حكومة فنزويلا الجديدة بين مطرقة الاقتصاد وسندان البرلمان

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

النهج اليساري الذي كان يتبعه الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز طيلة فترة حكمه (1999-2013) كان محط اهتمام تلتف حوله القوى اليسارية ومريدو هذا التوجه، الذين وجدوا في شخصية تشافيز عبر خطاباته وخططه السياسية والاقتصادية معسكرًا لهم في تصديهم للإمبريالية والرأسمالية العالميتين، فتشافيز معروف بقوة خطاباته ضد ممارسات أمريكا وتلاعبها بالمنطقة.

قوة الاقتصاد الفنزويلي والتي استند عليها تشافيز طيلة فترة حكمه كانت عبر النفط، فاعتمدت فنزويلا اعتمادًا كليًّا على البترول كمصدر وحيد لاقتصادها وناتجها الإجمالي، فشركة “بي دي في إس إيه” من أكبر شركات النفط في فنزويلا، وتعد مصدر الدخل الرئيسي لفنزويلا وإيراداتها، فمشروع المليون وحدة سكنية لدعم محدودي الدخل الذي سعى تشافيز له لدعم شريحة الفقراء كان ممولًا من شركة النفط هذه، بالإضافة لمشاريع أخرى ذات طبيعة خدمية واجتماعية كبرنامج الرعاية الصحية ومشاريع التموين، رفعت من شعبية تشافيز التي انعكست على بقائه في الرئاسة حتى رحيله وسيطرة حزبه على البرلمان، فالإحصاءات الصادرة عن المنظمات الدولية تشير بوضوح لتراجع معدلات الفقر من 44% في عام 1998، أي قبل تولي تشافيز الحكم، إلى 27% في عام 2013، وهو العام الذي رحل فيه هوجو تشافيز.

وعلى الرغم من أن سياسة تشافيز الاقتصادية والرعوية المعتمدة على النفط كانت سببًا في شعبيته، إلا أنها كانت سببًا في تقلص شعبية الأحزاب الاشتراكية لاحقًا. وحتى قبل أزمة النفط المتمثلة في انهيار أسعاره، مهّدت سياسة تشافيز لتفاقم الأزمة الاقتصادية، فصحيح أن مشاريع الفقراء كانت طفرة داخلية في الاقتصاد الفنزويلي، إلا أن هذه المشاريع لم تجلب عوائد استثمارية للبلاد، كما أن سياسته في التأميم والمصادرة دفعت المستثمرين للهروب برؤوس أموالهم الضخمة إلى الخارج؛ ما أدى إلى انهيار القطاع الخاص. وعلى ما يبدو فإن نظرة تشافيز التكتيكية للاقتصاد على حساب الاستراتيجية سيدفع ثمنها نيكولاس مادورو خليفته في الحكم.

فترة حكم نيكولاس مادورو

عندما بدأ مرض السرطان ينال من تشافيز، قال في خطاب متلفز عام 2012 إن مادورو هو المخول دستوريًّا بتسيير أمور الرئاسة حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، في حال عدم استطاعة تشافيز نفسه القيام بمهامه، وطلب من الشعب انتخاب مادورو رئيسًا للبلاد، وهذه أول مرة يسمي فيها تشافيز خلفًا له، وعُيِّن حينها نائبًا له، ثم انتُخِب مادورو رئيسًا لفنزويلا في 14 إبريل 2013، بعد رحيل تشافيز.

سياسة مادورو المعادية لأمريكا لم تختلف عن تشافيز، حيث أعلن في فبراير 2014، في خطاب جماهيري عن طرد الدبلوماسيين الأمريكيين الثلاثة، وهي حادثة تعيد إلى الأذهان طرد الرئيس تشافيز للسفير الأمريكي في فنزويلا عام 2010.

الأزمة الاقتصادية التي ضربت فنزويلا في ظل حكم مادورو تلقي الحكومة الاشتراكية باللوم فيها على الانهيار في أسعار النفط العالمية والـ “حرب الاقتصادية” التي يشنها خصومها ضدها. ومن المعروف أن واشنطن رفضت الاعتراف بمادورو رئيسًا لفنزويلا، ومنذ أن استلم السلطة، تراشقت فنزويلا وواشنطن الاتهامات، حيث اتهمت فنزويلا أمريكا بالتآمر عليها والسعي لتدبير محاولة انقلاب فيها، وهو اتهام رافقه إجراء عملي بتقليص فنزويلا عدد موظفي أمريكا الدبلوماسيين فيها، وفرض التأشيرة على الزوار الأمريكان، في المقابل وسعت أمريكا عقوباتها على فنزويلا، ووصفتها بأنها تشكل خطرًا على أمنها القومي.

ويبدو أن الأزمة الاقتصادية استطاعت – وفي فترة وجيزة – تغيير ملامح الحكم في فنزويلا. وبغض النظر عن سبب الأزمة الاقتصادية فقد صبت في صالح المعارضة، حيث استطاعت المعارضة في فنزويلا نزع الأغلبية في البرلمان من الحزب الاشتراكي الحاكم لأول مرة منذ 16 سنة، بعد انتخابات تشريعية انتهت 6 ديسمبر 2015، فقد أعلن المجلس الوطني الانتخابي في فنزويلا 8 ديسمبر 2015 حصول ائتلاف طاولة الوحدة الديمقراطية المعارض على أغلبية الثلثين (109 مقاعد) من أصل 167 نائبًا في البرلمان، كما فاز ثلاثة نواب من أحزاب إقليمية مرتبطة بالائتلاف، فيما حصل الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا على 55 مقعدًا فقط، وبعد يومين من انتصار المعارضة، طالب رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزراءه بالاستقالة.

