أحمد رفعت: يناير.. العذراء التي أحبها الشاب الأسمر

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“-من هو معلمك يا سيدي؟

-مئات، لكني أختص منهم ثلاثة، أولهم لص فتح باب بيت جاري لأحصل على مفتاح أودعته إياه ونسيته، وثانيهم كلب، غمره العطش فقصد نهرا يشرب منه، ولكنه فزع عندما رأى صورته في النهر، وبعد تردد؛ قرر أن يواجه مخاوفه؛ فألقى بنفسه في النهر لتختفي الصورة، وثالثهم ولد، حمل شمعة قاصدا استرشاد الطريق للجامع، فحاولت أن أخيفه من خطورة النار على الأطفال، وسألته: من أين جاءت نار تلك الشمعة، فأطفأها الولد وأجاب: والآن أين ذهبت نارها، فشعرت بغبائي وأدركت أننا محاصرون بالعدم.”

استخدم باولو كويلو، شخصيات تلك المقدمة –بتصرف- ليقدم سلسلة رواياته العربية في حوار بين الصوفي وتلميذه.

أما لما عطفنا على ثوراتنا العربية، فإنها قد قُتلت من ثلاثة، أولهم مثقف، خاف على ثقافته من تراب الشارع وخاف على يديه من خشونة كف “المهشمين” والمُهَمَّشين، وثانيهم عابد، لم يدعُ علينا ولكنه لم يدعُ لنا، وثالثهم أصحاب الحلول الوسط، التي عادةً لا تتسم بالحياد.

كل أولئك كان عنه مسؤولا.

***

بدون استثقال للسؤال، لكنى أريد معرفة شعورك لو أسمعتك أغاني خالدة وطنية مثل “والله زمان يا سلاحي، يا حبيبتي يا مصر، صورة، مصر التي في خاطري، وقف الخلق، أنا الشعب، احلف بسماها، بالأحضان، عدى النهار”، ومشهد “تعيشى يا ضحكة مصر”، من فيلم أغنية على الممر.

بعد أن ذهبت من فرط حبك لي لتستمع إلى تلك الأغاني مجمعة، سأروى لك مشهدا يعود إلى 10 فبراير 2011، قد يخلص إلى أزمتنا الحقيقية، كنت في ميدان التحرير اتجاه شارع محمد محمود مرتدياً البالطو الأبيض ضمن دعوة للأطباء (طلاباً وخريجين وطلبة)، ودعوة للمهندسين والمحامين، وخلافه من التخصصات، وبسبب بعض الظروف تخلفت عن أصدقائي المتفق معهم على التجمع سوياً بالبلاطي البيضاء، فذهبت مع بعض الأصدقاء من قطاع الهندسة، وبعد أن هطلت علينا الأمطار ونحن خارجون مرددين “اللهم إن هذا جهادٌ في وجه حاكم ظالم” من محطة سعد زغلول (نظراً لتعطيل محطة السادات)، احتمينا تحت سقف أحد المحال الملاصقة للميدان، وقد تركوني بعدها فرداً لينضموا لمسيرة المهندسين، هممت بدخول الميدان، وقد أدخلنى الواقفون بلا نظرة إلى البطاقة عكس العادة وذلك بعد لمحة منهم إلى البالطو الطبي، تمشيت في الميدان على مهل وحيداً، كانت المنصة قد بدأت في إذاعة أغنية “يا حبيبتي يا مصر” وقت دخولي، نظرت لكل من يحمل الأعلام يرفرفها بخفة وثقة وأمل، فدمعت عيناي وكنت أحاول أن أدارى، حتى إنني بعد الثورة قرأت مقالاً للكاتب عمر طاهر، عن مشاهير رحلوا تخيلهم هو في الميدان وذكر أولهم شاباً طويلاً أسمر بملامح مصرية كنهر النيل وهو يستمع لأغنية وطنية فدمعت عيناه، وظننت عمر طاهر يقصدني، إلا أنى قرأت بعدها بأقل من سطر مقصده وكان الفنان الراحل أحمد زكى، رحمه الله، فشعرت بخيبة أمل ممزوجة برغبة في مخاطبة عمر طاهر، لإصلاح الأمر، عموماً بعد أن فَرَغَت أغنية يا حبيبتي يا مصر، أُذيعت أغنية “صورة” للعندليب، فشعرت بنغزة في ظهري، التفتُّ فإذا بي أجد أحد الشباب الملتحين وقد ربت على كتفي بابتسامة أخاذة هادئة مطمئنة، وهو يردد مع الثوار “كلنا هنا في الصورة زمايل”، ابتسم وهو يطرب، ثم قال بهدوء مناولا إياي جريدة قديمة: “امسك دي، دا أنت غرقت مايه.. بقولك إيه آخدلك صورة؟”، أخرج هاتفه وناوله لشخص يجهله التقط لنا صورة سوياً وهو يربت على كتفى المبلل، “سلام عليكم، في رعاية الله، في رعاية الله”، لحظات ولمحت صدفةً زميلا لى يدرس بكلية الإعلام، كان يسير مع أهله، نبهته لوجودي بخبطة محرجة على كتفه وهو يهرول سريعا بالميدان، سلم علىَّ بحرارة واعتذر عن عدم البقاء معي فترةً أطول نظراً لوجود أهله، كدت أودعه لولا هاتفا أوحى لي أن يلتقط لى صورة وأنا بالبالطو الأبيض فى الميدان، التقط لى صورتين بسرعة وانزوى بالميدان، كان الميدان رطباً، وشعرت بحرارة ودفء لم أشعر بهما سوى في نوفمبر.

