القراءات.. تأملات في علة التيسير (4-4)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بمنهج صارم، يقرر الإمام ابن الجزري أن افتقاد أي قراءة لركن من أركان القبول ينقلها من مكانة “المتواتر” إلى مرتبة “الشذوذ”، فيقول في طيبة النشر: وحيثما يختل ركن أثبتِ ** شذوذه ولو أنه في السبعةِ.

لا يرى صاحب النشر إذن أي حرج في نسبة الخطأ إلى قراءة سبعية، إذا افتقدت ركنا من أركان الصحة، وهو ما يعني أن أئمة السلف كانوا أرحب صدرا بفكرة “الحفظ الإجمالي” في مقابل “الحفظ الحرفي”، وهو ما يفسر جرأة كثير من النحاة في رفض بعض القراءات المتواترة، مثل قراءة حمزة في أول سورة النساء، “واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ” بجر لفظة الأرحام، عطفا على الضمير المجرور في “به”، حيث يرى أئمة اللغة أنه لا يصح عطف الاسم الظاهر على المضمر.

ومعاهد القراءات بالأزهر تدرس القراءات العشر، كما تدرس أربع قراءات شاذة، لم تستوف شروط القبول والصحة، وهي: قراءة الحسن البصري المتوفى سنة 110 ه، وقراءة ابن محيصن المكي المتوفى سنة 123 ه، وقراءة اليزيدي البصري المتوفى سنة 202 هـ، وقراءة الأعمش الأسدي المتوفى سنة 148 هـ.

فالمكانة الكبيرة لإمام التابعين الحسن البصري، لم تمنع علماء القراءات من وصف اختياراته في القرآن بالشذوذ، أي بعدم استيفاء شروط القبول، وثبوت القرآنية، وبالرغم من إجماع العلماء على عدم جواز التعبد بالقراءات الشاذة، أو الصلاة بها، إلا أنهم لم يصفوا الحسن البصري بالضلال، ولم يفتوا ببطلان صلاته، ولم ينازعوا في مكانته كعالم إمام زاهد عابد، وما ذلك إلا لأنهم يرون أن روايات التلاوة ينقلها بشر يخطئون ويصيبون، ويعتريهم السهو والنسيان، وكان تعاملهم مع ما لا يقبلونه من القراءات هو الرفض دون ترتيب أي أحكام بالتفسيق أو التكفير أو بطلان العبادة.

وفي ظني أن الفهم الحرفي لقوله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” كان السبب الرئيس في اختراع علة التيسير لمواجهة اختلافات القراءات، حيث أصر المفسرون على فهم الآية باعتبارها تؤكد “الحفظ الحرفي” للنص القرآني.

وقد بالغ المفسرون وأئمة القراءة وتوسعوا في تنزيل فهم “الحفظ الحرفي”، فأسقطوها على كتابة المصاحف، ليس فقط في الاختلاف بين مصحف عثماني وآخر، بل في الاختلاف بين طريقة كتابة اللفظ الواحد في مواضعه المختلفة في المصحف الواحد.

ومن أمثلة ذلك، كلمة “أيها” التي تأتي بعد أداة النداء “ياء”، فقد كتبت في المصحف كله بألف بعد الهاء “أيها” إلا في ثلاثة مواضع، حذفت فيها الألف، وهي: “وتوبو إلى الله جميعا أيه المؤمنون” بسورة النور، و”وقالوا يا أيه الساحر” بسورة الزخرف، و”سنفرغ لكم أيه الثقلان” بسورة الرحمن، في المواضع الثلاثة نقف على الكلمة دون إثبات الألف لفظا مراعاة لهذا الرسم العثماني.

لكن علماء القراءة لا يقبلون أن نقول باحتمال سقوط هذه الألف في المواضع الثلاثة خطأ أو سهوا، بل أضفوا القداسة على هذه الكتابة، وزعموا أنها متواترة تواتر النص، وأن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبها هكذا بدون الألف في هذه المواضع تحديدا، وهو تزيد وتكلف لا دليل عليه، ولم يرد فيه أي نص أو خبر ضمن الأحاديث التي تتناول كتاب الوحي، أو جمع القرآن في عهد أبي بكر، أو توحيد المصاحف في عهد عثمان.

وما ذكرناه حول “يا أيها” يسري أيضا على كلمات “نعمة” و”نعمت”، و”كلمة” و”كلمت”، و”رحمة” و”رحمت”، و”أن لا” و”ألّا”، و”إنَّ ما” وإنما” و”من ما” و”مما”، و”عن ما” و”عم” و”أم من” و”أمَّن”، وغير ذلك كثير.

وعلماء القراءة يرون أن كل هذا متواتر، وأنه مكتوب هكذا في اللوح المحفوظ، وأنه ليس هناك من خطأ أو نسيان، ظنا منهم أن وجود مثل هذا الخطأ يتعارض مع تعهد الله بالحفظ.

إن علة التيسير التي ساقها العلماء عبر قرون أثناء عرضهم لمسألة تعدد القراءات واختلاف المصاحف أمست بحاجة ملحة إلى مراجعة جريئة، تتحرر من الفهم الحرفي، وتنظر في طبيعة الخلاف بين القراءات، وفي طرق إثباتها، وفي منهج رسم المصاحف، دون التورط في مواقف دفاعية، فالحفظ الإجمالي يكفي لتحقيق الوعد، وسلامة “الجسم العام” للنص القرآني، ليست محل شك.