حرب أكتوبر 1973.. من وجهة النظر السورية (4 ـ 5)

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨


المبحث الرابع

وقائع الحرب

أولاً: الجبهة المصرية

في تمام الساعة 14.05، من يوم 6 أكتوبر 1973، عبَرت مئات الطائرات المصرية والسورية خطوط وقف إطلاق النار، متجهة إلى مواقع العدو الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، فتحت ألوف المدافع نيرانها على طول جبهة قناة السويس وجبهة الجولان. وهكذا بدأت الحرب.

عبرت حوالي 200 طائرة مصرية قناة السويس، متجهة إلى أهدافها في سيناء. ومع الهجمة الجوية، أخذ حوالي 2000 مدفع ميدان ومدفع هاون، ومدافع ألف دبابة، وألف مدفع مضاد للدبابات، تطلق قذائفها على الجانب الآخر من القناة. وقد سقط، في خلال الدقيقة الأولى، 10500 قذيفة مدفعية على المواقع الإسرائيلية. أمّا في مدة الرمي التمهيدي، التي استمرت 53 دقيقة، فقد سقط حوالي 3000 طن من القذائف.

وفي الساعة 14.20، بدأت الموجات الأولى لخمس فرق عبور القناة، مستخدمة نحـو ألف قارب اقتحام مطاطي. وبعد عدة دقائق، كان على الضفة الشرقية للقناة، وفوق حصون خط بارليف وجداره الترابي، حوالي 8000 جندي. ثم توالى عبور وحدات الفرق الخمس، في 12 موجة، حتى اكتمل عبورها مع قياداتها في الساعة 19.30، باستثناء الدبابات والمدافع والآليات.

واجهت إسرائيل الهجوم المصري بهجمات جوية محدودة متتالية على مناطق العبور ووسائله، وعلى القوات المتمركزة في شرقي القناة. فتصدى لها جدار الدفاع الجوي. وكانت النتيجة أن ثلاث طائرات من كل خمس طائرات إسرائيليـة، أسقطت في خلال الغارات الأولى. فأمرت القيادة الجويـة الإسرائيليـة طياريها بتحاشي الاقتراب من القناة، لمسافة لا تقل عن 15 كم شرقاً.

سقط خط بارليف في أيدي القوات المصرية في اليوم الثاني من القتال، باستثناء موقع واحد في أقصى الشمال، على شاطئ البحر المتوسط. وكانت وحدات المهندسين قد بدأت، منذ الدقائق الأولى للهجوم، عمليات تجريف الرمال بمدافع المياه، لفتح الثغرات اللازمة في الجدار الترابي الضخم على الضفة الشرقية، تمهيداً لنصب الجسور وتشغيل المعديّات. ونجحت هذه الوحدات في إنجاز ذلك كله. وفي ليلة 6 – 7/10، بدأت دبابات الفرق الخمس ومدافعها وآلياتها العبور.

وفي الوقت نفسه، كانت مجموعات كثيرة من وحدات الصاعقة (المغاوير)، قد عبَرت القناة في طائرات عمودية، بعد غروب شمس يوم 6/10، ووصلت إلى قرب محاور حركة القوات الاحتياطية المدرعة المعادية، في العمق العملياتي عند ممرات متلا والجدي والجفجافة ورمانة، حيث بدأت تعترض طريقها نحو الجبهة. وعقب وصول قوات المشاة، في اليوم الأول، إلى عمق 8 كم، قامت، على الفور، بالتخندق، إلى حين استكمال نقل سائر الدبابات والمدفعيـة إلى رؤوس الجسور، تمهيداً لتوسيعها في العمق حتى 15 – 17 كم، وربط بعضها ببعـض.

