محمد عبده: الشورى والقانون

قد أسلفنا فيما سبق من أعداد الجريدة، أن القوانين تختلف باختلاف أحوال الأمم، وبيّنا الأسباب الموجبة للاختلاف، وضربنا لذلك أمثالًا لتقريب المطالب من الأذهان، وأن ذلك صريح فى أن القوانين متعددة، وأصنافها متنوعة، لتفاوتها بحسب الغرض المقصود منها، أعنى ضبط المصالح، وفتح سبل المنافع، وسد طرق المفاسد. والآن نريد أن نبين أقربها للغرض، وأبعدها عن مساقط الإهمال، وأمنعها عن عبث الجهل والأغراض، فنقول:

إن القانون الصادر عن الرأى العام هو الحقيق باسم القانون المقصود بالبيان ليس إلا، وبيانه أن الاجتماع بين أمة من الناس فى مبدأ أمره لا يكون له داعية سوى الصدفة، أو أسباب أخرى قهرية لا تخرج عن الطوارق التى تلم بالإنسان فتلجئه إلى ملجأ من نوعه، يستعين به على دفعها.

فإذا استتب الاجتماع، وسكن الآمن فى قلوب المجتعين، وانقطع كل منهم فى الأسباب التى توصله إلى لوازم المعيشة، نزع فيهم حب المسابقة فى كل ما يتنافس فيه كل حى، وتولد من ذلك شدة الطمع والشره، وجر الأمر إلى الحسد والبغض والبطر، فأصبحوا – وهم فى مكان واحد – متباعدى المقاصد، أشتات القلوب، لا يبالى أحدهم بافتداء مصلحته بمصلحة الآخر بأى طريق سلك، ونسى رابطة الاجتماع، وواجب الاشتراك فى الوطن، وتناول أشدهم عضدا مقاليد الحكم عليهم، وبث فيهم أعوانه وأنصاره بدون قاعدة تربط الأعمال، وتبين الحدود.

فحينئذ لا ترى لاثنين منهم رأيين متوافقين، ولا قصدين متطابقين، بل لا نرى إلا نفوسا شاردة، وأغراضا متاينة، تسوقهم عصا الظلم، وتجمعهم دارئرة الغرم. فهم فى هذه الحالة ليس لهم وجهة تربط أعمالهم، وتوحد مقاصدهم، بحيث تكون محورا لدائرة أفكارهم ، وغاية تنتهة إليها حركاتهم فى أمورها كافة، إذ ما نزل بهم من دواعى الاضطراب، وأسباب تبلبل الألباب، وجعل لكل منهم شأنا خاصا به فلا يفكر يوما ما فى حقوق الاجتماع، ونسب الارتباط؛ فكأنه أمة وحده، مقطوع العلائق بغيره. فلا يتصور أن يكون لهم حينئذ رأى عام يجمعهم.

وإذا استمرت بهم هذه الحال زمنا طويلاً، فسدت طباعهم، وتبدلت أخلاقهم إلى ملكات رديئة، تحملهم على البطالة والكسل، وتكلهم إلى الآمال العاطلة، والأمانى الكاذبة، وتورثهم الخمول والذل والفتور.

فإذا توالت عليهم الحوادث، وعلمتهم أسفار الأخبار طرفا من سير الأمم، تذكروا أنه قد كان لهم من حقوق الاجتماع ما يسوقهم إلى العيش الرغد، ويصون عناصرهم الشريفة من لوث الخسة ودناسة الاتضاع، فتهم نفوسهم بتقويم دعائم الاجتماع على أصولها التى تطالبهم بها طبيعته، فتمانعهم تلك الأخلاق التى نشئوا بها ممانعة تضعف قوة العمل، فكلما قويت فيهم دواعى الاجتماع اشتدت كراهيتهم للتقاعد عن الأخذ بالوسائل، وطفقت نفوسهم تنقض عنها درن الملكات الفاسدة، وتوافرت فيهم بواعث الأعمال المختلفة، وأصبحت المقاصد متهجة إلى غاية واحدة، وهى المعاضدة على حفظ الهيئة الاجتماعية. فعند ذلك نرى من لم تهزه الشفقه منهم على المنافع العامة، ولم يفقه حقيقتها يوما، يفضلها على غاياته الخاصة، ويعلمها حق العلم، بدون أن يتلقى درسها من معلم، فإن الحاجة هى الأستاذ الذى لا يضيع تعليمه، ولا يخيب إرشاده.

ومن هنا ينشأ بين الناس ما يعبر عنه بالرأى العام، وهو الأساس الذى بدونه لا يمكن  أن تتوجه الكلمة فى أمر ما يراد التداول فيه، ونقطة التلاقى التى تجتمع بها أطراف الأفكار المتشعبة، وتنمحى فيها الأعراض المتعددة، إذ ليست فى الحقيقة أغراضا ذاتية وأن تلبست بصورها، وإنما هى طرق متخالفة تؤدى إى مقصد لا يخرج عن الرأى العام، وسالكوها بلغوا درجة الاجتهاد، وكل عامل للأمة مسخر لانتقاء أقرب الطرق الخالية من أعباء الكلفة، كما يشهده من وقف على مشارب القدماء والمتأخرين من السياسين، حيث يتفرقوا أحزابا، وينصبون حلبة الجدال فى البحث عن الصالح العام.