ثورة نوفمبر، قد تظن أني أول من يصف مظاهرات التحرير وقتها بثورة 19 نوفمبر، لكني أؤكد لك أن أحمد محمود (أول شهداء سبت الغضب أو شارع محمد محمود الجزء الثاني من ثورة يناير) قد وصفها بذلك الاسم قبل أي شخص، مما تسبب في مشكلة لعدد لا بأس به من الضباط ودراويشهم فأجبرهم على مقاتلة كل من يثبت أمامهم أنه رجلٌ.

المشير طنطاوي مثل مبارك، رفض أن يدخل التاريخ بوجهه.

ولذا لن ينسى المشاركون في محمد محمود حصار الشرطة والشرطة العسكرية لهم بشارع شمبليون وإحراق الميدان، وفقأ أعين المبصرين بحق، وفقأ قلوب الخافقين بصدق، واصطياد الثوار من قبل مخنثي القناصة، ولكن ماذا تفعل بهم فعندنا في بلادنا الرجل أبداً لا يبكي ويشكو، لكنه يتمشى ليستشهد.

الثورة ليست فقط يومين، الثورة هي ثورة ال26 من يناير، يوم تم البقاء عكس فطرة الرحيل، الثورة هي ورقة الجرائد التي أدفأتنا بعد أن أبردنا المطر، ولأننا بـ”وشين”، فنحن لا نعرف الفارق بين من جمعنا بسهولة سواء مُسَيَّسين؛ أو مستقلين، قوميين ويساريين، ليبراليين وإسلاميين، أهل أو مهجري البلد، بين من جمعنا لهدف أسمى من أي أو أشرف واحد منا ونحن بذلك راضون، وبين من فرقنا لشيء في نفسه أعداءً وشيعاً أكثر من الهم والدهن على القلب، وهذا المقال فقط ليذكرني، فأنا أخشى من النسيان أو التعود، وعندها أتأسف على التعطيل من فرط ذكرياتي التى تروح منى بسهولة، فأنا أعيش من فترة طويلة جداً جداً مقارنةً بكل من اُستشهد.. أكرر اعتذاري.

***

مازالت يناير عذراء، ومازال الشاب الأسمر –أبو ملامح زي النيل- يصر عليها ويحبها، ويوماً ما ستكون له.

تفتكروا ؟

[email protected]