توافرت لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فجر يوم 6/10، معلومات تؤكد بدء الهجوم العربي، على كلتا الجبهتين، في الساعة 18.00 من مساء اليوم نفسه. ولذلك عقدت رئيسة الوزراء، جولدا مائير Golda Meir ، اجتماعاً في الساعة 7.00 صباحاً، حضره وزير الدفاع، اللواء موشي ديان Moshe Dayan ، ورئيس الأركان، اللواء ديفيد أليعازر David Elazar ، وتقرر فيه البدء بالتعبئة العامة والاستعداد للحرب. وإثر ذلك، عُقد اجتماع آخر في رئاسة الأركان حضره قادة الجبهات، وأبلغوا فيه بهذه المعلومات والقرارات.

وفي اليوم عينه بدأت طلائع قوات الاحتياطي تصل إلى جبهة سيناء. وبدأ تقسيمها، عند الظهر، إلى ثلاث قطاعات: القطاع الشمالي، بقيادة اللواء إبراهام أدان Avraham Adan ، وفيه ثلاثة ألوية مدرعة. والقطاع الأوسط، بقيادة العميد أرييل شارون، ويضم أيضاً ثلاثة ألوية مدرعة. والقطاع الجنوبي، بقيادة العميد إبراهام مندلر، وكان لديه لواءان مدرعان.

أعدَّت القيادة العامة الإسرائيلية خطة لهجوم شامل مضاد، بدأ صباح يوم 8/10، على طول جبهة القتال. وقد فشل الهجوم. وكانت خسائر القوات الإسرائيلية، في ذلك اليوم، جسيمة جداً، وهو ما أدى إلى وقف تنفيذ الخطة، ريثما تصل تعزيزات وقوات وأسلحة جديدة.

وإذّاك، كان قد تم عبور أكثر من مائة ألف مقاتل مصري، واستقروا في سيناء، ومعهم 1120 دبابة، و 12500 مركبة مدرعة ومركبة نقل. وطوال تسعة أيام قتال (من 6 إلى 14/10/1973)، استطاعت القوات المصرية أن تصل إلى عمق 15 – 17 كم في سيناء، على جبهة عرضها 168 كم. في حين أن القوات الإسرائيلية، لم تحقق أي نجاح عملياتي أو تكتيكي.

واصلت القوات المصرية، في خلال ذلك الوقت، دعم رؤوس الجسور، وربطها بعضها ببعض، وتوسيع عمقها. وفي 11/10، قررت القيادة المصرية العليا القيام بعملية هجومية، محدودة نسبياً، تنفذها قوات مدرعة وآلية، من غير فرق المشاة الخمس الموجودة في الضفة الشرقية للقناة، والتي كان عليها الاستمرار في الدفاع عن رؤوس الجسور، حتى لا يختل التوازن الإستراتيجي للقوات في هذه المرحلة الحرجة من الحرب. وكان هدف تلك العملية الهجومية تخفيف الضغط الهجومي الإسرائيلي على الجبهة السورية، وتعميق شريط الأرض المحررة حتى المداخل الغربية لممرَّي متلا والجدي، والاستيلاء على معظم الطريق العرضي، الذي كانت تستخدمه القوات الإسرائيلية في مهاجمة رؤوس الجسور، وكان يوفر لها حرية العمل والمناورة. وقد حددت القيادة المصرية صباح يوم 14/10/1973 موعداً لبدء هجومها، الذي قامت خطتـه على أساس التقـدم على المحور الجنوبي تجاه ممر متلا، وممر الجدي، وعلى المحـورين الأوسط والشمالي، أي أن الهجـوم سيتم على طول الجبهـة، وعلى محاورها الرئيسية.

استغلت القيادة الإسرائيلية فترة الهدوء النسبي، الذي ساد الجبهة المصرية من 9 إلى 14/10، في تعزيز قواتها، وإعادة انتشارها، وتعويض بعض خسائرها في المدرعات.

