يوسف نبيل: اللاهوت العربي.. مغالطات النخبة وأوهام التجرد

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

مع انتهائى من صفحات كتاب اللاهوت العربى وجدت نفسي أمام أطروحة محددة وواضحة فى حالة حرب مع شىء ما داخل عقلي. ظللت أحاور عقلي وأتساءل هل الفكرة كلها تدور حول أن تلك الأفكار لا تروق لى؟ هل أنا منحاز؟

بالطبع أنا منحاز، ومن منا غير منحاز؟ كل إنسان له انحيازاته الفكرية والأخلاقية و لكن العامل الموضوعي هنا هو مدى موضوعية الانحيازات، والأدلة التى تستند عليها، ومن ناحية أخرى ما يسمى بفكرة المقايضة المعرفية، بمعنى أنى سأظل على أفكاري فى الوقت الذى أملك فيه الشرف الكافى للاعتراف بخطئى ان ظهرت فكرة أخرى أشد قوة وأقرب إلى الحقيقة بأدلتها الدامغة. معيارى الشرف والموضوعية هنا هما ما يضمنان للإنسان التطور.

مع الهدوء والتحليل يمكن استخراج بعض النقاط الهامة حول الكتاب الذي يتعرض لمسئلة هى الأخطر فى اعتقادى.

ينطلق الكاتب من موقف أولي عن وجوب التجرد فى عرض المسائل الدينية وشرح الاختلافات. بالطبع موقف التجرد موقف مستحيل حدوثه لأنه غير انسانى، وإن تأملنا فى الفكرة بشكل فلسفي فسنجد الدعاة الحقيقين لها أغلبهم ينتمون للركن الأسيوى ( الهندى والصيني) فى الفلسفة مثل كريشنا مورتى وبوذية الزن. بشكل ما فإن الفلسفة الشرقية تقوم على فكرة تأليه الإنسان فالإله هو بشكل ما أو بآخر قدرة كامنة بداخله والنرفانا بداخلنا ولا توجد فكرة الله المفارق للإنسان فى الوجود التى نجدها فى الأديان الثلاثة ( اليهودية – المسيحية – الإسلام). لذلك فكرة التجرد الكاملة هى فكرة غير إنسانية لأنها تفترض أن الإنسان نفسه فى وضع إلهى بشكل ما، ولكن ما هو إنسانى أن نعرض أرائنا لأقسى درجات النقد ونتحلى بموضوعية القدرة على تغيير الرأى( يمكن الرجوع هنا لأراء كارل بوبر وعبد الوهاب المسيرى حول التحيز والموضوعية). وعلى عكس البداية نجد أن الكاتب هنا ينطلق من نقاط أولية محسومة غير مجردةبشكل واضح، وحكمى هنا ينطلق من فكرة أنه لم يسق أية أسباب علمية وانطلق من مقدمات كأنها بديهية وهى ليست ببديهية على الإطلاق.

يصرح الكاتب ببساطة متناهية بأن العنف ظاهرة تتعلق باليهودية والمسيحية والإسلام ولكن لا نجدها فى الأديان الأخرى المدعوة وثنية! بالطبع صور المذابح فى بورما، والقتال الدموى بين الهندوس والمسلمين فى الهند يكذبان تلك الفرضية تمامًا.

يقارن الكاتب بين العنف فى حروب اليهود والمسيحيين والمسلمين الدينية بنفس الطريقة والمنهج! كيف لم يقارن الكاتب بين فكرة النصوص الدينية، ففى المسيحية لا نجد تقريبا نص دينى واحد يدعو للحرب أو الجهاد بشكل واضح. أيضًا القتال فى اليهودية لم يكن بهدف فرض اليهودية إطلاقا كما يدعى فى ص 27، بدليل أن اليهود لم يبشروا إطلاقا باليهودية، ومنعوا أى وافدين على الديانة انطلاقا من أفكار دينية عنصرية مسبقة، بعكس حروب الإسلام التى استهدفت اخضاع الجزيرة العربية كلها للإسلام، ثم بقية البلاد وهنا يطول الحديث عن أسباب الحروب وأهدافها.

