كاسر الانجليز وخاطف مورهاوس .. «على زنجر» مقاوم حتى الرمق الأخير

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لم يكن ” علي زنجر ” مجرد مواطن من أهالي بورسعيد وحسب، فصدره حمل قلبًا لم يهاب الصعاب ويعشق بورسعيد كمدينته ومصر التي كاد أن يقدم لها حياته في أحد الأيام، “علي زنجر” كان أحد أبطال المقاومة الشعبية في خمسينيات القرن الماضي، حين شنت كل من إسرائيل وبريطانيا وفرنسا عدوانهم على مصر بعد تأميم قناة السويس .

ودعت المدينة الباسلة ” بورسعيد ” البطل مساء يوم الأربعاء، عن عمر يناهز 89 عام ظل متمسكًا فيها بتقاليد المقاومة حتى بعدما أصابه المرض فظل مقاومًا له لفترة طويلة .

تعد اللحظة الأبرز في تاريخ ” علي زنجر ” ابن محافظة بورسعيد هي المشاركة في عملية خطف الضابط الإنجليزي رفيع المستوى ” انتوني موراهاوس “ .

تبدأ القصة بإعلان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس للحصول على التمويل اللازم لإنشاء السد العالي لتعلن كل من إسرائيل وفرنسا وانجلترا شن حربًا على مصر كرد فعل على قرار التأميم .

صدرت الأوامر بتشكيل الحرس الوطني المصري، وشكل معظمه من المتطوعين والفدائيين الذين أذاقوا القوات الإنجليزية في القنال الويلات، ثم صدرت الأوامر بالتوجه إلى بورسعيد .

القصة كما رُويت على لسان محمد عبد الرحمن أحد أبطال الواقعة في عدة تصريحات صحفية وأُرخت في كتب أخرى جائت كالآتي:

في الصباح الباكر يوم 11 ديسمبر 1956 كنا نمر في الشوارع بالسيارة (57 قنال) التي أتينا بها عن طريق اليوزباشي عز الدين الأمير كما أعطانا البنزين، وأعطانا الضابط سامي خضير بدلتي شرطة، وقام خالي حسين عثمان بدور بائع العاديات لاستدراج أي ضابط انجليزي .

وفجأة تغيرت الخطة فعندما كنا نمر أمام مورهاوس ومجموعته، وجدناه ينطلق بسيارته الجيب خلف طفل يركب دراجة فأسرعنا خلفه، وكان الانجليز قد منعوا ركوب الدراجات بعد أن استخدمها الفدائيون في رمي القنابل على قوات الاحتلال .

وارتبك الطفل فوقع من على دراجته، ومن ثم نزل إليه مورهاوس ولحقنا به وتجمع حولنا عدد كبير من الناس رغم أن الساعة كانت السابعة إلا ربع صباحًا، وتكلمت معه على أننا من الشرطة المصرية، وتعهدت له بأننا سنأتي له بالطفل فاقتنع واستدار ليركب السيارة ولكن وجهه كان مازال في وجهي يكلمني وبغرور أو ثقة قذف الطبنجة الخاصة به في تابلوه السيارة، فخطفها أحمد هلال وهي مازالت في الهواء، فوجدت الضابط أمامي أعزل فقمت على الفور بلي زراعه الأيسر في حركة يسمونها في الصاعقة “قيادة الأسير”، ووضعت إصبعي في ظهره وكأنها مسدس فانهار تمامًا، وقدناه إلى السيارة ودفعناه بقوة، والطريف أنه لم يكن معنا أي سلاح إلا بعض عصي الشرطة وخنجر في قاع السيارة وملاءة سرير، وذلك لأننا معرضين للتفتيش .

حاول مورهاوس ضرب السائق علي زنجير فعاجله علي بلكمة شديدة أسقطته على أرض السيارة، وسرنا بسرعة وكان باب السيارة مفتوحًا فانغلق مصادفة مما خدمنا كثيرًا وهتف الناس الله أكبر الله أكبر .

وذهبنا إلى بلوكات النظام، حيث اعتدنا قبل ذلك خطف المصريين الذين يتعاونون مع الانجليز والذهاب بهم إلى هناك لمحاكمتهم، وأخذنا مورهاوس وجردناه من متعلقاته الشخصية “الكارنيه- نوته مذكرات”، وحاول الهرب فوضعنا منديلا على فمه وربطناه حول وجهه ووضعنا الكلابشات في يديه ورجليه، ووضعناه في جوالين ثم في صندوق ثم وضعناه في سيارة تابعة لفرق الأمن بعد أن ذهب علي زنجير لكي يتخلص من السيارة التي استخدمناها في العملية .

ولم تتحرك سيارة الأمن ووجدنا سيارة أخري تابعة لعمليات خدمة المياه وهي سيارة مسموح لها بالمرور فوضعنا الضابط بها، وخرج معنا العريف أحمد الطرابيلي من فرق الأمن وذهبنا إلى بيت في شارع أحمد عرابي حيث مقر تجمعنا، ووضعنا مورهاوس في الدور الأرضي ووضعنا عليه “لحاف قديم”، ولسوء حظه فقد وضع الصندوق مقلوبًا، وبعد أن علم الانجليز بعملية الخطف ثاروا وبدءوا نشاطًا موسعًا للبحث عن الضابط المخطوف .