فإذا بلغت أمة من الناس هذه الدرجة من التنور، وأصبحوا جميعًا من رأى واحد فى ووجوب ضبط المصالح، وتقييد الأعمال بحدود مقدسة تصان ولا تهان، اندفعوا جميعا إلى طلب هذه الحقوق الشريفة يخشوا لومه. ولا بكتفون دون أن يروا بين أيديهم قانونا عادلاً، لائقا بحالهم، منطبقا على أخلاقهم وعوائدهم، كافلاً بمصالحهم، يرجعون إليه فى أمره المساواة و الأمن على العباد والبلاد. ولا يعجبهم أن يكلوا وضعه لواحد منهم يتولاه بنفسه، إذ الواحد لا يتأتى له أن يشخص مصالح الجميع مع تباينها؛ وهذا أمر ينبنى عليه صحة القوانين وما يتريتب عليه من الفوائد. ولا يمكنهم أن يباشروا وضعه جميعا؛ إذ فيهم من تمنعه موانع قوية عن ذلك. فلم يبق إلا أن ينتخبوا منهم نوابا بقدر ما للقيام بهذا الواجب، من كل جهة ومن كل ذوى حرفة، ليكونوا جميعا على علم بحوال موكليهم عموما، وطبائع أمكنتهم. فإذا أتمو هذا القانون على وجه كامل شامل، بعد البحث الدقيق، وإن استغرق عملهم أمدا، كان هو القانون المعول عليه علما وعملاً.

أما علما، فلأن أحكامهم كلها صارت معلومة لدى أفراد الناس جميعا؛ لأن من وضعها هم نوابهم . ولا يخفى أن نفس المنوب عنهم لا يغفلون طرفة عين عن كل أمر من أمور يشرع نوابهم . ولا يخفى أن نفس المنوب عنهم لا يغفلون طرفة عين عن كل أمر من أمورهم يشرع النواب فى المداولة فيه، ليقفوا على طريق الجدال فى كل مبحث ويعلموا ما تم عليه الأمر فيه. على أن صحف الأخبار التى لا يخلو منها قطر من الأقطار تتكفل بنشر المفاوضات والأحكام فى كل مسألة، فتكون هى السفراء بين مجلس النواب وبين الرعايا على اختلافهم. ولا يضر عدم العلم لأفراد منها كالسوقة الرعاع، والعملة وإن كثروا، فإنهم كالالات الصماء الموقوفة على الأعمال البدنية ليس إلا. فتبين من ذلك أن العلم بأحكام القانون الذى يضعه جملة النواب لابد أن يتحقق بين الأفراد، فبعد إتمامه لا يحتاج الأمر إلى المدرسة فيه إلا لمن هو حديث عهد به.

وأما عملًا، فإن القانون عادل مطبق على المصالح. ومثله حقيق بأن يرسم فى صفحات القلوب، خصوصا وأن واضعيه هم النواب، والنائب لسان المنوب عنه. فكان من وضع الأمة بتمامها، وتلك حجة عليهم بأنهم جميعا متعاهدون عليه، لاسيما وأنهم هم الذين تقاسموا بالأيمان على الأخذ بالأحسن من كل شئ نافع، وأن قلوبهم طويت على المحافظة على الرأى العام، وأنهم جميعا سائورن إلى غاية واحدة؛ فكيف بعد هذا كله يتركون القانون حبرًا على ورق بدون علم ولا عمل؟!
فقد وضح مما ذكرناه أن أفضل القوانين، وأعظمها فائدة هو القانون الصادر عن رأى الأمة العام، أعنى المؤسس على مبادئ الشورى، وأن الشورى لا تنجح إلا من كان لهم رأى عام يجمعهم فى دائرة واحدة، بأن بكونوا جميعا طالبين تعزيز شأن مصالح بلادهم فيطلبوها من وجوهها وأبوابها. فما داموا طالبين هذه الوجوه، فهم طلاب الحق ونصراؤه، فلا يلتبس عليهم بالباطل. ولا لوم عليهم إذا لم يأت مطلوبهم على غاية ما يمكن من الكمال، فإن الحصول على أقصى المراد لا يمكن أن يكون دفعة واحدة، كما قضت حكمة الله تعالى فى خلقه أن الشئ لا يبلغ حده فى الكمال إلا بالتدرج. بل اللوم كل اللوم أن يضرب الطالب صفحًا عن الأسباب مطلبه،ويقتصر فى السعى، ويرضى بحالته، فيقف عندها، وقد هيأ الله له الأسباب، ومهد له الوسائل، إذ ذلك ضرب من الجهل المركب القبيح، فالذى يجعل صاحبه أدنى درجة من الحيوانات العجم.