فى صفحة 161يتكلم الكاتب عن النظام الذكورى للديانات الكبرى المسيحية واليهودية والإسلام، وعندما يستشهد بالنصوص الدينية فى التوراة يقول أنها تكلمت أن الله خلق آدم على صورته ( مما يوحى بتحقير المرأة). إذا رجعنا إلى النص التوراتى الخاص بهذه النقطة سنجده كالآتى: “فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم” سفر التكوين 1: 27.

سرد رواية التاريخ كلها من وجهة نظر واحدة والالتفاف على النصوص بشكل عمدي هو غير مقبول فى الدراسات العلمية. هل يمكن لوى النص إلى هذا الحد؟ النص يتكلم عن أن الله خلق الإنسان المكون من ذكر وأنثى على صورته، أى أن اتحاد الاثنين معا يكون صورة الله الكاملة. يمكن الحديث عن أنه بشكل عام أصبحت موضة شائعة بين الدارسين تمجيد الحضارات الأنثوية ووصف الحضارات الذكورية بحضارات الحرب والعدوان والحنين إلى الزمن الجميل. يوجد مفكرين أشد جدية تجاوزوا تلك النقطة مثل اريك فروم الذى تكلم بوضوح عن التطور الذى حدث من الحضارات الأنثوية إلى الحضارات الذكوريةوعن رغبة الإنسان الجنينية فى الاحتماء داخل المؤسسة والدين والأسرة والقبيلة ( ما وصفه بالنظام والحضارات الأمومية)، وعن ألم الانفصال الذى يكون الإنسان ويهبه حياته ( فيما اسموه بالحضارت الذكورية).

باجماله المعهود يقرر يوسف زيدان أنه لا نبوة عند اليهود إلا لمن انتمى إليهم جنسًا. أى أنه لا يوجد أى نبى يعترفون به إلا إن كان يهوديًا. تبدو كلماته للوهلة الأولى مقنعة ولكن بقليل جدا من البحث يتضح الخطأ على الأقل فى تعميمه تلك الفكرة. سفر أيوب الذى يعتبر أقدم أسفار العهد القديم يتكلم عن نبى عربى يدعى أيوب. كلمات أيوب فى السفر توحى بمعرفته اللصيقة بالله. نهاية السفر تذكر الله أنه لم يجد أحدًا يعرفه ويقول فيه الصواب كأيوب. العلاقة العميقة بين أيوب وخالقه رصدها ذلك السفر ونفى عن أيوب أى صبغة يهودية تمامًا.فى أسفار العهد القديم نجد سفر اليونان الذى أمر فيه الله النبى يونان بتبشير أهل نينوى ورفض النبى فى البداية إلى آخر القصة المعروفة. من المعروف أن أهل نينوى ليسوا يهودًا، وهذا يتناقض مع كلمات الكاتب التى تؤكد أن الله عند اليهود لا يبشر أحدًا ولا يدعو أحدًا إلا اليهود.

كل هذه الإشكاليات أعتقد أنها تأتى من طريقة ومنهج قراءة أسفار العهد القديم. لم يدع اليهود أن هذه الكلمات منزلة لهم بطريقة التنزيل الإسلامى للقرآن مثلا. سجل اليهود خبراتهم الدينية فى كتبهم الدينية على مر العصور وكانت تتغير تغيرًا واضحًا حسب اختلاف رؤيتهم. التسجيل الأول الموجود فى أسفار موسى الخمسة مكتوب بلغة أسطورية رمزية واضحة لا لبس فيها على الرغم من الأحداث التاريخية التي بالتأكيد سنجد البعض منها حدث بشكل ما، وهى اللغة المستخدمة فى تدوين النصوص الدينية كلها فى ذلك الوقت، فلا يمكن الحكم عليها من خلال طريقة مباشرة شأنها شأن كل اللغات الأسطورية. مع تطور الأمر ووصولا إلى الأنبياء الكبار نجد ارتقاء واضح فى الفكر الدينى حيث تتغير شخصية يهوة بشكل واضح بقدر وعيهم المتطور به. فنجده يزداد تنزيهًا، ويرتقى عن كل الأفعال البشرية ولا يحاسب الأبناء على ذنب الأباء، ويتضح موقف المسئولية الشخصية للفرد عن أفعاله.. إلخ.

