«بأى منطق نفكر؟ وبأى لغة نتحدث؟» ندوة لـ«مشروعنا بالعقل نبدأ»

عقد فريق “مشروعنا بالعقل نبدأ” أولى ندواته ببيت السنارى بعنوان (بأى منطق نفكر؟ وبأى لغة نتحدث؟)، بتاريخ 30 نوفمبر، وقام بالقائها د.أشرف موسى – باحث ومحاضر بمشروعنا-  تناول فيها الحديث عن اشكاليات قوانين التفكير الانسانى ما بين التشكيك والتحرر المطلق والنسبية، والرد على الشبهات المختلفة التى تعرضت لها. كما تناول بالنقد منطقيات التفكير المبنية على حق القوة والمنفعة والأكثرية فى مقابل منطق الحق لذاته.

تفاصيل الندوة

 

تعرضت الندوة لثلاثة محاور هى:

1-    المحور الأول : القوانين .. بين الحتمية والنسبية

2-    المحور الثانى : بأى منطق نفكر ؟

3-    المحور الثالث : بأى لغة نتحدث؟

المحور الأول : القوانين .. بين الحتمية والنسبية

منذ أن نشأت الحياة الإنسانية على الأرض وكان فى خاطر الإنسان أن يعرف الكثير عما حوله من كائنات و ظواهر طبيعية ، ومع التطور البشرى زادت تطلعاته ونما أمله فى معرفة العلل الأساسية لما حوله، ومع يقينه بأن ثمة قوانين غائبة عنه ونواميس حتمية للطيران والسرعة وغيرها بذل الإنسان على مر الأزمنة والأمكنة جهودا كبيرة لتحليل تلك القوانين .. فبات الإنسان الأسرع والأقوى والأكثر معرفة بأغلب مسببات مايحدث حوله من ظواهر طبيعية .. حتى وصل بتحليله لأسباب مايحدث بأن يتنبأ بالأمطار هنا وبالزلازل والبراكين بعد فترة كذا من الزمن !!

والسؤال المفصلى الهام ” مالذى آمن به الإنسان واعتقد بحتميته فأوصله يقينه إلى تحقيق العديد من تطلعاته ؟ ” إنهما فى الواقع عاملان وليسا عاملا واحدا .. الأول هو علمه اليقينى بأن جميع مايحيط به يرتبط بأسباب وقوانين تحكم تواجده وحركته وعلاقاته ، فآمن الإنسان بقانون السببية أو أصل العلية..

والعامل الثانى هو ثقة الإنسان فى عقله بالتوصل إلى نتائج ملموسة.. هذه الثقة هى التى جعلت منه مخلوقا إيجابيا متفائلا يسعى لنيل المعرفة..

ولأن هناك ارتباط قوى بين هذين العاملين فقد استفاد منهما الطبيعيون فضلا عن الفلاسفة الذين – ومن خلال قانون السببية – تطرقوا إلى الكلام عن وجود سبب عاقل وإله غير مرئى هو المسئول عن إيجاد الكون بكل مافيه .. ومع هذا فإن انتقادات أكثر الحداثيين إنكارا للميتافيزيقا لذلك القانون لم تصل إلى حد إنكار القانون نفسه .. بل فقط التشكيك فى بعض تفاصيله مثلما هو الحال مع ديفيد هيوم ، وهو ما أكده هنتر ميد فى كتابه ” الفلسفة ، أنواعها ومشكلاتها ” قائلا ” الظواهر الواقعة فى نطاق تجربتنا تكاد تكون قابلة للتفسير أو يلوح أنها ستكون قابلة للتفسير على أساس قوانين العلة والمعلول الصارمة، وظهر بوضوح متزايد أن العمل الرئيسي للعلم إنما هو صياغة هذه القوانين العلية .. وفى هذه الأثناء ازداد الفلاسفة اهتماما بمشكلة العلية وأصبحوا بدورهم يشعرون بأن مفهوم العلة مفهوم رئيسي فى التجربة البشرية، وهكذا أصبح نطاق الحتمية عند نهاية القرن التاسع عشر ، يكاد يكون شاملا “ بقيت فقط الإشكالية المعرفية قائمة ” هل قانون العلة فطرى ومستمد من العقل الإنسانى أم مستمد من التجربة كنتيجة لها وليس دافعاً وسبباً للتجارب مثلما يؤكد الفلاسفة الميتافيزيقيون ؟ “

ولكن على أبواب دخولنا عصر مابعد الحداثة.. باتت معالم ذلك العصر الرئيسية تحمل اللافتات المعروفة الثلاثة والتى نسمعها كل يوم عبر جميع وسائل الإعلام حتى تكاد تخرق آذاننا وهى ” كل شيء نسبى ” و ” التحرر المطلق ” و ” الشك فى المعرفة والعلم ” ..

