محمد عبده: الدين النصيحة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

إن منا من يتظاهر بأن تنبيه الدولة إلى ما هى عليه من سوء الحال مروق وضلال. وليته مع ذلك يكتفى من هداه بالإمساك عن التنبيه، بل يتطرف إلى تحسين القبيح وتزيين السوء، وإطراء الذميم إلى مثل ذلك مما يزيد الدولة تورطـًا في المزالق وتوغلاً فى الخلل، وتخبيطًـًا فى الفساد، وشططا عن اسداد. ويتبجح بأن هذا هو الحب والخلاص والولاء. فيا ليت شعري ما عسى أن يكون البغض والغش والتلبيس لديه بعد هذا؟! وقد لا يبلغ العدو من عدوه بالحرب والقتال ما يبلغ منه بهذا التورط والتضليل.
ولا أقبل إنسانا يعمل على توريط دولته إلى هذا الحد وهو صحيح المزاج، فإن النفس لا ترضى من عز الملك بدلا. فهى بطبيعة الوجدان لا تنبعث إلى ما فيه وبال ملكها وتدمير سلطانها، بل هى متجهة بفطرتها إلى تاييد دولتها وسلامة عرشها. وإنما ما ذكرناه هو مذهب قوم استؤجروا عليه لسقوط مروءاتهم وفساد مزاجهم.
وقد يحتج لنفسه احب هذا المذهب لدفع الخجل أو تلطيفه بأن تنبيه الدولة دلالة لعدوها عن مغامزها، وهو مستوفز يترقب فرصة للوثوب عليها. فليس المنبه إلا كرائد العدو، فهو يجلب عليها الضرر من حيث يقصد النفع. وذلك فعل الصديق الجاهل. فمن الحزم تعظيمها فى عين عدوها، حتى يقع فى روعة أنها قوية منيعة الجانب، فييأس منها، وينقطع طمعه فيها. ولعل الله بعد ذلك يبعث فيها منبها فتبعث إلى لم شعثها، وتقويم أدوها، واستعاده مجدها الأول.
وهذ الاحتجاج غش وتدليس أيضًا. إما أولا، فلأن عدوها منتبه يقظ متأمل؛ فهو أبصر بمغزاها، وأخبر بدخائلها، بل مطلع منها على ما لم تحط به خبرا. وإنما تصادم المطامع فيها أوقف كل عدو يترقب غفلة الآخر أو اشتغاله بسواها. فليس فى تنبيهها ما يكشف للأعداء شيئا فيها قد كان عنهم مستورًا، بل لو تنبهت لوجدت من تصادم المطامع فرصة تمكنها من الاستدراك. وأما ثانيا، فلأنه إذا كان عدوها بحيث يجهل دخائلها، وهى فى عالم الأحياء. وأما ثالثًا، فلأنه إذا خفى على الدولة عاقبة التنبيه، كان الخوف عليها من التمادى على الخلل أشد، فإنه أعجل من العدو سيرا وأسرع بطشا وأسوأ تأثيرًا. على أن قارعة العدو قد تدفع أو يحتال لها، لا دافع ولا حيلة لقارعة الغفلة وسوء التدبير.
وكذلك منا من يحسب أن تنبيه الدولة ضرب من العبث، وإنما هو فضيحة من غير جدوى، فقد أصبحت بحيث لا ينفع القول فيها، على أنها قد سدت سبيل النصح على نفسها بشدة حظرها على جرائدها، ولمنعها الجرائد الأجنبية من طروق ديارها، ما دامت تحمل النصح أليها. ولئن اخترقته بحيلة من الحيل، فإنها لا تخترق حجاب أمير المؤمنين. ولئن اخترقته بحيلة من الحيل فإنها تصادف حول عرشه ملئـًا من الغاشين المحتالين الذين عدلوا به عن تدبير الملك، وعرفوا كيف يقبلون النصح فى عينه غشًا يعود عليه في ذات نفسه.
