زكي نجيب محمود: عينية ابن سينا (1ـ2)

ادْنُ مني يا صديقي واستمع إلى هذه القصة الممتعة الرائعة التي يرويها ابن سينا عن الروح، وما أدراك ما الروح؟ هذا السر العجيب الذي سرى واستكن بين أحنائك فلا تكاد تدري من أمره شيئاً! وهل يداخلك شيء من الريب في أنك مزيج من مادة الروح؟ فأما المادة فهي هذا اللحم والعظم، وأما الروح فهي تلك الفكر الرائع والخيال البارع وتلك الحركة المتوثبة الدافعة، حتى إذا جاءك يوماً قضاؤك المحتوم، انطلق كل من العنصرين إلى سبيله! فأنى لك هذا السر المكنون، وأيان يذهب بعد الموت؟ ذلك ما يرويه ابن سينا في قصيدته وما أنا محدثك به الآن ـ قال ابن سينا:

هبطت إليك من المحلِّ الأرفع *** ورقاء ذات تعزُّرٍ وتمنع
فقد كانت تعيش الروح أول أمرها مطلقة مجردة في الرفيق الأعلى، ثم كتب عليها أن تهبط إلى هذا الدرك الوضيع، ولقد آثر فيلسوفنا الشاعر لفظ الهبوط على السقوط لأنها في رأيه لم تسقط إلى هذا الحضيض من علٍ كما يسقط الحجر الجماد سقوطاً لا شعور فيه، أو كمن ينتكس من أوج الجبل إلى سفحه انتكاساً يقربه من الجماد المرغم على السير في طريق بعينها لا يملك لنفسه شيئاً، إنما هبطت إليك الروح، وفي لفظ الهبوط معنى الشعور والإدراك، من محلها الأرفع، حيث تسبح العقول المجردة روحانية خالصة لا تشوبها شائبة من مادة.. ولكني عهدتك يا صديقي عنيداً ملحاحاً لا ترضى بالقول يرسل إرسالاً، بل تقتضي محدثك الأمثلة يضربها توضيحاً لما يريد، وكأني بلك تسائلني أو تسائل الشاعر: وكيف كان ذلك الهبوط؟  فهو يجيب إن شئت للروح في هبوطها مثلاً مما تعلم من ألوان الحركة فهي أشبه بالطير سابحة في أجواز الفضاء، محومة صاعدة هابطة، وماذا ترى بين الأشياء التي تتحرك بالإرادة أشد شبهاً بالروح من الطير في خفته ولطف جوهره، وفي هبوطه وصعدوه؟ لعمري لقد وُفّق فيلسوفنا، بل لقد وفق أصحاب الفن منذ أقدم العصور في تصويرهم للملائكة أو ما يتصل بالملائكة من كائنات روحانية بالجسوم المجنحة إدراكاً منهم لهذه الرابطة القوية الصادقة بين خفة الأرواح ولطفها، وبين رشاقة الطير ورقته، ولكن فيلسوفنا الشاعر لا يرضيه تشبيه الروح في هبوطها بالطير على عمومه، بل أجال بصره في عالم الطير لعله يجد بينها نوعاً خاصاً يكون أقربها صلة بالروح، فما أسرع أن ساقه صدق شعوره وكمال إحساسه إلى الحمائم، وهل تستطيع أن تدلني على طير هو أشد من الوُرق استئناساً ووداعة، وأطول من الورق حنيناً وأصدق بكاء؟! وإذن فما أشبه الروح بالورقاء، فهي قد نشأت في عالم قدسي رفيع، مجردة عن ملازمة المادة ومواصلتها، فلما كان لها أن تهبط إلى الجسد المادي، طال ترددها واشتد تعززها وتمنعها، وكانت فيما أحست من ألم كمن ينتحب بالبكاء، حنيناً إلى عالمها ذاك، ونفوراً وازوراراً من الأخلاط الجثمانية التي كتبت لها أن تهبط إليها فتعيش بينها  فترة من زمان.
