الدلالات الفلسفية لختم النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

غفل الفكر العربي النقدي عن مساءلة غير قليل من المسلّمات الدّينية، وتفكيكها وإبراز ما تنطوي عليه من مضامين فلسفيّة، أو ما تفتحنا عليه من آفاق فكريّة رحبة. وإذا كنّا لا نقصد من هذه المقالة تقديم تفسير لهذا الذّهول عن استنطاق البديهيّات الدّينيّة الشّائعة، فإن هذا لا يمنعنا من لفت الانتباه إلى الجو الثّقافي المشحون بالتّقليد الذي كرّس توجّه الفكر الإسلامي نحو مقاربة قضايا يمكن أن نعدّها ثانويّة مقارنة ببعض أولويّات الفكر؛ خاصّة تلك التي تشكل إلى حد ما المخيال الدّيني الجمعوي، أقصد أنها تمثل الحد الأدنى من المعرفة الدينية لدى الفرد المسلم.
إن “ختم النبوّة” فكرة كرسها الدين الإسلامي باعتبارها من أخص خصائصه، وباتت من “المعلوم من الدين بالضرورة” كما يقول الأصوليون، إلى حد صار إنكارها مروقا من الدين، لكن مع هذا، لم يُشَرّح الفكر الإسلامي في الماضي مع انتعاشة الفكر الكلامي، على ضوء قوانين التاريخ والاجتماع، ما يثوي وراء هذا المعتقد الديني؛ من إيحاءات ودلالات، وهذا في اعتقادنا راجع بالأساس إلى غياب الحس الاستشكالي، والطرح المنهجي التقعيدي للدين الإسلامي.
لننظر الآن في هذه الفكرة؛ يقول الله تعالى “مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُم وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين” (الأحزاب : 40).
” خاتم النبيين”، اختُلِف في قراءة “خاتم”، بين فتح التاء وكسرها، لكن هذا الاختلاف لا يؤثر في دلالتها، فالخاتَم بالفتح هو الطابع الذي تختم به الرسائل والمواثيق، وتكون في ذيل هذه الوثائق وآخرها، أما الخاتم بالكسر فيعني الآخِر، وفي الحالتين معا المعنى هو الذي يقفل باب النبوة.
ولعل من أوائل من اقتنص الدلالات الفلسفية من تأمل فكرة الختم، هو الفيلسوف الصوفي “محمد إقبال”، في كتابه الهام “تجديد الفكر الديني في الإسلام”، ولأن تأويله للختم جريء ومثير إلى حد ما فقد أثار الكثير من الجدل، بين رافض ومؤيد، وفي الحالتين معا، فإن الفكر الإسلامي يدين بالفضل لمحمد إقبال، الذي تطرق لهذه القضية، وأغنى الفكر الإسلامي المعاصر بسؤال فلسفي، تنوعت مقاربته، واختلفت تبعا للرؤية التي ينطلق منها كل مفكر.
إن فهم القراءة الفلسفية التي قدمها محمد إقبال لختم النبوة، تفرض علينا أن نستوعب دلالة مفهوم النبوة، شرط أن نتخندق داخل الحقل الصوفي الذي ينهل منه إقبال ويمتح من معينه؛ إن النبوة عند إقبال لا تعدو أن تكون مصدرا من مصادر المعرفة البشرية، فالنبي هو الكائن المتناهي القادر على الغوص في حياته الروحانية اللامتناهية، إنه بعبارة أخرى صاحب عبقرية روحية تمكنه من التواصل مع عالم الغيب، والإمداد منه بتوجيهات ربانية، وإذا كانت هذه الخصلة ليست بميزة ينفرد بها النبي فقط، وإنما يشترك فيها معه العارف الصوفي، فإن النبي بعد تجربة التوحد هذه تسري في أعماق حياته الوجدانية طاقة، تذلل له مهمة تبليغ هذه الرسالة الربانية، إن النبي ـ على عكس الصوفي ـ ينفتح على الواقع الاجتماعي من أجل إصلاحه وتقويم كل خلل يعتريه.
وينطلق محمد إقبال في تحليله هذا من كلمة العارف “عبد القُدّوس الجنجوهي” الذي يقول ” صعد محمد النبي العربي إلى السماوات العلا ثم عاد، وأقسم بالله لو أنني وصلت إلى هذا المقام فلن أعود أبدا”. ومن خلال هذه الكلمة تنكشف بوضوح التأثيرات السيكولوجية لتجربة التوحد والشهود على كل من النبي والعارف، فبينما تقدم هذه التجربة للنبي شحنة إضافية للقيام بالدعوة والانخراط في مضمار الواقع بمختلف مستوياته، فإنها على العكس تكون بالنسبة للصوفي عامل نكوص، وارتداد إلى الوراء.
من هنا فإن إقبال يرى في ختم النبوة كبتا لهذا الوعي اللاعقلاني، تحفيزا لاتخاذ مصادر أخرى للمعرفة، هي التاريخ والطبيعة بدل الغيب والميتافيزيقا. إن الوحي حاجة ملحة في المجتمعات ما قبل إسلامية لأنها كانت إبّانها تجتاز “مرحلة الطفولة” المتسمة بالاقتصاد في التفكير، فكانت النبوة تنوب عن “العقل” في التنظير، أما وقد بلغت الإنسانية نضجها ورشدها، فإنه كما يقول إقبال لابد من الوعي بضرورة الاعتماد على الذات بما هي كائن عقلاني، فلا يمكن للمجتمعات أن تظل دائما مقودة من الخارج.
وهكذا فالرسالة المحمدية مفترق طرق، أو انعطافة في تاريخ الفكر البشري، فمن حيث مصدرها تنتمي إلى الماضي، أما من جهة الروح الذي يسري فيها فإنها تدشن لإبيستمولوجيا معرفية جديدة، قوامها النظر في التاريخ والطبيعة، بتوجيه من العقل. إن الرسالة المحمدية أوصدت كل باب قد يحجر على حرية الفكر، وأنهت عهد الوصاية على الذات العاقلة، وأجلت الآفاق الرحبة للإنسان لينطلق مفكرا مبدعا في الوجود، مؤديا مهمته في خلافة الأرض وعمارتها بهداية العقل، وما رفض الكهنوتية والوساطة إلا علامات دالة في درب التحرر.
عادل الطاهري
كاتب مغربي