استؤنف الهجوم المصري، في الساعة 6.15، يوم 14/10، برمي مدفعي تمهيدي، تبعه زحف مدرع ودعم جوي. وقد حقق الهجوم، في ذلك اليوم، بعض النتائج المحدودة، خاصة في تعميق رؤوس الجسور بضعة كيلومترات، إلاّ أن الأهداف الأساسية له لم تتحقق، نظراً إلى تكبد المدرعات، في كثير من المناطق، خسائر كبيرة نسبياً، نتيجة أسباب عدة، منها نيران مدافع الدبابات الإسرائيلية المتخندقة، والصواريخ المضادة للدروع، وقصف الطائرات لها، عندما كانت تبتعد قليلاً عن المدى الفعال لمظلة الصواريخ.

وفي حوالي الساعة 15.00، من اليوم نفسه، أمرت القيادة المصرية الوحدات المهاجمة بالعودة إلى مواقعها، لإعادة تنظيمها وتعزيزها، وتعديل أوضاع القوات في رؤوس الجسور، استعداداً لصد الهجمات المضادة، التي بات من المتوقع أن يبدأها العدو الإسرائيلي في اليوم التالي، بعد توقف عملياتـه الهجومية على الجبهة السورية، وإعادة تجهيز ألويته المدرعة على الجبهة المصرية، بعد أن بدأت الدفعات الأولى من الأسلحة الأمريكية، تصل إلى مطارات الأرض المحتلة وسيناء (مطار العريش) في مساء يوم 14/10 نفسه.

في إثر تكامل حشد القوات الإسرائيلية، وتعزيزها بالأسلحة الأمريكية الحديثة والمتطورة والكثيرة، جنحت القيادة الإسرائيلية إلى الهجوم العام المضاد، بتطبيق خطة، كانت أعدتها في إثر حرب الاستنزاف، وجرى التدريب عليها مراراً. وتنسب تلك الخطة إلى واضعها الجنرال أرييل شارون، حينما كان قائداً للجبهة الجنوبية، في أثناء حـرب الاستنزاف. وقد أطلق على الخطة اسم “القلب القوي”. غير أن خطأ في ترجمة اسم الخطة بالعبرية، أدى إلى تسميتها خطة “الغزالة”[1]. وتنص الخطة على أن يتم العبور إلى الضفة الغربية للقناة بقوة فرقتين، تقومان بإقامة رأس جسـر، ثم تتجهان شمالاً وجنوباً نحـو مدينتَي الإسماعيلية والسويس، أو نحو إحداهما، بحسب ظروف المعركة.

حددت القيادة الإسرائيلية يوم 15/10 لتنفيذ عملية الغزالة، بعد أن تم توقيف التقدم الإسرائيلي على الجبهة السورية يوم 12/10، بسبب عنف المقاومة السورية، وبدء وصول القوات العراقية. وركزت القيادة الإسرائيلية جهودها على الجبهة الجنوبية، وحشدت قواتها الرئيسية هناك، تمهيداً لشن هجومها المضاد، الذي استند إلى المخطط الأصلي لعملية الغزالة مع تطويرها، سواء في أهدافها أو في حجم القوات المشتركة فيها، بما يتفق وتطور ظروف الحرب.

خصصت القيادة الإسرائيليـة لتنفيذ عملية “الغزالة” المطورة: ثلاث مجموعات ألوية، ضمت ثمانية ألوية مدرعة، وثلاثة ألوية مشاة آلية، ولواء مشاة عادياً، إضافة إلى لواء مظلي آلي، ولواء مدفعية، ووحدات مهندسين.

بدأ تنفيذ العملية في الساعة 17.00، يوم 15/10/1973، بهجوم مدرع، اتجه إلى نقطة العبور في مواجهة الدفرسوار. وقد واجهت إحدى المجموعات (مجموعة شارون) على الرغم من نجاحها في التسلل إلى نقطة العبور، واجتياز وحدات من لواء المظليين القناة، في الليلة الأولى من الهجوم، مقاومة عنيفة من جانب القوات المصرية على الضفة الشرقية.

