أزمة العلوم الإسلامية

تتمتع العلوم الإسلامية بظاهرة فريدة، هي خاصية الجمع بين النسقين العلمي والمذهبي. فالفاحص مثلاً لعلم مثل علم أصول الدين أو علم أصول الفقه أو التصوف، بشكل شامل يغطي مسار العلم في كل مراحله تطوره التاريخي، لواجد إياه متضمنًا بنية مزدوجة، يمكن تحليلها إلى مكوِّنين: المكوِّن الأول: موضوعي حيادي هو الأسس المفاهيمية والنظرية والمنهجية الموروثة، أي مثلاً في أصول الفقه: مفهوم العلة، والمصلحة، والمقصد، والحكم الشرعي.. إلخ، ونظريات مثل الأهلية، والمقاصد، والاستخلاف، ..إلخ، ومناهج مثل السبر والتقسيم والقياس بأنواعه، .. إلخ. وهذه المفاهيم والنظريات والمناهج عامة على كل الدارسين والعلماء في هذا العلم، ولا يمكن دراسته من دونها، وتتمتع بطبيعة الحال بثبات نسبي قد يصل إلى مئات السنين.
بالإضافة إلى المكون الثاني المذهبي غير الحيادي: وهو على العكس من المكون الأول: فهو قضايا أو نظريات ناتجة عن التوجه الأيديولوجي للعالِم، مثل (امتناع تعليل أحكام الله) عند الفخر الرازي مثلاً، أو تعليلها بعلل ميتافيزيقية أسطورية عند الحكيم الترمذي، أو تعليلها بمصالح مجتمعية عند المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري. فالأول أشعري يمثل فكر الدولة، وينفي التعليل في الشرع لينفي أساس التساؤل عن البناء السياسي في الواقع في دولة ثيوقراطية، والثاني صوفي يريد الخروج من الحيز الضيق المحدود للشريعة باعتبارها أمرًا ونهيًا، إلى حيز أكثر مرونة باعتبارها حبًا وتقربًا للشارع، والمعتزلة في المقام الثالث أصحاب تأويل عقلاني للشريعة والعقيدة، حاولوا بهذا الشكل من التعليل تحرير التصور التقليدي عن الشريعة من التعسف واللا عقلانية. وكل من هذه المدارس الثلاثة: الأشعرية-الصوفية-الاعتزال، يعتمد على ذات المفاهيم والمناهج والنظريات (وهو المكون العلمي)، لكنه يطوعها في اتجاه خاص (وهو المكوّن المذهبي). وهذا المكون بالتالي متغير نسبيًا، من عالِم لعالِم ومن مذهب لمذهب، ومن عصر لعصر.
وهكذا تجمع العلوم الإسلامية بين خواص النسق العلمي المتراكم العامّ المحايد Wissenschaft، وبين خواص النسق الأيديولوجي المذهبي Ideologie الذي لا يهدف إلى الموضوعية بل إلى تحقيق مصالح مجتمعية بأعينها. والعلوم الإسلامية في هذه الخاصية تتشابه بشدة مع النسق الماركسي، الذي لا هو علم خالص، ولا هو أيديولوجيا خالصة، بل قام هو نفسه بنقد الأيديولوجيا، وقام كذلك-مثل العلوم الإسلامية-بالاستفادة من الاقتصاد كعلم لصالح نقد التفاوت الطبقي في المجتمع الأوروبي آنذاك.
وبهذا الشكل فإن العلوم الإسلامية لا هي تاريخية ولا هي خارج التاريخ، لا هي أيديولوجيات خالصة متطورة تواكب حال المجتمع خطوة بخطوة فتكون تاريخية، ولا هي علوم خالصة كالمنطق والرياضيات والفيزياء معزولة عن التطور الاجتماعي في العقل البشري أو المختبَر. ومن هنا نقطة قوة هذه العلوم، فهي ذات بناء قادر على الإقناع بما هو علم، وهي في الوقت نفسه ذات توجه سياسي-اقتصادي-اجتماعي تحقق-عند الإسلاميين- وحدة الخلافة، وقوة الدولة، وقوة المذهب، وقوة الجماعة، .. إلخ.