محجوبة عن كل مقلة ناظر***وهي التي سفرت ولم تتبرقع
ألا ما أعجب الروح! إنها تلازمك أينما حللت، لا تفارقك إلا يوم تكون  أنت لست إياك، فهي قريبة منك، بل هي أنت، تسري في دمائك، وتدب في كل عضو من أعضائك، ثم هي مع ذلك تمتنع على النظر وتستعصي على الإدراك! فإذا ما حاولت رؤيتها تحجبت وأسدلت حول نفسها قناعاً صفيقاً لا ينفذ منه شعاع من بصر، لماذا؟ لأنها تذكر ماضيها الجليل، يوم كانت في العالم الأقدس الرفيع، فتأخذها العزة والكبرياء، وتتعالى عن إدراك العيون! وكيف تريدها على الظهور أمام مقلتيك وهما لم تخلقا إلا لرؤية الأجساد المادية وحدها؟ فأما هذه الماهية المجردة فهيهات أن تدركها بالنظر، وكل محاولة منك في هذه السبيل صائرة حتماً إلى فشل وإفلاس، ولكن لا تيأس يا صاحبي، فثم سبيل لإدراكها غير هذه المقل، وغير هذه الحواس جميعاً، انظر إليها بعين العقل تجدها واضحة سافرة كاشفة عن وجهها لاتسدل من دونه البراقع والستور، فهي إن كانت تأبى أن تبدو للحواس فذلك لأنها تعلو بنفسها عن هذا الدرك الخسيس، وهي إنما تتضح وتجلو لكل عاقل من الناس، يبحث عنها بعقله في آثارها ودلائلها، إذن فالروح مع كمال خفائها وشدة غموضها عن العين، يمكن إدراكها بالعقل لمن يريد معرفتها بالدليل والبرهان.
وصلت على كره إليك وربما***كرهت فراقك وهي ذات توجع
لقد علمت أن الروح قد اتصلت بهذا الهيكل الجثماني متأبية مقهورة مكرهة، ولكنها من عجيب أمرها عادت فكرهت أن تفارق هذا الجسد الذي أرغمت على الحلول فيه أول الأمر إرغاماً، أما كونها جاءت مكرهة فلأنها حين هبطت إليك كانت تعلم أنها إنما تتصل بكتلة من  المادة.
ليس بينها وبينها تآلف وتجانس، إذ ليست هي في تجردها وروحانيتها شبيهة بالجسد في ماديته، وهل تستطيع أن تظفر بأنس من رفيقك إذا لم يكن بينك وبينه تجانس في الصفات؟ فإن أرغمت على هذه المرافقة إرغاماً على ما بينكما من تنافر وتناكر، فأنت لا شك غاضب كاره، وأما كونها تعود فتكره فراق الجسد فذلك لأنها قد تمكنت منه وسرت في أنحائه سرياناً شديداً، فتشبثت به تشبثاً قوياً متيناً ليس انحلاله أو زواله هنة هينة، وأنت تستطيع أن تلمس ذلك في نفسك إذا هممت بالانتحار، فلن تجد من نفسك إقبالاً على الموت ورضى به واطمئناناً إليه، ومعنى ذلك أن روحك قد استطابت مُقامها الجديد بعد نفور، ولكن حذار أن يذهب بك الظن إلى أنها قد ارتبطت بالجسد ارتباطاً بلغ من القوة والمتانة حد الاندماج، بحيث إذا زال الجسد زالت الروح تبعاً له، كلا، إنما ترتبط الروح بالجسد ارتباطاً يقع بين القوة الشديدة والضعف الشديد، فلا هو إلى القوة التي تدمجها فيه إدماجاً، ولا هو إلى الضعف الذي يُيسر لها سبيل الفرار، ولكني لم أحدثك بعد عن علة كرهها لفراق الجسد، وقد جاءته مكرهة أول الأمر، أما ذلك فلأنها رأت أنها تستطيع أن تتخذ من هذا الجسد أداة للخير والفضيلة، لقد كانت في حياتها المطلقة الأولى خالية  من الصفات الفاضلة الإيجابية جميعاً، وهاهي ذي قد رأت في الحواس سبيلاً قويمة تحصل بها من الأخلاق والعلم حظاً موفوراً، وإذن فاتصالها بالجسد قد جعلها عارفة بعد سذاجة، وجهل، متحركة بعد خمول وسكون، فهل تدهش بعد هذا إذا رأيت الروح جازعة فازعة حين يدن منها الأجل المحتوم الذي يفصل بينها وبين زميلها انفصالاً ليس بعده من لقاء؟ وهل تعجب إذا رأيتها حين اتصالها بالجسد تدافع جهدها عنه لتدفع ما يتهدده من على أو مرض، وتحرص وسعها أن يكون موفور الحظ من السلامة والعافية؟
أنفت وما أنست فلما واصلت***ألفت مجاورة الخراب البلقع