أخذت القوات الإسرائيلية توسع الثغرة، حتى إذا أصدر مجلس الأمن قراره بوقف إطلاق النار، في الساعة 19.00، من يوم 22/10/1973، كان أقصى عمق للجيب الإسرائيلي غربي القناة يراوح بين 25 و30 كم. ولمّا كان هذا الجيب في الضفة الغربية للقناة، بالصورة التي وجد عليها عند سريان وقف إطلاق النار، لا يكوِّن ورقة ضغط ومساومة سياسية ملائمة، في أيدي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد مصر، في خلال المرحلة التالية لوقف إطلاق النار، فقد خرقت إسرائيل قرار مجلس الأمن، وواصلت هجومها نحو الجنوب، لتطويق قوات الجيش المصري الثالث، في الضفة الشرقية للقناة.

وعند منتصف ليلة 23 – 24/10، تقريباً، استولت القوات الإسرائيلية على ميناء الأدبية، الواقع على الساحل الغربي لخليج السويس، على بعد كيلو مترات قليلة إلى الجنوب الغربي من السويس. وكانت أقصى نقطة وصلت إليها على طريق السويس ـ القاهرة، تقع عند نقطة الكيلومتر 101، أي على بعد 101 كم شرقي القاهرة تقريباً.

توقف إطلاق النار، بصورة نهائية فعلية، في الساعة 11.00، من يوم 28/10/1973، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن ذي الرقم 340. ووصلت قوات الطوارئ في اليوم نفسه، لتشرف على تنفيذه.

كانت خسائر الحرب على الجبهة المصرية: 15 ألف شهيد، و 650 دبابة، و 180 طائرة. أمّا خسائر الطرف الإسرائيلي على الجبهتين المصرية والسورية، فكانت 2770 قتيلاً، و 800 دبابة، و 120 طائرة.

ثانياً: الجبهة السورية

في الساعة 14.05، من يوم 6/10، عبَرت مجموعات من الطائرات السورية (100 طائرة) خط وقف إطلاق النار، وفتحت المدافع (حوالي ألف مدفع)[2] نيرانها، لتنصبّ على المواقع الإسرائيلية في الجولان. وفي إثر ذلك، اندفعـت الموجـات الأولى من الدبابات[3] وناقلات الجند المدرعة نحو “خط آلون”، وهو خط الدفاع الإسرائيلي في الجولان، على طـول الجبهة (حوالي 70 كم)، تحت حماية رمي المدفعية الكثيف والمركز، والذي استمر حوالي 90 دقيقة، من مجدل شمس شمالاً، حتى وادي اليرموك جنوباً (أُنظر شكل مواقع الجبهة السورية).

صاحبت البلدوزرات والدبابات حاملة الجسور الموجة الأولى من الدبابات المهاجمة، حتى تردم الخندق العريض المضاد للدبابات، وتقيم عليه المعابر. وفي حوالي الساعة 15.00، استطاعت الدبابات وناقلات الجند اجتياز الخندق، في نقطتَي اختراق رئيسيتين: الأولى كانت عند مدينة القنيطرة، والثانية عند بلدة الرفيد.

وفي الوقت الذي بدأت فيه المدرعات والمشاة الآلية هجومها الرئيسي هذا، كان هناك أربع طائرات عمودية تحمل قوة من المغاوير، وتنزلهم على قمة جبل الشيخ، على ارتفاع 2814 متراً، حيث هاجموا حامية المرصـد الإسرائيلي، البالغ عدد أفرادها 55 جندياً، كان معظمهم يلعب، آنذاك، طاولة الزهـر، وينتعل الخفاف. وقد تم الاستيلاء على المرصد بعد نصف ساعة من القتال العنيف، الذي لم ينجُ منه سوى 11 جندياً إسرائيلياً، استطاعوا الفرار من الموقع. وقد حاول لواء إسرائيلي استرداد المرصد بهجوم مضاد، إلا أن وحدات المشاة المغربية، المرابطة عند سفوح جبل الشيخ، استطاعت أن تصد الهجوم، وتقتل 22 جندياً إسرائيلياً، وتصيب 50 آخرين بجراح.

