«فئران أمّي حصة».. الإبداع متهم حتى تثبت براءته

«فئران أمّي حصة رواية مكتوبة بقسوة، لكنها قسوة المحب، قسوة كلها حنو، رواية تحذيرية بامتياز، وسؤال “وين رايحين” لم يعد سؤالاً ترفيًا، الرواية تضعك في مواجهةٍ صريحة ومباشرة مع نفسك، ولأنّها حقيقية جدًا، تشبهنا جدًا، فهي رواية لا تحتمل».

هذه الكلمات النقدية البناءة التي وصفت بها الكاتبة الكويتية بثينة العيسي، «فئران أمي حصة» ثالث أعمال الروائي الكويتي سعود السنعوسي ، لم تشفع للرواية عند الرقيب الذي أمر بمنع تداولها داخل دولة الكويت في أول أيام صدورها.

الرواية تضم وفقًا لرؤية «العيسي» النقدية، مخزونًا بصريًا وسمعيًا هائلاً لتاريخ وطن؛ عن الكويت منذ 1985 وحتى الزمن الافتراضي الذي تتحرّك فيه الرواية في 2020، مشيرة إلى أن جزء كبير من القيمة الموضوعية لهذا العمل يجيء من خصوصية البيئة المكانية، الرواية تتلمس بوادر خطابات الكراهية في بيوت العرب التي كانت، للأسف الشديد، محاضن راعية لها منذ أكثر من عشرين عامًا.

أيضًا تتطرق الرواية لذاكرة الاحتلال سنة الـ 90 وكيف تحول الإنسان الكويتي من إنسان عروبي إلى إنسان مستغرب، وكيف صار السوبرمان الأمريكي هو بطله المحرر الوحيد، بصرت «العيسي» أيضًا في الرواية الخوف من تحوّل الدين من تجربة روحية تنظم علاقة الإنسان بالإله، إلى أيديولوجيا سياسية تستخدم لتفتيت الأوطان إلى دويلات طائفية دموية.

من هذه الرؤية التحليلية البسيطة التي قدمتها «العيسي»، أصبح يتراءى للبعض سبب منع السلطات الكويتية تداول ثالث أعمال الكاتب سعود السنعوسي «فئران أمي حصة»، الصادرة مؤخرًا عن الدار العربية للعلوم (ناشرون).

كل ما نعرفه أن الرواية مُنع تداولها داخل دولة الكويت، لكن لماذا؟، لا أحد يعلم السبب الرسمي الصادر عن الرقابة، حتى مؤلفها، سعود السنعوسي، الذي قال لـ«البديل»: أنه لا شىء مؤكد حتى هذه اللحظة، إذ تم تحويل الرواية إلى لجنة لفحصها لإجازة تداولها بالكويت من عدمه.

بعد هذه الواقعة –التي اعتادنا عليها داخل مجتمعنا العربي- يعيد الكاتب المسرحي بدر محارب، السؤال الذي لا إجابة له حتى اليوم، «هل أصبحت كتبنا ممنوعة حتى تثبت براءتها؟»، أسئلة أخرى كثيرها آثارها منع تداول «فئران أمي حصة»، فنجد الكاتب العراقي على كاظم داود متسائلًا: في أي عصر يعيش الرقيب العربي؟، هل يعلم هذا الرقيب أن هذا الكاتب هو الذي وصل بالرواية الكويتية إلى التداول العالمي، من خلال فوزه بجائزة البوكر، عن روايته ‫‏ساق البامبووترجمت إلى عدة لغات، وإعادة طبعها بالعربية بحدود عشرين طبعة؟

يتابع مؤلف «شعرية الحدث السردي»: بغض النظر عن كل ما قد يقال، وبغض النظر عما تحتويه هذه الرواية الجديدة ـ لم أقرأها بعد ـ إلا أن المفترض هو تقديم الدعم غير المحدود لكاتب كهذا، وليس منع روايته في أول أيام صدورها!،العقل العربي ميؤوس منه تماماً.

رغم كل الاحتجاجات التي صاحبت منع الرواية، إلا إن الدار العربية للعلوم، الصادر عنها الرواية، احترمت هذا القرار، مؤكدة أنها لن نتتخذ أي إجراءات حيال قرار المنع لأن لكل دولة قوانينها وهي تحترم القوانين، فمثلما تم منع الرواية في الكويت تم سماحها في السعودية ولكل دولة معايرها.

لم تكن «فئران أمي حصة» الرواية الأخيرة التي تقع تحت رحمة الرقيب، وربما لن تكون الأخيرة، لكن إلى متى ستظل كتابنا متهمة إلى أن ثتبت براءتها في واقعنا العربي؟