموجهة بإحداثيات الاقمار الصناعية و اجهزة الليزر فضلاً عن القنابل و الصواريخ الحرة. و تختص تلك المقاتلات في مهام القصف الجراحي الدقيق، بحمولة كبيرة من القنابل قد تصل لـ 9 طن. ولعل استصلاح الحكومة المصرية مؤخرا لمليون و نصف المليون فدان رسالة مفادها أن لا تغيير في حصص مصر التاريخية من مياة النيل، الامر الذي يزيد من احتمالات تنفيذ الخيار العسكري. و خاصة بعد اتجاه مصر لتكوين و قيادة حلف عسكري في شمال إفريقيا، يٌعرَف بتحالف دول الساحل و الصحراء، و الذي أعلن عنه السفير المصري بأثيوبيا ” أبو بكر حنفي” ـ لعل ذلك ـ يُعد خطوة إستباقية لإستراتيجيات عسكرية مقبلة علي المدي القريب تجاه الملف الليبي من جهة و مياة النيل من جهة اخري”. إفتتح بذلك وادي النيل اول الصراعات المائية التي سيشهدها العالم علي المدي البعيد، من المرجح أن تشتعل عدة صراعات اخري بمنطقة الشرق الاوسط الفقير مائياً، فهل سيحسم المصري موقفه من ملف “النهضة الاثيوبي”، أم سيشاهد نقصان حصصه من مياه النيل سنوياً؟..