مباراة في التمثيل «بتوقيت القاهرة».. وعودة أبطال «شاهين» إلى الشاشة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

مستحضرا أحبته، اختار المخرج أمير رمسيس أن يقدم في رابع أفلامه الروائية “بتوقيت القاهرة”، المعروض حاليًا، عملًا رقيقًا يخاطب القلب، إذ يبدو الفيلم من اللحظة الأولى معبرًا عن رسائل ذاتية في اختيارات المخرج، الذي كتب فيلمه وطعمه بتفاصيل زادته رهافة وحميمية، وأهداه إلى صوت «شادية» الذي يصاحبنا في رحلة الفيلم ويختتمها أيضًا.

اختار «رمسيس» لبطله الرئيسي نور الشريف، الأسم الذي اختاره أستاذه وأبوه الروحي يوسف شاهين لشخصيته في أفلام سيرته الذاتية “يحيي شكري مراد” والتي جسد إحداها نور الشريف نفسه في “حدوته مصرية”، كما اختار اسم “نادية”، لزوجة يحيى الراحلة، تحية لنادية هارون، شقيقة عميدة الطائفة اليهودية ماجدة، وإحدى بطلتي فيلمه الوثائقي المهم “عن يهود مصر- الجزء الثاني” وقد رحلت اثناء تصويره.

وفي عودة مبهرة للنجم نور الشريف، بعد غياب 6 سنوات عن شاشات السينما ورحلة مرضه الأخيرة، يقدم درسًا في التمثيل، نال عنه جائزة خاصة قبل أيام من مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوربية في دور العجوز المصاب بنوع من الزهايمر، لا يبقي من ذكرياته وتاريخه إلا المشاعر، إذ ينسي الأشخاص ويتذكر من يحبه أو من يكرهه، يعاني من قسوة ابنه المتطرف دينيًا، ونخوض معه أولي الرحلات الثلاث التي يتناولها الفيلم في يوم واحد، ليقدم من خلالها ثلاث حكايات مختلفة، كاشفة لتنويعات من القضايا التي تكشف هشاشة أحوالنا والتغيرات في المجتمع المصري.

تبدأ الأحداث من الأسكندرية، التي يتركها يحيى بحثًا عن إمراة يحتفظ بصورة قديمة لها، ولا يذكر سوى إحساسه، بأنها لعبت دورًا هامًا في حياته ، متمسكًا بالرغبة في الحياة رغم المرض الذي حرمه من تاريخه، مقتنعًا بأنه سيجد ضالته في القاهرة، يغادر في اتجاهها ولا يأخذ معه سوي ساعة حائط قديمة كأنها ما بقي له من ذكريات بيته و حياته الماضية.

فيما تتقاطع رحلته حين تتعطل سيارته على الطريق مع الديلر حازم/ شريف رمزي الذي أجاد تقديم شخصيته، يركب معه في سيارته ليقله إلى القاهرة، وفيما هرب يحيى من قسوة الابن، يجد في هذا الشاب الذي يعمل في تجارة المخدرات شفقة ورحمة على عجزه ومرضه.

تتناول الحكاية الثانية ثنائي شاب، آيتن عامر وكريم قاسم، إذ قررا أن يجتمعا في شقة أحد أصدقائهما، وفيما تعاني الفتاة من هوس بالنظافة وقلقًا مفرطًا من كل التفاصيل، خاصة من احتمال مراقبة الأمن لبيت الصديق الذي ذهبا لشقته، بسبب اهتماماته السياسية اليسارية.

وتتجسد مخاوفها في مشهد حلم كوميدي ساخر، كما تتواصل تداعيات مخاوفها لتناقش طبيعة العلاقة مع حبيبها والنظرة المزدوجة للمجتمع لعلاقة الحب والتواصل الجسدي بينهما، فيما بدا تبرير لجوءهما للتواصل الجسدي بسبب استمرار علاقة الحب بينهما لـ 3 سنوات دون أفق قريب للزواج، بسبب الظروف الإقتصادية ضعيفًا وغير مقنعًا، خاصة حين نعرف أن الفتاة هي ابنة نجمة سينمائية معتزلة يتوفر لها على الأقل مستوى حياة اقتصادي جيد.