ومع انعزال تلك العلوم عن المجتمع، خاصة بعد سقوط غرناطة، وبعد سيطرة الإمبراطورية العثمانية على قلب العالم الإسلامي والخلافة، وسيادة مناهج النقل والتلقين والشروح والحواشي لفترة طويلة، نتيجة لإحساس المسلمين بالخوف على الهوية بعد اندحارهم في أوروبا، وبعد تفوق الأوروبيين اقتصاديًا بعد كشف طريق رأس الرجاء الصالح، وتوقف وتراجع الغزوات الإسلامية، وبالتالي محاولة المسلمين اللا شعورية لحفظ الذاكرة الجمعية التي هي جزء أساسي من الهوية، فقدتْ هذه العلوم جانبها الأيديولوجي، حين خفتت الصراعات المذهبية ذات العمق العِلْم-إسلامي، أي تحولت الصراعات إلى حروب داخلية بين الدول غالبًا (مثل الصراع بين فارس والدولة العثمانية، أو بين السنة والشيعة سياسيًا وعسكريًا)، بعد أن كانت أيضًا جدلاً بين العلماء فيما سبق.
وبعد فقدان هذا الجانب الأيديولوجي صارت هذه العلوم أنساقًا علمية (بمعنى العلم الإنساني لا الطبيعي) خارجَ التاريخ بالكامل، لا يمكن فهمها إلا في الماضي وبمعطياته، صارت العلوم الإسلامية أبنية مغلقة لا باب لها ولا نافذة، ومن يدخلها غالبًا لا يخرج منها. وهذه هي أزمتها. إنها صارت جزءًا من الماضي، وتعبيرًا عن الهوية الثابتة، أكثر من كونها نافعة، أو حتى فاعلة، في الحاضر والمستقبل. في حين حافظتْ دومًا على تكوينها النسقي الاصطلاحي المفاهيمي النظري المنهجي المحكم، والمُسَفسَط Hochentwickelt (أي المعقد تعقيدًا مبالغًا فيه بلا جدوى) إلى درجة اصطياد عقل المواطن في المجتمع المسلِم، واعتقاله، اعتقالاً يدوم-بلا جريمة-مدى الحياة. إن دارس العلوم الإسلامية يقضي سنواتٍ لفهم المصطلحات والمفاهيم.. إلخ (مكونات النسق العلمي) ثم سنوات لتعلم كيفية استعمالها، ثم البقية الباقية من عمره في تعليمها إلى جيل تالٍ يقع في حبائلها بدوره، وهكذا.
وبهذه البنية الصورية المحكمة تصير هذه العلوم ذات هيئة العلم (الجادّ)، الذي يرتكن إلى المقدس، ويمتنع تقريبًا نقده. فهو علم وليس عبثًا، وهو يتأسس على المقدس الديني ويدافع عنه. ولهذا فإن أية محاولة لحل هذه الأزمة لا بد وأن تفكك نقديًا هذه الأنساق أولاً. أي: لا بد من الوقوف على المفاهيم والنظريات والمناهج المؤسِّسَة فيها، ثم تعريضها لاختبار العقل الناقد المحايد المنطقي العلمي، من أجل السماح بإمكانية تطويرها، وتحقيق إصلاح ديني فعلي (في مجتمعات متدينة أصابها الخوف على الهوية) يجعل الدين الإسلامي في تصوره البشري النسقي (العلوم الإسلامية) جزءًا من الواقع، متغيرًا بتغيره، وليس العكس.
كريم الصياد
باحث فلسفي وأديب مصري، مدرس مساعد بقسم الفلسفة بكلية آداب القاهرة، وباحث دكتوراه (في الفلسفة الإسلامية) بجامعة كولن بألمانيا الاتحادية.
k.elsaiad@daad-alumni.com

* * *