إذن لقد هبطت الروح إلى هذا الهيكل معرضة عنه مزدرية له صلفاً  منها وتيهاً، وحق لها ذلك فهي خالدة لاتخضع للفناء، وهو وضيع يتعاوره الكون والفساد، لهذا أنفت منه ولم تأنس له بل استكبرت عليه وأبت أن تنزل بنفسها إلى حضيضه الأسفل، وظل النفور بينهما حيناً من الدهر لم يُطل، حتى عرفت أنه أداة قويمة صالحة لتحصيل الفضيلة والخير، عندئذ أنست به ورضيت بالإقامة معه في إخاء وائتلاف، وما هي إلا أن وضح أمامها الطريق وقام الدليل قاطعاً على أنها ستحقق بالجسد  مرادها من الكمال، فقويت العلاقة واشتدت الملازمة على الرغم من علمها أن هذا الذي ترافقه وتزامله لن يلبث حتى ينقلب خراباً بلقعاً لا غناء فيه، إذ هو صائر إلى الفناء بعد حين يقصر أو يطول، ولعلك تلاحظ أن فيلسوفنا قد عبر هنا عن العلاقة بينهما بلفظ المجاورة قاصداً متعمداً، لأنه أراد لك أن تعلم أنها ليست من الجسد بمثابة الإبصار من  العين مثلاً، يكادان يكونان شيئاً واحداً، ولكنها  منه كالملاح من سفينته يديرها ويدبر أمرها، ثم هو بعد يستطيع أن يستقل بوجوده بعيداً عنها، فهي علاقة تجاور لا علاقة دمج وإدغام.
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى*** ومنازلاً بفراقها لم تقنع
نعم.. لقد اطمأنت إلى الجسد بعد صد ونفور، وأنست به بعد وحشة، وبلغ بها الاطمئنان والأنس حداً نسيت معه تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليها أيام كانت في عالمها الرفيع السامي، وركنت إلى غير جنسها ركوناً لاتحب معه الفراق، وقد بلغ منها ذلك النسيان لمنازلها الأولى حد الغلو والإسراف، فهي لم تقنع بمجرد فراقها لعالمها الأول، بل زادت عليه عشقها للعالم الجديد، وهنا كأنما نحس من فيلسوفنا إشفاقاً على الروح أن تكون قد رضيت بالأدنى عن الأعلى لتغير في صفاتها وتحول في إدراكها وفساد في طبيعتها.
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها *** من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت *** بين المعالم والطلول الخُضع
ياويح النفس! والله لكم أخشى أن تكون الروح قد مازجت المادة حتى فسدت عنصراً، فهي لم تكد تهبط من أبعد الذرى لتمس عالم المادة حتى علقت به وهو بعد لا يأتلف إلا من  الخسيس الكثيف الذي يندر أن يكون سبيلاً إلى الكمال “ذات الأجرع هي المادة الأرضية الكثيفة أي البدن”، نعم لم تكد تهبط الروح، وتدب في مادة الجسد حتى علقت بها هذه المادة الجثمانية وأحلتها بين أجزائها وطي ثناياها، بين معالم الجسد وأطلاله الخربة المتداعية/ بين عظامه وغضاريفه ولحمه وشحمه، التي تخضع للفناء وتؤول للبطلان وتنقلب إلى الدثور، ولكن لعلها قد دبت بين أجزاء الجسد الفانية لا لتجري مجراها، ولكن لتستخدمها في تحصيل المعارف والفضائل:
تبكي إذا ذكرت عهوداً بالحمى*** بمدامع تهمي ولم تتقطع
لقد حُمّ القضاء ووقعت الواقعة، فقد حان للروح حين فراقها وجاء أجلها، وها هي ذي قد فصلت عن رفيقها وخلفته وراءها رماداً وتراباً، فهي إذا ما ألقت بنظرها إلى هذه الأوصال المفككة، وإلى هذا البيت  المعمور، وقد دب فيه الخراب والدمار، عظم عليها الوجد وجل في عينها الخطب، وقد تتزاحم أمامها ذكريات الماضي أيام كانت تنعم بزمالة هذا البدن المحطوم في شتى ألوان النعيم، فتتفجع وتتوجع وتحزن وتأسى، فإن كانت روحاً خيرة فاضلة كانت فجيعتها أن افتقدت أداة الخير والفضيلة إذا افتقدت الجسد، وإن كانت روحاً شريرة خبيثة مستهترة كانت حسرتها أن سلبت وسيلة اللذة والمتاع ـ إلا وهي الجسد كذلك