حقق الهجوم السوري في قطاعَي فرقتَي المشاة الآليتين التاسعة والخامسة، في جنوبي الجولان، نجاحات أولية سريعة، إذ تمكنت القوات السورية من اختراق خط الدفاع الإسرائيلي إلى عمق نحو 20 كم داخل الهضبة، حتى أصبحت على مشارف بحيرة طبرية.

سارعت القيادة الإسرائيلية إلى استكمال تعبئة وحدات الاحتياطي وإرسالها بسرعة إلى هضبة الجولان، مساء يوم 6/10 وطوال ليلة 6-7/10. وقد استطاعت هذه القوات المدعومة بالطيران، أن تصد الزحف السوري في القطاع الجنوبي، في خلال نهار 7/10.

ولأن الجبهة السورية، التي تدفقت منها الدبابات، كانت تمثل الخطر المباشر والأقرب على القسم الشمالي من إسرائيل، فقد أمرت القيادة الإسرائيلية القوات الجوية، أن تنقل مركز ثقلها وضغطها إلى هذه الجبهة، بدءاً من يوم 7/10. وهكذا، استمر الطيران الإسرائيلي في هجومه المركز على المدرعات والقوات المهاجمة، في خلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، على الرغم من فداحة الخسائر التي تحملها، نتيجة لقوة الدفاع الجوي السوري. وقد أدى اشتراك القوات الجوية الإسرائيلية في القتال إلى تدمير عدد كبير من المدرعات السورية، وهو ما ساعد القوات البرية الإسرائيلية على صد الهجوم السوري، ثم الانتقال إلى الهجوم المضاد.

وابتداء من يوم 8/10، أخذ الطيران الإسرائيلي يهاجم العمق السوري بعنف. فقصف أهدافاً عسكرية ومدنية في دمشق، كما هاجم محطة الكهرباء ومصفاة النفط في حمص (وسط سورية)، وخزانات النفط في طرطوس واللاذقية على الساحل. ودارت معارك جوية عديدة بينه وبين الطيران السوري، الذي استمر في تقديم دعمه القريب للقوات البرية، في خلال معارك صد الهجوم المضاد الإسرائيلي، في جيب سعسع وفوق جبل الشيخ، حتى نهاية الحرب.

قررت القيادة الإسرائيلية شن هجوم مضاد في القطاع الجنوبي، صباح يوم 8/10/1973، بهدف دفع الفرقة الخامسة السورية نحو مفرق الرفيد ـ البطمية، وتهديد الجناح الجنوبي للفرقة التاسعة والفرقة المدرعة الأولى السوريتين، اللتين تتخذان من الخشنية مقراً لقيادة الهجوم السوري الرئيسي. ولقد اتجهت القيادة الإسرائيلية إلى الإسراع في عمليتها الهجومية المضادة، نظراً إلى أهمية الجبهة السورية وخطورتها، وبعد أن تحركت القوات العربية الرديفة في اتجاه الجبهة السورية.

بدأ الهجوم المضاد الشامل صباح 8/10. وتقدمت القوات الإسرائيلية في منطقة “العال” متجهة شمالاً، حتى بلغت خط الجوخدار ـ الرفيد. وعلى المحور الأوسط، تقدمت القوات الإسرائيلية حتى أوشكت أن تغلق الطرف الشمالي للكماشة المطبقة على الخشنية، التي جرت حولها معارك عنيفة، حتى اضطرت القوات السورية إلى الانسحاب من الخشنية، في يوم 10/10، خشية تطويقها. وبذلك، اكتملت تصفية الاختراق السوري للقطاع الجنوبي من الجولان.

وفي القطاع الشمالي، انطلقت القـوات السوريـة في الهجـوم في المنطقة الواقعة إلى الشمال من مدينة القنيطرة. واستمر الهجوم في أثناء الليل، نظراً إلى أن الدبابات السورية كانت مجهزة بمعدات الرؤية الليلية. وبعد قتال استمر طوال يومَي 7 و 8/10، تداخلت فيه دبابات الطرفين في كثير من الحالات، إلى حدّ تعذرت إدارة المعركة بصورة منظمة، اضطرت القوات السورية إلى إيقاف هجومها.

