كالتفاح بين شجر الوعر.. كذلك «فلسطين» بين البلاد

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

نحكي عن السوسن، وعنه نقول شعرًا، أو نضالًا، وكلامًا مقدسا.. «أنا نرجس شارون سوسنة الأودية/ كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات/ كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي/ ادخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقي محبة/ اسندوني بأقراص الزبيب انعشوني بالتفاح فإني مريضة حبًا/ شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني/ أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء».

كلمات الإصحاح الثاني، من سفر نشيد الأنشاد، تحكي عن السوسنة، وعن أرض المهد المقدسة، واليوم يوم الأرض، والأرض فلسطينية، تزهر في الربيع سوسنة سوداء، في المناطق المحتلة، بعيدًا عن أهلها، يقول الطالب الفلسطيني نجم ستار أكاديمي، ليث أبو جودة: الوطن دماء وشرايين، تراب وجذور، زيتون وبلوط، الوطن هو الطائر الوردي الذي يحلق عاليًا في السماء، وهو زهرة السوسنة السوداء التي تعطر السماء والأرض، ويقول أطفال خانيونس: أنا المبدع في كل زمان، أرسم معاناتي على جدران الموت وأسلحة الاحتلال.

«السوسنة البرية».. يتخذ من اسمها الروائي الفلسطيني عبد الهادي نمر أبو جويعد، عنوانًا لروايته الجديدة، التي نشرتها دار الفارابي، مؤخرًا، فهي الوردة السمراء النادرة، بنت بلاد الشام، وزهرتها الوطنية، وكان في اتخاذها رمزًا وطنيًا للأردن للتدليل على مكانة الحياة البرية والتنوع الحيوي الذي تمتاز به المملكة، تجدها تحرس جبال عجلون، ومرتفعات البلقاء والسلط، ومحمية اليرموك، ومنطقة الكورة.

الرواية رحلة من وإلى اكتشاف الذات، تتبلور فيها الأسطورة والواقع عبر غاية فردية، تنصهر في بوتقة الحلم، الذي يستحيل حقيقة، عبر رمزية السوسنة البرية، تدور الأحداث حول شخصية فلسطينية، تواجه الشتات بالحلم، لتصبح واحدة من شخصيات أدب “حكايات الحالمين”.

يخرج البطل من مخيم الشتات ليعود إلى موطنه الأصلي؛ لاسترداد إرث أجداده من منطقة مغمورة تدعى جهيد، يتوقف البطل في محطات عديدة خلال رحلته الطويلة، تظهر له زهرة السوسن البرية في حلم عند محطته الأولى؛ لتحفزه على المضي في سيره نحو موطنه، بعد أن أعقبته خمرة يأس، ثم ينطلق مسترشدًا بالزهرة التي أصبحت حلمًا مجردًا، يظهر له في كل محطة من محطاته، وفي كل وجه من الوجوه التي رآها في حياته وفي رحلته.

لنكمل الإنشاد «صوت حبيبي هو ذا آت طافرًا على الجبال قافزًا على التلال/ حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغفر الأيائل هو ذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك/ أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي/ لأن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال/ الزهور ظهرت في الأرض بلغ آوان القضب وصوت اليمامة سمع في أرضنا/ التينة أخرجت فجها وقعال الكروم تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي/ يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل أريني وجهك أسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل/ خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومنا قد أقعلت/ حبيبي لي وأنا له الراعي بين السوسن/ إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال أرجع وأشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الأيائل على الجبال المشعبة».

لا نحكي عن زهرة الحب “سوسنة التوليب”، تلك الخجولة التي تنكمش عند لمسها بالأيدي، كأنها العذراء أخجلتها أعين الناظرين، فتلتف حول نفسها منغلقة كالمرأة التي تحيط نفسها بهالة من الغموض، خوفًا من انفضاح مشاعرها، لسنا في أوروبا ولا شرق آسيا لنمعن في الرومانسية، زهرتنا الأقحوانية لا تعرف الخجل، تشرب دم الشهداء، وتقف في مواجهة الاحتلال.

لأنها رمز المقاومة، استخدمها الأديب المتوكل طه، في كتاباته النثرية، ليقدم ذلك السجين الفلسطيني نفسه لأول مرة عاريًا من الداخل، بوصف الكاتب أحمد رفيق عوض، الذي رآه متأملًا، صاحب رؤية، إنسانًا فوق سجانه الذي يصبح مجرد وحش صغير يائس.

في نصه «رمل الأفعى»، يقول المتوكل: لكنني لست وحدي، لأن هذا الحراك البشري يكرس آدميتي ويبقيني بشرًا، رغم مصارعة هذا التنين الذي له ألف رأس من الرمل والرصاص والسياج، تطالعنا أنّى تحركنا أو غفونا أو أكلنا، وتظل الكلمة والصرخة فزاعتين تبعدان الوحش الذي يضرب رؤوسه في بعضها، فتحدث زلزالًا مريبًا، يوقظ وحوشًا جديدة، تخرج رؤوسها من تحت الرمال، وتحاول أن تحاصرنا، فنصرخ.. لنظل بشرًا، نطأ الأرض الممهدة، ونغفو على زهرة السوسن، تتراءى لنا من بين الرؤوس.

نصوص المتوكل نسميها “أدب المقاومة”، بالمعنى الأرقى بالنسبة لمصطلح الأدب –برؤية صبحي حديدي- وبالمعنى الأكثر تمثيلًا للفعل القاعدي بالنسبة لمصطلح المقاومة، إنه شعر وقصة وسيرة وشهادة وتاريخ وجغرافيا وذاكرة فردية وأخرى جمعية، وهو وثيقة بليغة في إدانة الدولة العبرية، منتهى التمثيل المؤسساتي لليهودي/ الضحية وقد تشوه وتشوه وتشوه.

الواضح أن القضية ليست قضية هوية وحسب، إنما قضية حياة كاملة تواجه مغتصب، فعندما منحت البوابة العالمية للمعلومات البيئية، فلسطين هويتها البيئية بتمكينها من نشر معلومات البيئية الخاصة بها، كدولة لها موروثها وارثها الطبيعي، وضعت جمعية الحياة البرية، فبراير الماضي، زهرة السوسن على الواجهة الأمامية للبوابة الإلكترونية، في وجه كل علماء العالم، وكأن القول: هذه تحمي أيقوة أرضنا وحامي موروثنا.

الأقحوان حمل اسم الثورات الملونة للجمهورية القرغيزية، في 2005، وانتصر للمحتجين، واللوتس ظل قرينًا لثورة الشعب المصري.. يومًا ما ستنتصر السوسنات لانتفاضة تعم الداخل المحتل والضفة الغربية وغزة، لندع حلم التوحد في أيدي التوليب (الموروث الجمعي)، وقتها نكتب نقدًا عن قصص بديعة أمين «سميتك زهرة السوسن»، وأشعار درويش عن الزنبقات، سنكون في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، تقول لنا الأرض أسرارها الدمويّة…

«في شهر أذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات

وقفن على باب مدرسة ابتدائيّة

واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ

افتتحن نشيد التراب

خلن العناق النهائيّ -اذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي،

ومن رقصة الفتيات-

البنفسج مال قليلا ليعبر صوت البنات

العصافير مدّت مناقيرها في اتجاة النشيد وقلبي

أنا الأرض والأرض أنت خديجة!

لا تغلقي الباب لا تدخلي في الغياب

سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل»