أهمية البحث الفلسفي

الفلسفة والبحث الفلسفي هي أرقى ما يصل إليه الإنسان في معارفه، و هي العلم أو الإدراك الراقي الذي يصل معه الإنسان فكراً و سلوكاً إلى معرفة الوجود في إطاره العام و إلى معرفة الوجود الإنساني و الغاية منه. و هي العلم الذي يدرك من خلاله الإنسان معرفة أصل الوجود و علّته الأولى (الخالق تعالى) و معرفة الكون و العالم و كذلك معرفة الإنسان ذاته.

و لكي يتضح الدور الأساسي الذي يقوم به الجهد الفلسفي في حياة الانسان، لا بد من التعرف بشكل مختصر على بعض خصائص الانسان و ما يمتاز به عن غيره من الموجودات. و يدور البحث في النقاط التالية:

1- بيان حقيقة الإنسان و ما يمتاز به عن سائر الموجودات.

2- بيان المشكلة الأساسية التي يعاني منها الإنسان.

3- بيان الحاجة إلى امتلاك رؤية كونية.

4- مقدمة منهجية.

1) بيان حقيقة الإنسان و ما يمتاز به عن سائر الموجودات

الانسان حيوان ناطق، و بالتالي فإنه يشترك مع باقي الحيوانات في صفات كثيرة، منها النمو و الحركة و التكاثر و الاحساس و غير ذلك، لكنه يمتاز عنها بمجموعة من الخصائص تمنحه امتيازه الانساني. و يمكن تلخيص هذا التفاوت في أمرين أساسيين:

الأمر الأول: سعة و عمق معلومات الإنسان.

الأمر الثاني: الميول و الأهداف و الغايات التي تحكم وجوده و أفعاله.

فيما يخص الأمر الأول، فإن الحيوانات- بحسب ما علمنا من خلال البراهين العقلية و الأدلة النقلية و التجارب العلمية- تتصف معلوماتها عن العالم الخارجي الذي يحيط بها بالتالي:

(1) حيث إن هذه الموجودات لا طريق لها للارتباط بالعالم الخارجي إلا من خلال الحواس الظاهرة، فمعلوماتها عن العالم الخارجي لا تتجاوز ظواهر الأشياء، و لا تستطيع النفوذ إلى حقائق الأشياء وماهياتها وبواطنها للتعرف على العلاقات الواقعية التي تربط الموجودات بعضها ببعض.

(2) يترتب على النقطة السابقة أن معلومات الحيوانات جزئية و لا تقف على القوانين الكلية التي تحكم عالم المادة و سائر الوجود، فهي لا تستطيع إدراك الكليات و القوانين الكلية (المفاهيم الكلية و القضايا الكلية).

(3) وبالتالي فإن معلوماتها لا تتجاوز المحيط و البيئة الجغرافية التي تعيش فيها (أي المكان الخاص بها).

(4) و أيضاً فإن معلوماتها لا تتجاوز الزمان الفعلي الذي تعيش فيه، فهي منقطعة من حيث الزمان عن الماضي و المستقبل (إدراكها للزمان لا من حيث هو توالي للحوادث و الفترات المتعاقبة و المترابطة فيما بينها في ترابط علّي قائم على علاقة العلّة و المعلول أو الحادثة و أثرها).

إذن فالحيوان- من حيث سعة المعلومات و عمقها- لا يعرف من العالم الخارجي إلا ظواهر الأشياء بنحو جزئي و فردي، و تلك المعلومات ترتبط بمحيطه أو مكانه الخاص و الزمان الحاضر. فهو رهين هذه الخصوصيات، و لا يمكنه الخروج عن إطارها، و لا يمكنه التفكير في المستقبل و العمل له.

و إذا وجدنا في بعض الحيوانات خلاف ما ذكرنا، فإنه لا يعني بالضرورة أن تلك التصرفات نابعة عن علم و شعور و اختيار، بل لعله ناشئ من التسخير الإجباري النابع من الغرائز الموجودة في هذه الكائنات بالنحو الذي تقوم بهذه الأفعال من غير علم و شعور و اختيار لها. و على سبيل المثال، نجد أن تخزين بعض الحيوانات أو الحشرات للطعام إنما هو عمل غريزي مرتبط بحفظ النوع انطلاقاً من أمر موجود في ذاتها و متجذّر في طبيعتها.

أما فيما يخص الأمر الثاني، فإن الخصوصيات المرتبطة بمعلومات الحيوان تنعكس على ميوله و غاياته في الحياة. فالميول و الأهداف و الغايات إنما تنبع من خلال المعلومات التي يملكها أي موجد، سواء كان مدركاً و ملتفتاً إليها أم كان غافلاً عنها. و نشير هنا إلى أهم خصائص الميول و الأهداف التي يريد الحيوان تحقيقها:

(1) فهي مادية، أي لا تتجاوز حدود الأكل و الشرب و النوم و اللهو و الجنس و غير ذلك من الأمور المتعلقة بالبدن و المادة، و لا ترتقي إلى الأمور المعنوية و الأخلاقية و القيمية.

(2) كما أنها شخصية و فردية، و إذا توسعت أحياناً لتأخذ شكل التعاون الجماعي، فإنها لا تشمل إلا دائرة خاصة أساسها حفظ النوع النابع من غريزة حب البقاء. كما أنها محدودة من حيث الزمان و المكان.

و أما الخصوصيات التي يتمتع بها الموجود الانساني و التي جعلت منه سيد عالم الإمكان، نجد أنه و فيما يتعلق بالبعد الأول:

أولاً: له القدرة على النفوذ من ظواهر الأشياء إلى حقائقها و ماهياتها و استكشاف العلاقات و الروابط الواقعية التي تحكمها.

ثانياً: يترتب على ما سبق أنه قادر على أن يترّقى من إدراك الموارد الجزئية و الفردية للوصول إلى فهم القوانين و السنن الكلية و العامة التي تحكم مسار هذا العالم، من غير تقيّد بزمان أو مكان خاص. فهو ليس أسير المحيط و البيئة الجغرافية التي يعيش فيها، كما أنه ليس حبيس الزمان الحالي الذي يعيش فيه. بل هو قادر على تجاوز المكان و الزمان معاً، مما يمكّنه من التعرف على أسرار الطبيعة و كذلك استلهام الدروس و العبر من الماضي و التاريخ و التخطيط للمستقبل. بل هو قادر على تجاوز المكان و الزمان بلحاظ آخر يستطيع من خلاله الوقوف على بعض حقائق الوجود المطلقة و اللامتناهية؛ و هو أمر مرتبط بفكرة التعالي أو التسامي على الزمان و المكان، و إدراك- بل و الارتباط بـ – الحقائق و العوالم و المراتب التي تعلو مرتبة الزمكان (الزمان+المكان)

إذن فالبعد الأول المميز للإنسان و الذي جعله سيد عالم الإمكان، هو حقيقة أنه موجود مفكر.

و أما البعد الثاني في شخصيته التي امتاز بها فهو ميوله و إحساساته الفطرية التي تنبع من كيانه كموجود مفكر. و هذه الميول و الإحساسات الفطرية التي لا تفارق الإنسان، هي:

1- حب الاطلاع و الكشف عن المجهولات و الكشف عن الحقائق.

2- حب الخير و الفضيلة- الأخلاق و القيم.

3- حب الجمال و الميل إليه.

4- الميل إلى الإبداع.

5- الحب و العبادة.

و لعل أهم هذه الأمور الفطرية، و التي يمكن إرجاع الباقي إليها، فطرة حب الكمال. فالإنسان بفطرته باحث عن الكمال المطلق و عاشق له و ساعٍ إلى الارتباط به و التخلق به، و تقترن بهذه الفطرة فطرة أخرى هي فطرة الانزجار و الابتعاد عن النقص، أياً كان هذا النقص.

و على أساس هاتين الفطرتين يحاول الإنسان من خلال ما يعتقد أنه كماله أن يرسم لنفسه الأهداف و الغايات التي يريد الوصول إليها. بعبارة أخرى، ما يحكم جميع أفعال الإنسان هو إما جلب المنفعة التي يراها كمالاً له، أو دفع الضرر و ما هو يراه نقصاً.

2) بيان المشكلة الأساسية التي يعاني منها الإنسان

ما هو الطريق للوصول إلى الغاية التي يرجوها الإنسان؟ و هل هناك سبيل للوصول إلى تلك الغاية التي يتحقق عندها الاطمئنان النفسي و القلبي للانسان؟ أم أن البشرية في مسيرتها الطويلة لا غاية و لا هدف لها؟

إن نظرة دقيقة لمسيرة البشرية تكشف لنا أنها انقسمت إلى فئتين:

الفئة الأولى: الذين أنكروا أن يكون لهذا العالم مبدأ و منتهى، و هذه الفئة تعيش مشكلة الضياع و اللانتماء، و هي قصة إنسان هذا العصر الذي حقق تقدماً تقنياً هائلاً، فأصابته الحيرة و الضياع و لم يدرِ من أين جاء و إلى أين هو ذاهب و أي سبيل يسلك. و هكذا انتشرت في عصرنا مذاهب العبث كالسرطان يمتد في فكر الإنسان و روحه. و هذه المشكلة تعيق حركة الإنسان في تطوره و تمنعه من الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح؛ لأن مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أنه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى مطلق يستند إليه الإنسان في مسيرته الشاقة الطويلة الأمد. فالتحرك الضائع بدون مطلق هو تحرك عشوائي كريشة في مهب الريح تنفعل بالعوامل من حولها و لا تؤثر فيها.