بحلول يوم 10/10، كانت القوات السورية تقاتل بعناد، عند تخوم الجولان الشرقية. وتصد الهجمات الإسرائيلية الضاغطة، وتتصدى للجزء الأعظم من الطيران الإسرائيلي، في حين قررت القيادة الإسرائيلية تطوير هجومها المضاد، ونقل القتال إلى ما وراء خط وقف إطلاق النار للعام 1967.

بدأ الهجوم الإسرائيلي في الساعة 11.00، يوم 11/10، وتركز في القطاع الشمالي من الجبهة، فاتجه رتل نحو مزرعة “بيت جن”، في حين اتجه رتل آخر على الطريق الرئيسي: القنيطرة ـ خان أرينبة ـ سعسع. وفي 12/10 استولت القوات الإسرائيلية على مزرعة بيت جن.

وفي أثناء الهجوم المضاد الإسرائيلي، وصل اللواء المدرع 12 العراقي، التابع للفرقة المدرعة الثالثة، إلى سورية، ليلة 10-11/10، بعد رحلة قطع فيها نحو 1200 كم. وتمركز، مساء يوم 11/11، في الصنمين، على بعد حوالي 50 كم جنوبي دمشق. ثم تتالى وصول القوات العراقية. أمّا اللواء المدرع 40 الأردني، فقد دخل سورية في 12/10، واحتشد في منطقة الشيخ مسكين، على الطريق المؤدي إلى القنيطرة. وقد باشرت القوات العراقية والأردنية عملياتها بهجمات مضادة على القوات الإسرائيلية، خاصة في القطاع الجنوبي.

تابعت القوات المعادية هجومها المضاد الشامل، ولكنها فشلت في اختراق الجبهة السورية، التي نجحت قواتها في التصدي للهجوم الإسرائيلي، واستطاعت أن تسحب قواتها نحـو خـط الدفاع الثاني، على محور سعسع ـ الصنمين، حيث أوقف الهجوم تماماً، إذ إن وصول القوات العراقية والأردنية إلى الجبهة، ومساهمتها في حماية الجناح الجنوبي للقوات السورية، وقيامها بهجمات مضادة، قد ساعد على ثبات الجبهة وصمودها.

تجمّد الموقف بعد ذلك على هذا النحو، وأخذت القوات السورية، التي أُعيد تنظيمها وتسليحها وتجهيزها، والقوات العراقية، التي تكاملت في هذا القطاع من الجبهة (الفرقة المدرعة 3 والفرقة المدرعة 6 ولواء قوات خاصة ولواء المشاة 20) واللواءان الأردنيان (40 و92)، تستعد لشن هجوم مضاد شامل. وكانت القيادة العسكرية السورية، قد خططت للقيام بهذا الهجوم، والبدء به بما أمكن من سرعة، لمنع العدو من تحصين وضعه الدفاعي، ولتخفيف الضغط على الجبهة المصرية، بعد نجاح الخرق الإسرائيلي في ثغرة الدفرسوار.

وهكذا وزعت، في 20/10، المهام على القوات السوريـة والعراقيـة والأردنية، وعلى القوات العربية الأخرى. وكان حجم القوات، التي تقرر اشتراكها في الهجوم المضاد الشامل، كافياً لرد القوات الإسرائيلية الموجودة في جيب سعسع، ثم متابعة الهجوم لتحرير هضبة الجولان، على الرغم من الأسلحة الكثيرة والحديثة، التي تلقتها إسرائيل، آنذاك، من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذه الأثناء، صدر قرار مجلس الأمن ذو الرقم 338، في 22/10/1973، بوقف إطلاق النار. وقد فوجئت سورية بقبول مصر القرار، فاضطرت إلى وقف تنفيذ خطة الهجوم المضاد، والقبول بوقف إطلاق النار. (أُنظر وثيقة قرار مجلس الأمن الرقم 338)

ولم تكد الحـرب تنتهي، حتى استؤنفت الأعمال القتاليـة، بشكل محـدود. ثم تطورت تلك الأعمال، حتى اتخذت، بدءاً من 13/3/1974، شكل “حرب استنزاف”، استمرت ثمانين يوماً، وهدفت إلى كسر حالة الجمود الناجمة عن الموقف الأمريكي ـ الإسرائيلي تجاه الوضع في الجولان.