وعلي مسافة قريبة من البيت الذي أخفيناه فيه وجدوا السيارة التي استعملناها فبدءوا في عمل حصار من شارع كسري حتى طرح البحر، ومن شارع الأمين حتى شارع محمد علي، وهو مستطيل كبير جدًا ووضعوا الأسلاك الشائكة وحاصروا المنطقة ثلاث أيام .

وخلال هذه الفترة مات مورهاوس في صندوقه أي أن الانجليز هم الذين قتلوه حيث كانوا يفتشون المنازل بيتا بيتًا والعجيب أن البيت الذي أخفيناه فيه كان داخل منطقة الحصار، ولكننا أثناء الحصار أخذنا سيارة إسعاف وبها “نقالة” وعليها أجولة الاسمنت وحفرنا تحت السلم وفتحنا الصندوق فأحدث (فرقعة)، ووجدنا الضابط قد مات فأخذناه ودفناه تحت السلم .

وكان التفتيش علي قدم وساق حيث تدخل مجموعة للتفتيش بينما تحميها مجموعة أخري ويتم التبادل بينهما، وكانوا يكتبون على كل بيت كلمة (كلير) بالانجليزية يعني نظيف، وكان يسير معهم ضابط مصري اسمه محمد المر فأخبرناه بوجود أشياء مهمة في هذا البيت، حيث كان به أيضًا جهاز لاسلكي خاص بشرطة النجدة وزنه كبير وبه أيضًا بعض الأسلحة والذخيرة إضافة إلي ( المصيبة الكبرى) .

وقد استطاع محمد المر أن يغافل قوة التفتيش ويكتب على البيت (كلير)، فلم يدخلوه وفشلت عملية التفتيش، فقاموا بالقبض على عدد كبير من المواطنين وجمعوهم في ملعب النادي المصري، ومارسوا معهم كل صنوف العذاب والإرهاب النفسي، فكانوا مثلا يعطوا الرجل ملعقة شاي صغيرة ويأمروه بحفر قبر ليدفنوه فيه، أو يحفر حفرة ويضعوا فيها بعض الرجال ثم يسلطوا عليهم أضواء السيارات الجيب ثم تسير هذه السيارات بسرعة كبيرة ثم تتوقف فجأة قبل أن تدهم الواقفين في الحفر، كما علقوا العديد من المشانق وفتحوا خراطيم المياه الباردة على العرايا من الناس .

ورغم كل هذا التعذيب لم يصلوا إلى شيء فلجئوا إلى أسلوب المنشورات التي تقول يا شعب بورسعيد الكريم عاملوا الأسير معاملة طيبة حسب الاتفاقيات الدولية، وبعد أيام بدأ الانجليز الانسحاب من حي المناخ والعرب إلى حي الأفرنج، وكان انسحابهم تحت ضغط العمليات الفدائية، فبعد خطف مورهاوس قام الأخ سيد عسران بقتل وليامز ضابط المخابرات يوم 14 ديسمبر، وهذا الضابط هو الذي كان يقود عمليات البحث عن الضابط المخطوف .

وقد أدت عملية خطف موهاوس إلى إنهاء عملية حجز ضباط الصاعقة في عيادة الدكتور حسن جودة، ليقوموا بعد ذلك بالعديد من العمليات الكبيرة وأهمها ضرب الدبابات الانجليزية يوم 15 ديسمبر، ثم الهجوم العام في بورسعيد 16 ديسمبر، وفي هذه الأيام أصبح كل من يحمل سلاحًا يضرب في الانجليز فاضطروا إلى الانسحاب لحي الأفرنج .

كما ارتفعت معنويات الناس بعد عمليتي مورهاوس وويليامز، وقام الانجليز قبل انسحابهم بتسليم الأسرى المصريين وحتى الأسرى الذين أرسلوا إلى قبرص أعادوهم إلى مصر، وبعد الانسحاب بدأت قوات الطوارئ الدولية القيام بعملها وبدأت قواتنا دخول المدينة .

واخبروا الخدمات الطبية بمكان جثة الضابط فأخرجوه وأخذوه إلى المستشفي الأميري، وكان بالجمرك صندوق لصحفي أجنبي ميت فأخذناه ووضعنا فيه بقايا جثة مورهاوس بعد تطهيرها بالفورمالين، ثم دفناه عند مقابر الكومنولث في الثالثة صباحًا، وظل في هذه المنطقة حتى تمت المفاوضات والاتصالات مع الرئيس عبد الناصر عن طريق أكثر من وسيط .

فطلب عبد الناصر تسليم الجثة إلى البوليس الدولي، وذهبوا بها إلى مطار أبو صير وجاء طبيب أسنان انجليزي كان يعالج مورهاوس، حيث كان الفك العلوي له بارزًا وعن طريق هذا الفك تعرف عليه الطبيب، ثم حملوا الجثة إلى قاعدة نابولي .

وعرفنا بعد ذلك أنهم في انجلترا حاكموا مورهاوس رغم موته لأنه ترك وحدته بدون أوامر وأذكر مجلة اسمها “المقاومة الشعبية” كان يصدرها في بورسعيد صاحب مطبعة أسمه حسنين مخلوف، كتبت عددها الأخير “هدية مصر لبريطانيا في عيد الميلاد الطفل المدلل مورهاوس”، وتم وضع المجلة في الصندوق الذي به الجثة، وقد ذكرني بما كتبوه على الجدران في النيفي هاوس سيعودون في عيد الميلاد .