مادورو والحكومة الجديدة

تكمن أهمية الحكومة الجديدة التي شكلها نيكولاس مادورو في أنها من المفترض أن تكون طوق نجاة من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد بصفة عامة واليسارية على وجه الخصوص، فهيمنة اليمينين على غالبية البرلمان الفنزويلي من الطبيعي أن تولد صراعات متصاعدة بين الحكومة والبرلمان الذي لم يعد ملكًا لليسار، وليس هذا فحسب، فاليمين أصبح بمقدوره ممارسة سلطات كبيرة يمكن أن تصل إلى رحيل مبكر للرئيس.

هذه المخاوف دفعته الأربعاء الماضي إلى تشكيل حكومة جديدة، حيث عيّن رودولفو ميدينا في منصب وزير المالية، ولويس سالاس ليرأس وزارة جديدة للإنتاجية الاقتصادية، ولكنه أبقى على إيولوخيو ديل بينو كوزير للنفط ورئيس لشركة النفط الوطنية المملوكة للدولة، وعين إريستوبولو إيستوريز، وهو شخصية رئيسية في الحزب الاشتراكي، في منصب نائب الرئيس؛ ليحل محل جورج أريزا زوج ابنة الرئيس السابق هوجو تشافيز، كما عين أريزا وزيرًا للجامعات والعلوم والتكنولوجيا، وأعاد تعيين ديلسي رودريجيز في منصب وزير الخارجية.

وأوضح مادورو أنه شكل هذه الحكومة لمواجهة “مرحلة جديدة من الثورة”، وكذلك لمواجهة البرلمان الحالي الذي قال عنه إنه “برلمان بورجوازي”.

أهم التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة

الملف الاقتصادي

أصبحت فنزويلا في ورطة كبيرة بعد تراجع عائداتها من صادراتها النفطية، حيث انخفضت إلى ما دون 43 مليار دولار في عام 2015 مقابل 74 مليار دولار عام 2014، كما أن على فينزويلا تسديد دين مستحق في العام الجاري بقيمة 10 مليارات دولار. يأتي ذلك في الوقت الذي أدى انخفاض أسعار النفط لفقدانها نصف عملاتها، فنزويلا الآن صاحبة أكبر تضخم في العالم بنسبة 100%، يعزوه خبراء اقتصاديون لزيادة مطردة في المعروض النقدي ونموذج اقتصادي مهترئ تقوده الدولة، يجد صعوبة في إبقاء السلع الاستهلاكية في المتاجر، كما تواجه فنزويلا مشاكل في الركود الاقتصادي بنسبة 7%، بالإضافة إلى عجز كبير في ميزانيتها، كما انخفض الاحتياطي إلى ما دون 17 مليار دولار، كما أن الأزمة الاقتصادية انتقلت إلى السلع الغذائية، وتعرض الكثير منها إلى النقص، كاللبن والزبدة، بالإضافة إلى الأدوية. وبلغت ديون فينزويلا لدولتي جاميكا وجمهورية الدومنيكان 4 مليارات دولار.

الملف الاقتصادي يُعَد من أهم الملفات التي يجب على الحكومة الفنزويلية إيجاد الحلول والبدائل لها، وإلا فإن مصير القوى السياسية اليسارية في الحكم سيكون مهددًا بالخطر.

الاستقرار الداخلي

بالعودة إلى الاحتجاجات الفنزويلية والتي اندلعت في فبراير 2014 بالعاصمة كاراكاس، حيث أحرق المحتجون دمى على شكل الرئيس مادورو خلال مسيرة رفعت شعار “إحياء الديمقراطية”، وردَّت قوى الأمن على المحتجين بإطلاق قنابل مسيلة للدموع وخراطيم مياه لتفريقهم، يرى مراقبون أن الوضع في فنزويلا أصبح على صفيح ساخن، فالأحزاب اليمينية ذات الطابع الليبرالي تشكل معارضة ضاغطة على حكومة مادورو قد تصل إلى حد عزله؛ كونها تهيمن على أكثر من ثلثي البرلمان، خاصة أن مادورو أصدر مرسومًا يسحب بموجبه من البرلمان صلاحية تعيين رئيس للمصرف المركزي في البلاد؛ ما يشعل المنافسة على الصلاحيات بين الرئيس والبرلمان.

من جانبه أعلن الجيش الفنزويلي صراحة دعمه للرئيس نيكولاس مادورو، حيث أكد وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو، اليوم، دعم الجيش المطلق وغير المشروط للرئيس نيكولاس مادورو في ظل الأزمة التي تشهدها الحكومة مع البرلمان.

وبالتالي فأي احتجاجات قد تشهدها فنزويلا قد تشكل وضعًا كارثيًّا فيها، فالبرلمان الذي يتهمه نكولاس بالتواطؤ مع قوى خارجية قد يدعم هذه الاحتجاجات، بالإضافة إلى أنصاره، وفي المقابل سيكون هناك طرف آخر مكون من الرئيس نيكولاس وأنصاره وحكومته والجيش؛ ما قد يهدد الوضع الداخلي في فنزويلا، لا سيما وأن التدخلات الخارجية في فنزويلا لها تاريخ طويل، حيث تأثرت العلاقات بين فنزويلا وصندوق النقد الدولي بشكل كبير عقب إعلانه في إبريل 2002 تأييده لحكومة منبثقة عن انقلاب فاشل ضد الرئيس الراحل هوجو تشافيز، وبالتالي على الحكومة الجديدة تقديم حلول لأغلب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؛ لتسحب الذرائع من أي احتجاج شعبي قد تكون له عواقب وخيمة.