بالتالى قدم مفكرو ذلك العصر ثلاثة تحديات أمام قانون العلة وغيره من القوانين الحاكمة للتفكير الإنسانى وهى

1-     القوانين بشكل عام جبرية وتقيد حرية الإبداع

2-    حتمية القوانين تعنى أن هناك حقائق مطلقة فى حين أن الحق نسبى

3-    هناك أشياء لانعرف لها قوانين وعلل

وأمام تلك التحديات لايسعنا إلا أن نفرد أمامها ردودا قاطعة تزيل الإبهام قسمناها على أريعة عناوين كالتالى :-

أولا : القوانين حتمية وليست جبرية

رغم الخلط الكبير بين مفهومى الجبرية والحتمية والذى يقع فيه الفوضويون الا أن الفارق كبير بين الحتمية والجبرية ، فالقوانين حتمية بمعنى  أنه عمليا لايمكن التحرر من قوانين العلة واستحالة جمع النقيضين فى أى مجال من مجالات العلوم ومع هذا فهى ليست جبرية بحيث تحيلك إلى نتيجة واحدة مقدرة سواء عملت بتلك القوانين أم تملصت منها .. وكما يقول الدكتور عصمت سيف الدولة ” إن حتمية القوانين أو النواميس التى تضبط حركة الأشياء والظواهر لا تعلمنا أكثر من أنه إذا حدث كذا .. حدث كذا ، وإذا لم يحدث كذا .. لم يحدث كذا وهو أمر يعرفه الفلاحون الذين يعلمون علم اليقين أنهم إذا لم يرفعوا الماء من النهر إلى مزارعهم جفت الأرض وإذا جفت الأرض مات الزرع وإذا مات الزرع لايحصدون شيئا .. هذه الحتمية لازمة ليتصور الناس المستقبل الذى ينتظرهم إذا لم يتدخلوا فى تغييره .. أما الذين لايعرفون تلك القوانين أو النواميس أو الذين لايحترمون حتميتها ، فسيبذلون جهودا عشوائية لتغيير واقعهم أو يستسلمون لقدرهم “ أيضا فإن وجود تلك القوانين لايحرم الإنسان من قدرته الإبداعية ، بل على العكس فتلك المعايير هى الوحيدة التى تكفل للناقد أن يحكم من خلالها على إبداع المبدع وإخفاق الفاشل ، فكيف نميز إذن بين إبداع فرضية علمية تتكلم عن نشأة الأرض وبين فشل نظرية أخرى؟ إنه عن طريق حجم وقوة الأدلة التى ساقها الأول تأييداً لفرضيته بالمقارنة مع هشاشة وضعف أدلة الآخر .. فقوة وضعف الأدلة تحتاج إلى قوانين للتمييز بين الأدلة الموضوعية والأدلة غير العلمية .. فهل كانت القوانين مانعاً للإبداع !؟ أم معياراً للإبداع نفسه ودافعا للتميز؟

ثانيا : حتمية القوانين تعنى وجود الحق المطلق !

بدأ التشكيك فى المطلق و إلحاق النسبية بالفضائل الأخلاقية والعلم وقوانين التفكير مبكرا فى عصر اليونان بأن انتشر التيار السوفسطائى محارباً لكل اليقينيات والحتميات ، فلكل شخص مقياسه وميزانه للحقيقة كما يقول السوفسطائى الشهير بروتاغوراس ” الإنسان مقياس الأمور فى وجودها وفى عدم وجودها .. ولا يتعدى هذا الحكم إلى غيره “.. ورغم خطورة تلك الإدعاءات ” فقد كادوا يقضون على الفلسفة لولا أن أقام الله سقراط ينتشلها من هذه الورطة المهلكة “ كما يقول د. يوسف كرم

ومع انتهاء عصر الحداثة ، عاد مفكروا مابعد الحداثة إلى نفس ذات السفسطة القديمة مثلما جاء فى كتاب ” أقدم لك الفلسفة ” بأن ” ربما كان فى استطاعتنا أن نفهم فلسفة مابعد الحداثة على نحو افضل على أنها تسيطر عليها ثلاث (إذا) كبيرة هى كالآتى:

–         إذا كانت الأفكار البشرية لم تعد مضمونة على أنها أفكارنا نحن …

–         إذا كانت اللغة التى نفكر بها لايمكن أن تشير بطريقة ذات معنى إلى العالم الذى يقع خارج ذواتنا …

–         إذا كانت معانى الدلالات اللغوية المستقلة ذاتيا تتبدل باستمرار …

فلابد إذن أن نحمل أنباء سيئة للفلسفة ، والمنطق ، وحتى للعلم نفسه … “

والمضحك أن مالا يعرفه النسبيون أنّهم وضعوا بأنفسهم أكبر نقض يواجهون أنفسهم به عندما أقروا أن (كل علم نسبي) فهل هذه القضية مطلقة أم نسبية؟ فإن قالوا أنها مطلقة، فهو اعتراف بعلم مطلق لا يخضع لرأي شخص أو إيحاء ظرف ما. فإنهم أرادوا إثبات نسبية كل القضايا فتورّطوا بإثبات إطلاق قضية لم تسلم من النقض ، وإن قالوا: إنها نسبية، فتفقد بذلك صلاحيتها كقانون كلي مطلق لسائر القضايا والأحكام ..

إن فرض النسبية فى كل شيء هو ضرب من الجنون يجعل كل النظريات العلمية والعقائدية والأخلاقية فى حالة سيولة وبالتالى لو تعممت النسبية لسادت الفوضى الشاملة كل جنبات حياتنا الإنسانية ، يقول الدكتور عثمان أمين ” مهما يحاول المتشكك باستدلالاته العميقة أن يلقى فى روع الناس قدراً من الحيرة والبلبلة والاضطراب فإن أتفه حوادث الحياة تقضى على هواجسه وشكوكه، وتتركه شبيها  بغيره ممن لم يشتغلوا ببحث فلسفى قط ! “

والخلاصة أن وجود الحق المطلق فى ذاته هو مترتب على وجود قوانين حتمية تمكننا من إدراكه والوصول إليه مع شرط مراعاة تلك القوانين والإبداع فى الوصول إلى تفصيلاتها .. وفى الوقت نفسه فإن وجود حقيقة مطلقة لاتعنى أن معرفتنا بها مطلقة، أيضا وجود حقائق مطلقة لايلغى وجود النسبى ، فالذوق الإنسانى فى الألوان والألبسة والأطعمة والمقطوعات الموسيقية والفن ومظاهر الجمال المادى عموماً هى فى ذاتها نسبية ولا إطلاق فيها ..

ثالثا : غياب معرفتنا بالقوانين والعلل لايعنى انتفاءها

هذه القضية مجرد فهمها وتصورها يعد كافياً للتصديق بها ، ولكن ومع الأسف انبرى بعض ضيقى الأفق لقلب تلك القضية وتحويلها لفظاً ومعنى إلى مامفاده ( مالم نعرف قوانينه وعلله فهو غير خاضع لقوانين ! ).. ولكن أى عقل سليم يدرك بلا فذلكة أن المحاولات المتكررة والتراكمية للعلم والمعرفة والتى يخوضها الإنسان منطلقها الأساسي معرفته بجهله بالعلل مع يقينه بوجود أسباب وقوانين يحاول اكتشافها .. عندئذ تصير القاعدة هكذا (مالم نعرف قوانينه حتى الآن ، نجتهد لكى نعرف قوانينه لأننا موقنون بأن لكل شيء علة وسبب .. ) ورغبة المعرفة هى الإرادة المحفورة فى وجدان الإنسان المميز والتى عبر عنها العديد من الفلاسفة بأقوال مختلفة ، فممن ذكره أرسطو حول ذلك الخصوص يؤكد أن غاية الإنسان هى معرفة العلل فيقول :-

  • ·        ” لسنا نعرف الحق دون أن نعرف علته
  • ·        أى علم من العلوم ينبغى أن يسمى حكمة ؟ يجب أن يسمى كل علم حكمة ، فأما الحكمة العالية المتقدمة الفائقة التى بقية العلوم تابعة معترفة لها فواجب أن يكون علم علة التمام والخير ، فإن باقى العلل هى بسبب هذه العلة

وفى الإسلام يبنى القرآن الكريم مصداقية التوحيد والتصديق بآيات الكتاب على ثقته فى وجود ” قوم يعقلون ويتفكرون” و ” أولى ألباب ” وفى إمكان العقل الإنسانى أن يدرك العلل الغائبة ويستدل بها على وجود الإله والتصديق بماجاء به الأنبياء والرسل ، يقول تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) العنكبوت: 20، و في آية أخرى (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)الذاريات: 20..

رابعا : التحرر الحقيقى ليس بإلغاء القوانين

إن فى واقع الأمر ليس هناك تحرر مطلق ، بل إنه تخلص من قيد للوقوع فى قيد آخر .. فإما أن تتخلص من قيد التجرد الذى يحيلك إلى قوانين العقل الجمعى الإنسانى لتقع أسيرا لقيدك الفردى الأنانى الذى يضع لك قوانينك الخاصة المستجيبة لنزعاتك الفردية وتطلعاتها .. فتتخلص من سيطرة العقل الجمعى وقوانينه لتسقط تحت فخ فرديتك ونزواتك التى تمثل قوانينك أنت .. وإما أن تتجرد وتتحرر من نزواتك وهواك وآرائك الفردية المتأثرة بعوامل عديدة .. لتتجرد بعقلك الذى وقتها سيكون عقلا إنسانيا خالصا لايمثلك أنت فقط ، بل يسرى تجرده وتفكيره على الجميع وبالتالى يحيلك تحررك من نفسك إلى تسليمك لقوانين العقل المجرد ..

نخلص من كل ماسبق من عناوين ومحاور للحديث إلى عدة نقاط تبين لنا وهم مزاعم الفوضويين والنسبيين وهى :

1-    التفكير عبر القوانين الحتمية ليس جبرياً ، بل هو دعوة للتأمل والإبداع ومظهر من مظاهر تميز الإنسان

2-    القوانين تؤكد وجود المطلق وتبرز أهمية العلم وسمو السعى نحو المعرفة ، وإطلاق النسبية دعوة للفوضى

3-    لذة المعرفة هى فى كشف غموض العلل واكتشاف القوانين والموازين .. وإنكار القوانين والعلل هو تمويت للعلم والفلسفة

المحور الثانى : بأى منطق نفكر ؟

خلصنا فى العنوان السابق بوجود قوانين تحكم عملية التفكير الإنسانى بحسب كونها احدى الظواهر الموجودة بالكون ، شانها شأن قوانين الجاذبية والحركة وغيرها .. وانطلاقا من مبدأ السببية باعتبار أن الفكر الإنسانى هو نتيجة ومحصلة لتفكيره ، فمن المنطقى أيضا أن نتساءل عن القوانين التى تحكم تفكيرنا الإنسانى.. فعالم اليوم يموج بآلاف الأفكار والنظريات التى تخص الإنسان والمجتمع ومن زوايا عديدة ، سياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية ، والكل يقيم دلائل حول صحة فكرته وجدوى نظريته وقوة أطروحته .. فهناك أربعة قوانين متناحرة يعتبرها أصحابها المعيار الأسلم للحكم على جميع القضايا المطروحة وتصنيفها للحقانية أو البطلان ، وتلك القوانين هى

أولاً : قانون أو منطق القوة

أصحاب ذلك القانون يعبرون عن صحة فكرة أو ممارسة سياسية أو سلوك إنسانى بأنه ” صحيح ” لكونه يحقق القوة لصاحبه، وقد ارتبط ذلك المعيار بالقادة المتسلطين كأمثال هتلر ونابليون وغيرهم ، وفى عصر الحداثة ارتبطت ذلك الفكرة بشكل أكثر تأصيلا باتجاهين كبيرين

الاتجاه الأول : هو اتجاه الفيلسوف الألمانى نيتشه ، والذى عرف الإنسان النبيل بأنه ” فى جوهره تجسيد لإرادة القوة “ ، ولم يكتف نيتشه بذلك بل استخدم نفس المعيار فى رفض دعائم الدين المسيحى لأنها فى نظره تعبر عن إزكاء روح الضعف فى الإنسان عندها تطالبه بالخضوع والافتقار إلى الإله ! ، كذلك من غير المستغرب أن يعبر نيتشه عن أيدولوجيته السياسية بأن يبغى أرستقراطية جديدة ضخمة مؤسسة على نظام ذاتى أصرم مايكون ، تحمل لآلاف السنين طابع رجال السلطة الفلاسفة والطغاة الفنانين “، فلاعجب هنا أن يقول نيتشه نفسه ” إن الآمال العالية فى هذا القرن تكاد كلها تعزى إلى نابليون “