في الحكاية الثالثة يقدم المخرج إحدى أكثر قصص الفيلم جدة وطرافة وتميزًا، بدءً من استعادة اثنان من نجوم السينما، ميرفت أمين وسمير صبري، بعد فترة انقطاع طويلة، إلى الاستعانة بمقاطع من أفلامهما المشتركة، إلى القصة الساخرة الهزلية التي تستند إلى فتوي حقيقية لأحد المشايخ قبل عدة سنوات، أفتى فيها بأن زواج الممثلين في الأفلام يعتبر زواجًا صحيحًا، وفي حكايتنا فنانة معتزلة يطلب منها عريس تقدم لها أن تحصل على الطلاق من زميلها، لأن هناك مشهد زواج جمعهما في أحد الأفلام، وحين تذهب للزميل العجوز اللعوب، يسخر من طلبها ويحاول إقناعها بعبثيته ويذكرها باختلاف ديانتهما، لكنه يتعاطف لاحقا معها ويقوم بتصوير مشهد لهما يطلقها فيه قائلًا ” كما تزوجتك في فيلم، أطلقك في فيلم”.

لينتقد «رمسيس» تغير نظرة المجتمع للفن، من خلال هذه القصة التي يسودها الهزل في ظاهرها، بينما تحفل بمرارة كبيرة، تتضح حين تقول الممثلة لزميلها “كل من حولي يشعرونني أنني رخيصة”، وحين تستجيب أيضًا لرغبة عريس يهينها ويفرض أفكارًا مسمومة عليها، فيما تعيش هي كما زميلها على ذكريات أفلامها المعروضة في التليفزيون، وتتعايش مع هذا التناقض اليومي.

نجح المخرج أمير رمسيس، في صياغة حكايات أبطال فيلمه بنعومة فائقة مفعمة بالمشاعر، محافظًا علي روح مرحة متدفقة،  كما صاغ كمؤلف تفاصيل عميقة الرؤية لعلاقات أبطال حكاياته التي يقوم بتضفيرها في اتجاه تشبيكها معا في نهاية الفيلم، منتصرًا لأفكاره عن ضرورة التعدد التي شغلته في فيلمه التسجيلي “عن يهود مصر”، ورغم ما قد يبدو من عدم واقعية بعض الأحداث، إلا أنها في سياق الفيلم، تتسق مع مفاهيمه، وتأكيده على لسان بطله يحيى، أن الحياة في حاجة للتنوع، فيما كانت حياة يحيى نفسه نموذجًا لذلك، فزوجته التي أحبها كثيرًا وعارض أهله زواجه منها، كانت يهودية الديانة، وأسلمت فيما بعد، لكن ولدهما الوحيد يظل يكرهها في حين نجد شقيقته متصالحة مع ذكرى والدتها، وعلاقتها حميمية مع والدها.

تتقاطع خيوط الحكايات الثلاث، حين يذهب الديلر للفنان لتوصيل بضاعة له ويطلب من يحيى توصيلها نيابة عنه، حتى يهرب من أفراد عصابة تطارده بسبب فقده أموال خاصة بها من تجارتهم، وفيما يجد يحيى أخيرًا ضالته، المرأة صاحبة الصورة، وهي الفنانة المعتزلة، التي كانت حبه الأول، وهي أيضا والدة الفتاة الشابة بطلة الحكاية الثانية، التي تتصالح معها أخيرًا وتؤكد لها حبها واحترامها لها، فيما يتعرض الديلر لضرب مبرح من العصابة التي يعمل معها ويستولون على سيارته التي يصدح فيها صوت شادية، فيما يزحف هو لالتقاط ساعة حائط يحيي القديمة كأنه يلوذ بهذا العالم الذي ترمز له والعلاقة الإنسانية التي تشكلت بينه وبين صاحبها.

واجه هذا الفيلم المميز سوء حظ كبير، فسبق عرضه مطالبات مبالغ فيها لرسوم من نقابة السينمائيين عطلت صدوره فترة، ثم تزامن إطلاقه مع رحيل المنتج محمد حسن رمزي موزع الفيلم ووالد أحد أبطاله وهو شريف رمزي، ورغم أنه افتتح موسم أفلام إجازة منتصف العام، إلا أنه تم رفعه من عدد من السينمات بعد أسبوع واحد لإفساح المجال لفيلم محمد هنيدي الجديد، لكنه رغم هذه الظروف سيصمد كفيلم حمل أفكارًا هامة، وإيمان بالحياة، وقدر كبير من الحب، تشي به كل تفاصيله ويمنح جمهوره الكثير منه خلال مشاهدته.