وهذا رأى من لا خبرة له ولا دراية عنده بتأثير القول، فأما الفضيحة لو كان فى اتقائها خير بإطلاق، لتعطيل الأمر بالعروف والنهى عن المنكر، ولما كان الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين كما قال صلوات الله عليه وكررها ثلاثًا، وكما قال الفاروق رضى الله عنه: من رأى منكم فى اعوجاجا فليقومه. وأى شرع أم أى عقل يأمر باتقاء الفضيحة فى درء المفاسد؟ ومع كل ذلك فأى عورة مستورة منا حتى نتقى الفضيحة من كشفها؟ وأما عدم نفع القول فمن المكابرة فى الواقع. وهل كان كون أو فساد فى بداوتًا أو حضارتـًا إلا بفعل القول من تأليف وتنفير، وتحذير وتطمين، ووعد ووعيد، وتثبيط وتهيج، وتسكين وتحريك، إلى غير ذلك من افانين اللسان وضروب البيان؟ وهل الأنبياء صلوات الله عليهم دعوا الخلق إلى الأديان بأكثر من قوة اللسان؟ وهل الكتب السماوية تنزلت إلا بالبيان وهل ثارت أحقاد والتحمت ملاحم وانفصلت، واريقت دماء أو حقنت بمثل القول وشبه اللفظ؟ وهل اُقيمت وخطب الخطباء، ووعظ الواعظ، وسعى المبشرون والدعاة، وشرع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ أليس إلا لسر اللسان وحكمة البيان وفضل الكلام؟ وبالجملة، فهل فى الدنيا شئ من عظائم الأمور إلا وهو غرز اللفظ وحصيد النطق؟ فالأمر فى ذلك أوضح من أن يحتاج إلى إطناب. وإنما ليس لثمرة القول إبِان محدود. فقد تسرع وقد تبطئ. ورب رجل يتكلم كلمة لا يؤبه لها فى جيله فتثمر فى جيل آخر ثمرة يتمتع بها أهل الأرض جميعا. فالادعاء أن الدولة لا ينفع فيها الكلام حماقة وجهالة.
وأما الحظر على الصحف الداخلية ومنع الخارجية من طروق الديار، فهو قول ضعيف الحيلة. أما ترى من هو من أعظم الملوك لا تكاد يضع يده إلا على كتابات الطوائق تاره تحت وسادة منامه ، وأخرى فى صحفة طعامه، ومرة على مكتبة وحينًا بين دفتى كتبه؟ فلو صحت منا النية وصدقت العزيمة ما اعوزتنا حيله ولا بقى فى نفسنا نصح مستور على أمير المؤمنين.
وأمال الملأ الذى دار بعرش الخلافة . فأهون من الهوان. وليس اعتقادنا فيه القدرة على قلب النصح غشا إلا وهما منشؤه دوام قربه من عظمة أمير المؤمنين ، مع ما هو عليه مما يوجب إبانته وإقصاءه . ومهما يكن من قدرتههم على مقاومة الحقائق بالشعوذة ، فإن من اساليب الكلام ما لا تنفع معه شعوذة، ولا يأتى عليه سحر ، ولا تدفعه حيلة . وبالجملة فالحق أكبر من أن يكافح. وإن ثبت الباطل أمامه مره فقلما يثبت أخرى . وما له إلى الفرار على كل حال وحين إذ فترك النصح تعللا بذكر الملأ هو من قصور الرأى أو فتور العزيمة.
وإن منا أيضًا من يزعم أن داء الدولة قد أزمن وتأصل بعد أن استحفل وفشا فى عروقها، وأنبسط وسرى فى دمها، وامتد وتشعب فى أعصابها وصار لا يرجى برؤه حتى يعالج، بل لا يؤمل تلطيفه حتى يداوى كما قطع بذلك حزاق أطباء السياسة. على أن دائها يستوى فية معرفته الطبيب وغيره. كما يستويان فى معرفة الأكمه والأعرج والمجدوع وأمثاله من ذوى العادات المفضوحة، وإذن فالنصح لا يورثها إلا التنغيص. ومن الرحمة ترك تنغيص من لا يستطيع التدارك.