الاتجاه الثانى : هو اتجاه الدارونيين الذين يرون أن إرادة البقاء لدى الإنسان – وليست إرادة القوة فى ذاتها – هى التى تحتم عليه أن يصير قويا كى يكون منتصرا فى صراعه الأبدى مع الطبيعة يقول المفكر الراحل عبد الوهاب المسيرى إن النموذج الفعال في الحضارة الغربية الحديثة والمهيمن عليها هو الداروينية. والداروينية بحكم منطقها لا يمكنها أن تقبل الحوار العقلاني، فهي ملتزمة بالتطور الخطي وترى أن جوهر الحياة الإنسانية هو الصراع وأن البقاء للأصلح أي للأقوى، والطريقة الوحيدة لحل الخلاف عندها هي القوة”

والحقيقة أن الرد على معيار القوة الباطل بسيط جدا ، فالقوة فى ذاتها تحتاج إلى تعريف دقيق حتى تكون معيارا يصلح للحكم .. فهل معناها القوة المادية كما يفهم من فلسفة نيتشه أم الرغبة فى البقاء كما يقرر الدارونيين أم القوة الذاتية فى الحق نفسه والتى عندما يدركها الإنسان يصير قويا مستأنسا بالحق فى ذاته كما وصفها الميتافيزيقيون ؟

ثانيا : منطق المنفعة ولغة المصالح

جاءت اللفتة البراجماتية الجديدة التى شدت الأعناق وجذبت الأنظار مما (كان) ومما هو (كائن) إلى ما (سوف يكون) .. وذلك بأن جعلت معيار صدق القول هو مايترتب عليه ذلك القول من نتائج، فأعطنى من القول مايهدينى سواء السبيل فى حياة عامة أو فى صناعة وزراعة وتجارة ، أسلم لك من فورى أنه قول حق ، بغض النظر عما كان وماهو (كائن) بالفعل ” فالبراجماتى كما يقول وليام جيمس “ينأى بعيدا عن التجريد وعن عدم الكفاية ويعرض عن الحلول الكلامية وعن التعليلات القبلية الدرئية (السابقة على التجربة) وعن المبادئ الثابتة وعن ضروب المطلق والأصول المزعومة  .. وهو يولى وجهه شطر الاستنادية والمحسوسية والكفاية ، شطر الحقائق والوقائع ، شطر العمل والأداء والمزاولة وشطر القوة “

وكما قلنا فى الرد على معيار القوة ، فإن قانون المنفعة نفسه يحتاج أيضا إلى معيار لتحديد ماهية المنفعة سواء للفرد أو المجتمع ككل ، وهل يدخل فى إطارها العلم النافع واكتساب الملكات الفاضلة مثلما يقرر المثاليون والمتدينون وكافة الفلاسفة الإلهيين أم تكتفى المنفعة بالمتطلبات المادية ؟

ثالثا : منطق الأغلبية والقانون الطبيعى

وضعت الأكثرية كمعيار نسبى لتحقيق النفع والإرضاء لا كمقياس يحدد لك الصحيح من العليل فى الفكر والنظريات والأخلاق ، ولكن التغير المستمر فى اختيارات الأغلبية والتى قد تصل فى بعض الأحيان إلى اختيار الشيء ثم نقيضه بعد ذلك قد أفضت بأولى تجارب الديمقراطية فى أثينا إلى الانهيار مثلما تنبأ لها سقراط وأفلاطون من قبل ، فالأول انتقد قيام الجماهير بوضع القرارات في سرعة وجهل. وتساءل أليس من الجهل أن يحل مجرد العدد محل الحكمة ؟ ، والثانى أقام تصورا لنظام يحمل ثبات القيم والمنطلقات الأخلاقية للمجتمع لكن تحت حاكمية الفلاسفة والحكومات ،

ولكن مع مرور الزمن أعاد الإنجليزى جون لوك فكرته السياسية بقانون الطبيعة والذى مفاده بأن تراكم اختيار الناس للأنظمة سيتم بطريقة التجربة والخطأ إلى أن يصل فى نهاية الأمر ومن تلقاء نفسه إلى التطور المنشود للبشرية فى تحقيق العدالة ، ورغم أن لوك كما يقول الدكتور الطيب بوعزة ” لم يؤكد نسبية المعرفة وأصلها التجريبى فحسب ، بل حرص أيضا على التوكيد على كون العقل مجرد صفحة بيضاء (tabula rasa) ، فكيف يمكن أن ينسجم موقفه الإبستمولوجى الذى يشرط العقل بالمكتسب التجريبى ، وبين قوله فى كتاب (المقالتان فى الحكم)بأن كل شخص له معرفة بالقانون الطبيعى حيث يرى أن ( كل الناس الذين يمتلكون الإدراك الحسي ويعقلون هم قادرون على معرفة القانون الطبيعى ) ، بل كشفت طبعة لوفلاس لمخطوطاته عن إشارة صريحة إلى أن هذا القانون يدرك بنور طبيعى ! “