3) بيان الحاجة إلى الرؤية الكونية

و أما الفئة الثانية: فهي لم تقبل بمثل هذا الجواب و أخذت تبحث عن المبدأ و المنتهى و الطريق المستقيم الموصل إلى الغاية. و هؤلاء هم العلماء الواعون الذين كانوا يتمتعون بالاستعداد الكافي للتفكير الجاد في هذه التساؤلات و قدّموا للبشرية أجوبة متعددة عن ذلك. و هذه الإجابات هي التي كوّنت الأسس المنطقية لأنواع الرؤى الكونية التي يزخر بها تاريخ الفكر البشري. و نعنى بالرؤية الكونية النظام الفكري و العقائدي الذي يفسر حقيقة الوجود و الكون و يحدد سلوك الإنسان في الحياة في مختلف المجالات. و يمكن تقسيم هذه التساؤلات إلى ثلاثة أقسام:

1- معرفة الوجود.

2- معرفة الإنسان.

3- معرفة السبيل.

فيما يخص معرفة الوجود، يقع البحث حول بعض الموضوعات التي تمهد لامتلاك رؤية عامة عن الكون و الوجود بمعزل عن الظواهر الخاصة، ليتضح لنا هل أن الوجود مساوق للمادة و ظواهرها المتنوعة؟ أم أن المادة ليست سوى جانب من جوانب الوجود؟ و على الفرض الثاني، هل ثمة رابط بين عالم المادة و ما وراءها؟

و الجواب على هذه التساؤلات يفتح الباب أمام معرفة الله تعالى.

و في مجال معرفة الإنسان، يقع البحث عن حقيقة الإنسان: أهو هذا البدن المادي المحسوس، أم هو- بالإضافة إليه- يملك روحاً غير مادية و غير محسوسة؟ و على الفرض الثاني، هل تبقى الروح بعد الموت و زوال البدن؟ و هل من الممكن أن يُبعث الإنسان مرة أخرى؟ و أخيراً، هل حياة الإنسان محدودة و منتهية أم أنها خالدة؟ و هل هناك علاقة بين الحياتين؟

و الجواب على هذه التساؤلات يقودنا إلى معرفة المعاد.

و أما المجال الثالث، فيقع البحث فيه عن موضوعات تربط مبدأ الانسان بمعاده، و تبيّن دور الخالق في هداية الإنسان نحو سعادته الأبدية. و تقودنا الإجابات الموضوعية للأسئلة السابقة إلى نتيجة فحواها أننا نملك سبيلاً آمناً لمعرفة المنهج الصحيح للحياة الفردية و الاجتماعية، و أن سلوك هذا السبيل لا يوفر لنا السعادة الدنيوية المحدودة فحسب، و إنما يوفر لنا أيضاً السعادة الأبدية الخالدة. إن هذا السبيل هو “الوحي” الذي يتزّل على الأنبياء من قبل الله تعالى.

يطلق علماء الإسلام مصطلح “أصول الدين” على المسائل الثلاثة المتقدمة. فمعرفة الله تقع في جواب “من أين؟”، و معرفة المعاد تقع في جواب “إلى أين؟”، و معرفة الوحي و النبوة في جواب “في أين؟”.و هكذا فإن أصول الدين عند المسلمين بمختلف فرقهم و مدارسهم ثلاثة، و هي التوحيد و النبوة و المعاد.

تبرز أهمية الرؤية الكونية، فضلاً عن تحديدها لمصير الإنسان، في أن الآيديولوجيات تنبثق جميعاً من الرؤى الكونية.  و نعني بالآيديولوجية الأفكار و القواعد القانونية و الأخلاقية التي تتعلق بسلوك الإنسان مباشرة، و التي تُصاغ في هيئة “ينبغي أن تفعل كذا” “و لا ينبغي أن تفعل كذا”. و التمسك بآيديولوجية معينة هو فرع اعتناق رؤية كونية خاصة يحملها الفرد عن الانسان و العالم و التاريخ و الوجود. فالآيدولوجيات وليدة الرؤى الكونية، و اختلاف الرؤى الكونية يؤدي إلى اختلاف الآيديولوجيات؛ لأن الأساس الفكري الذي تستند عليه الآيديولوجية هو التفسير الذي يملكه الفرد عن العالم و الإنسان و الوجود.

من هنا تتضح العلاقة الوطيدة التي تربط الآيديولوجية بالرؤية الكونية.

د.محمد موسى