وهذا ما عليه كثير من كبار الدولة. وهو يأس استحلوا به تناهب أموال الدولة والمسليمن ليدخروها وقاية لهم وأهليهم بعد انحلال الدولة خاب ظنهم وكذب حلمهم! وما الداعى -حسابهم الله- لهذا اليأس والدولة بحمد الله لا تحتاج استرجاع عظمتها إلى غير لفتة واحدة من أمير المؤمنين! فما عليهم لو بذلوا جهدهم، بل ما لهم لا يبذلون نفوسهم فى تلك اللفتة عوض إفراغ وسعهم اغتيال أموال المسلمين، فإن نجحوا كانوا مشكورين وإن لم ينجحوا كانوا مشكورين معذورين. وما وما يدريهم لعل الله عند العزم وحسن القصد يخلق من الضعف قوة. فكثيرًا ما كان ذلك . وليس بعزيز أن يكون أصلح الله شأنهم أو عوضنا خيرا منهم رجالا من أولى العزم تهون عليهم نفوسهم فى مصلحة الدولة وعامة الأمة.
وبعكس هؤلاء فئه ترى أن الدولة برئية من العيوب قوية لا ضعف بها . وإنما تحازب الأعداء عليها وتمالؤهم على اضطهادها، وتقومها من عناصر متخالفة لا تنفك تتنافر ميلا إلى الانفكاك ومساعدة الأعداء تلك العناصر كلما شغبت كل ذلك خيل لنا أن الدولة هُرمت وخار قواها، وانحلت عزائمها. وليس الأمر كذلك فى الواقع. ولو كان مكانها أعظم دولة من دول اوروبا ما جلدت على احتمال ما هى تحتمله، ولا صبرت لمعاناة ما تعانيه. وإذا فلا يرميها بالضعف ولا يتهمها بالخلل إلا عدو يريد بث الفساد بينها وبيت تبعتها، أو تقوية جأش أعدائها عليها، وإن ظهر بمظهر الناصح الأمين.
وما أعظم هذا الرأى وقعا فى ذوق السذج الذين لا إشراف لهم على الحقائق، حيث يقوم به لديهم عذر الدولة عن طأطأة رأسها لكل نازلة تضع من قدرنا ، وتدك طود شرفنا. وهى قد تكون أقل مما يسعنا دفعه. ولكن ما ابعده من الحقيقة، وما اقصاه عن الصواب ما لا يخفى على من إلمام بنسب الدولة وموازنة قواها، فإن دولتنا فى ميزان الدول العظام أخفهن على الأطلاق كفه وأقلهن رجحانًا، ولا يناقش فى ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم، أما الاعتذار عنها بتحازب الأعداء وتحالف العناصر، فهو حجة عليها. لولاه ما رميت بالتقصير، ولا احتاجت إلى النصح والتنبيه، كما أنه لولا مثله فى جميع الدول ما اضطررنا إلى تجنيد الجنود ، وإقامة المعاقل والحصون، وبذل الأموال الطائلة فى الآلات والاستعدادت .
وهل الدنيا من أول نشأتها إلا على هذه الحال؟ وهل كانت فنون الحرب واختراع آلات القنال إلا لهذا السبب؟ وحين إذ فلا بغاش من يستلفت الدولة إلى ضعفها ويستنهضها إلى تدارك شكلها بل هو الناصح الأمين. فليضع نفسه كل رجل من رعيتها حيث يريد.
هذا ، وليس إن لكل معلول علة، ولا يمكن استئصال المعلولات إلا باستئصال عللها، فعلى من يريد أن يضع نفسه من الدولة موضع الناصح الصادق أن يبحث عن علة ضعفها وأصل خللها، ثم يحاول استئصال الأصل بما يراه ناجحا من عقاقير النصح ترياقا كان أو سموما. فإنه أن فعل يوشك أن ينجح إن شاء الله.