إن المشكلة أن قانون الطبيعة ليس حتما فحسب فى رأى لوك ، بل إنه جبرى أيضا يرسم نتائج التطور والتقدم من تلقاء نفسه وكأنه يقول ” دع الناس تختار بأى طريقة ومعيار وفى النهاية سيتولى الأصلح ولو بعد حين !! ” وماذا لو اختار الناس ألا يختاروا؟ وماذا لو تسافل اختيار الناس لأسباب قهرية تتعلق بمؤثرات لادخل لهم فيها ؟

إننا نرى الأكثرية ليست معيارا لتحديد الحق من الباطل ، بل هى مقياس يعكس اختيارات الناس ومايريدونه عمليا إرضاءا لمتطلباتهم من الحياة ، وهذا الاختيار لما يمثل الناس أيضا ينبغى ألا يحيد عن المبانى الإنسانية العامة والقواعد العقلية والأخلاقية ، بل هو أيضا مثلما قلنا عن القوة والمنفعة “معيار يحتاج إلى معيار يضبطه ويحدد طبيعته ” ، وما أجمل رد المسيرى على الأمريكى فوكوياما بخصوص المشروع المتجاوز للأكثرية بقوله ” إن لدينا مشروعا. فنحن نؤمن بالله ونعتقد أن بإمكاننا تغيير العالم. نعم، ما زلنا نحلم بإقامة حكومات تحافظ على العدالة وإنسان غير ملتزم بالضرورة باللذة ومصلحته الشخصية. ونؤمن بأن بإمكاننا تحقيق قسط من التقدم مع الحفاظ على العائلة، ويمكننا تضمين الإجراءات الديمقراطية في نظام يسلم بالقيم الإنسانية العامة التي تتجاوز ديمقراطية عد الأصابع”

أخيرا : منطق الحق والبحث عبر قوانينه

هى محطتنا الأخيرة التى من خلالها ينبغى على الإنسان أن ينشد الحقائق المجردة ويبحث عن ماهيات الأشياء من حوله فيرفض جميع الأطروحات المتعارضة مع الحقيقة والواقع ويقبل ماهو حق فى ذاته وواقعى فى وجوده ، حيث إن غاية مراد الإنسان هو البحث عن الحقيقة مثلما عبر أفلاطون ” وإن من يعشق المعرفة حقا شخص ينزع بطبيعته إلى الحقيقة ولا يقف عند تلك الكثرة من الأشياء التى يتوهم الناس أنها حقيقة ، بل يظل يسعى وراء الحقيقة بلا كلل ، ولايفتر عشقه حتى يصل إلى ماهية كل شيء فى ذاته “، ذلك الحق هو الكاشف للواقع أو المطابق للواقع كما يقول الحكماء وليس كما يضع البعض من معايير أخرى للحق مثل القوة أو ماينفع الناس فى معايشهم المادية أو ما أجتمع عليه غالبيتهم !

والخلاصة إن التفكير عبر الضوابط القانونية لمنطق البحث عن الحقيقة :-

1-    هو المقدم على كل المعايير السابقة بأن يضع لها شروطها فيبرز الفرق بين قوة الحق وحق القوة ، ويضع مفهوم تصوريا سليما للمنفعة والسعادة وأيضا يضع ضوابط لوضع ديمقراطية سليمة

2-    هو البداية الصحيحة من المطلق – القوانين البديهية –  إلى البحث عن الحقائق المطلقة

3-    هو المعيار الوحيد لإرساء القيم الفاضلة وتغيير المفاهيم السائدة وخلق ثورة فكرية حقيقية على المتعارف عليه من مفاهيم « كالممارسة السياسية والحقوق والعدالة والمنفعة والوطنية.

4-    هو السبيل الأفضل لخلق نخبة جديدة تبدأ من التفكير وضوابطه لتنتج فكراً قوياً حقيقياً يدرك الواقع فى ذاته ويصنع فارقا فى حياة المجتمع للأفضل ..