وإن استعداد الناس لأن ينهجوا المنهج الشورى غير متوقف على أن يكونوا متدربين فى البحث والنظر على أصول الجدل المقررة لدى أهله. بل يكفى كونهم نصبوا أنفسهم وطمحت أبصارهم للحق، وضبط المصالح على نظام موافق لمصالح البلاد وأحوال العباد.

ولا يتوهم أن القانون العدل المؤسس على الحرية هو الذى يكون مطبقا على الأصول المدنية والقواعد السياسية فى البلاد الأخرى انطباقا تاما، فإن البلاد تختلف باختلاف المواقع، وتباين أحوال التجارة والزراعة. وكذلك سكانها يختلفون فى العوائد والأخلاق والمعتقدات إلى غير ذلك، فرب قانون يلائم مصالح قوم ولا يلائم مصالح آخرين، فينفع أولئك ويضر بهولاء. وإذ على مؤسس القوانين أن يراعى أخلاق الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم، وطبيعة أرضيهم ومعتقداتهم، وعوائدهم كافة، ليتسنى له أن يحدد مصالحهم، ويربط أعمالهم بحدود تجر إليهم جلائل الفوائد، وتسد عليهم أبواب المفاسد. وحينئذ لا يسوغ لأرباب الشورى أن يجاروا غير بلادهم فى سن القوانين، بل عليهم أن يجعلوا أوضاع بلادهم وأحوال الأهالى الحاضرة نصب أعينهم، حتى يتهيأ لهم حينئذأن يرسموا ما لابد منه من الأحكام الملائمة.

فإذا أمعنوا النظر ودققوا فى البحث وطلبوا الحق حيث كان، وإن ممن صغير، وكان هذا المقصد السائق للجميع على البحث والتنقيب، وانفتحت لهم عيون المسائل، وسهلت عليهم صعاب المطالب، وحومت أفكارهم على ما كان يحسب أبعد خطور البال. فتتغلغل أفكارهم فى ما وراء ذلك من الأمور التى لا يكاد يكشف الحجاب عنها من مبدأ الأمر، حتى يحصلوا على مباد أولية يتخذونها قواعد كلية لما يرد عليهم من الأبحاث، وكأن يستعملوا قاعدة القياسً والحكم على النظائر والاستدلال بالأصل والعادة والعرف وأمثال ذلك فى محاورتهم، بعد أن صارت لديهم من المسلمات أولية، وقد كانت فى بداية الأمر فى الغوامض التى يحتاجون فى حلها الى نظر وبحث. وهكذا يتدرجون من الوسائل إلى المقاصد، ثم ينساقون من المقاصد التى لديهم بديهية المبادئ إلى مقاصد أعلى وأسمى، حتى يثبت قدمهم فى الشورى كل الثبات.

ومما تقدم سرده تعلم أن أهالى بلادنا المصرية دبت فيهم روح الاتحاد، وأششرفت نفوسهم منه على مدارك الرأى العام، وأخذوا يتنصلون من جزم الأهمال، ويستيقظون من نومة الإغفال. وقد مرت عليهم حوادث كقطيع الليل المظلم ثم تقشعت عنهم، فطالعوا من سماء الحق ما كحل عيونهم بنور الاستبصار، حتى اشرأبت مطامعهم إلى بث أفكارهم فى ما يصلح الشأن، ويلم الشعث، ويجمع المتفرق من الأمور، ليكونوا أمة متمتعة بمزاياها الحقيقية. فهم بهذا الاستعداد العظيم أهل لأن يسلكوا الطريق الأقوم، طريق الشورى والتعاضد فى الرأى. فقد أزف الوقت، ولم تسمح لهم ظروف الأحوال بأن يتأخروا عن سن قوانين يراعى فيه ضبط المصالح على وجه ملائم، يتبادلون فيه الأفكار الحرة والآراء الصائبة. فلذا أجمعوا رأيهم على تأليف مجلس شورى ممن لهم دربة ودراية تامة بشئون البلاد، وصدرت الأوامر السامية بانتخابهم نوابًا حسب ما قضت به نواميس الحرية. وانشرحت صدور الناس عامة بهذا الأمر، واستبشروا بما يكون عاقبة هذا المسعى الجليل، لاسيما وقد عهدوا من الحضرة الخديوية ارتياحا تاما لم يؤيد البلاد ويعلى كلمة وطن.

ولنا أمل لا يخيب فى أهل البلاد وحضرات النواب، فهم أجل من أن يعدلوا عن طريق النجاح، أو يكون سعيهم إلا فى حب الإصلاح . وهذه خطوة نعدها – إن شاء الله – فى سبيل تقدمنا فاتحة الأطاف.
محمد عبده ، قادة الفكر