نأتى هنا إلى الفكرة المحورية التي يعرضها الكتاب:انتماء فكرة النبوة إلى الهلال الخصيب، والبنوة ( التأليه) إلى مصر واليونان، ثم يستعرض الكاتب فكرة وحدة اللاهوت العربى، وكيف تم نقل الأفكار والمجادلات اللاهوتية من ديانة لأخرى داخل المنطقة لأنها أفكار الجدل الدائر فى المنطقة والذى وصفه بالعربي ليحل مشكلة مصدر علم الكلام الإسلامى والتأثير المسيحى واليهودى فيه. داخل هذا العرض فقدت نقطة هامة جدا. أعتقد أن ما حدث لم يكن كذلك، بل كان بشكل أكبر يمثل سطوة الفلسفة اليونانية على المسيحية والإسلام. أغلب تاريخ الفلسفة المسيحى والإسلامى هو محاولات توفيقية أو نقدية للفلسفة اليونانية التى طغت طغيانًا ليس له مثيل. من الممكن متابعة رحلة مكتبة الأسكندرية من اليونان إلى الأسكندرية إلى فرعين فى فارس فى جسند يسابور والشام حتى استقرت ببغداد فى النهاية لرؤية كيف تم انتقال الجدل الفلسفى من اليونان إلى أهل المنطقة العربية. إن دراسة متأنية للفلسفة اليونانية ومن بعدها فلسفة العصور الوسطى المسيحية والفلسفة الإسلامية تبين بوضوح سطوة الفلسفة اليونانية وانتقال أفكارها الرئيسية لأصحاب الديانتين. أعتقد أنه عبر هذا التأثير يمكن تفسير الكثير من النقاط. تلك السطوة التى لم ينج منها أحد واستمر كل الفلاسفة المسلمين من الكندى والفارابى وابن سينا وابن رشد فى محاولات مستميتة للتوفيق تذكرنا بهيمنة الثقافة الغربية الآن. فى الماضى تصدى الغزالى لمغالطات الفلسفة الإسلامية التوفيقية وتم اتهامه بكل التهم الرجعية، وأنه مصدر تخلف الفلسفة والعودة إلى اللاعقلانية، وحين تم نقل أفكاره حول نقده لنظرية العلة والمعلول إلى هيوم فى الفلسفة الغربية سمى هذا بعصر التنوير! نفس نقطة البداية والانحدار… السطوة الفكرية والعسكرية ومحاولات التوفيق الدائمة من النخبة.

فاجئنى الكاتب أخيرا فى الجزء الأخير من الكتاب مفاجئات عديدة سارة. أعتقد أنه نجح نجاحا كبيرا فى فك شفرة الدين والسياسة والعنف وشرح جدلية ومراحل العنف والعنف المضاد بين السلطة الدينية والسياسية بشكل عميق. الاقتراحات الأخيرة والبحث الأخير أعتقد أنهما جديران بالاهتمام جدا بغض النظر عن أراء الكاتب الدينية الشخصية فله الحق فى أن يؤمن بما يشاء، ولكنه نجح نجاحًا باهرا فى فهم ضرورة السياسة والدين وكيف تجنب العنف بفرض مساحة للجميع، والابتعاد عن الدعوات العلمانية المتطرفة بنفى الدين واعتباره مصدرًا للارهاب والتخلف.

أعتقد أن المشكلة الرئيسية فى ذلك الكتاب الهام هو الانطلاق من موقف أولى غير مؤيد بأدلة علمية كافية، ومحاولة رواية التاريخ بالكامل من وجهة نظر واحدة وحيدة ولى عنق الأحداث للخروج بتلك الفرضية الأولية التى يقتنع بها الكاتب لأسباب لا نعلمها، مع الايحاء بأنها نتيجة لبحث مجرد ونزيه. من المشروع تمامًا تبنى أى وجهة نظر، ولكن الأمانة العلمية تحتم على المرء القابلية لتغيير وجهة نظره مع ظهور أدلة جديدة بدلا من الالتفاف بكل الطرق الممكنة لاثبات وجهة نظر أولية ناتجة عن أية أسباب ممكنة. إن التجرد التام هو وهم كامل علينا أن نتخلى عنه سريعًا لنقف على أرضية صلبة من الموضوعية التي تسمح بطرح الأفكار وتعريضها لأقسى درجات النقد للوصول إلى درجات متواصلة تقترب من الحقيقة.