تميزت حرب الاستنزاف هذه بتبادل القصف المدفعي، الذي كاد يكون مستمراً، ولا سيما على جيب سعسع المحتل. كما جرى، في أثنائها، تبادل احتلال المرتفع 2814 في قمة جبل الشيخ غير مرة. واشتركت القوات الجوية في هذا الصراع، فحدَثَت أعنف المعارك الجوية، في 19/4/1974، بين تشكيلات كبيرة من الطائرات السورية والطائرات الإسرائيلية.

توقفت الأعمال القتالية في 31/5/1974، حين تم توقيع اتفاقية فصل القوات. وكانت خسائر الحرب في الطرف السوري: 3 آلاف شهيد، و 800 دبابة، و 160 طائرة.

ثالثاً: الجسران السلاحيان، الأمريكي والسوفيتي

تميزت حرب 1973 عن الحروب العربية ـ الإسرائيلية السابقة، بتأثيراتها في مجال السياسات والعلاقات الدولية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. وانعكست على موقف هاتين الدولتين على الصعيد الدولي، وفي مجلس الأمن، وفي المساعدات العسكرية العاجلة، التي نقلها جسران جويان إلى طرفَي الصراع في مسرح الحرب، ثم في الاستنفار النووي.

اجتمعت في واشنطن، يوم 9/10/1973، “مجموعة واشنطن للعمليات الخاصة”. واتخذت قراريْن، كان لهما تأثير في مجريات الحرب، هما:

1. الموافقة على كل طلبات إسرائيل من الأسلحة، وتعويض خسائرها كافة.

2. الموافقة على وقف إطلاق النار في مواقع القتال.

وهكذا، بدأ الجسر الجوي الأمريكي إلى إسرائيل يوم 9/10/1973. بيد أن تطورات القتال في الميدان دعت إسرائيل إلى أن تطلب النجدة من الولايات المتحدة الأمريكية. فهرعت هذه إلى نجدة إسرائيل، بعد أن قدّم سفير إسرائيل في واشنطن تقريراً إلى الحكومة الأمريكية، في 12/10/1973، جاء فيه: “إن مستقبل دولة إسرائيل في خطر”. فأمر الرئيس ريتشارد نيكسون بتوسيع الجسر الجوي، لتزويد إسرائيل بكل ما طلبته “حتى لو أدى الأمر إلى تفريغ المستودعات من الاحتياطيات الأمريكية المعدَّة للحرب”. وقد قوّم رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال أليعازر، دور هذا الجسر، بقوله: ” لو لم تصل إلينا الأسلحة الأمريكية حتى يوم 13 أكتوبر، لكان المعنى الوحيد لذلك، أن الكارثة الكبرى قد وقعت […] لأننا كنا قد خسرنا تماماً المخزون الإستراتيجي من السلاح. وكان ذلك معناه، أن في استطاعة مصر وسورية، أن تصلا إلى أبعد ما يمكن أن يتصوره أي إسرائيلي”.

استخـدمت الولايات المتحـدة الأمريكية لتنفيذ الجسر الجوي، 228 طائرة نقل، إضافة إلى طائرات شركة “العال” الإسرائيلية. وقامت هذه الطائرات بـ 815 طلعة. واستمر الجسر الجوي حتى 14/11/1973، فنقل طائرات فانتوم وسكاي هوك، وطائرات عمودية، وصواريخ جو ـ أرض، وصواريخ أرض ـ جو، ومدافع ذاتيـة الحركة، ومدافع من مختلف العيارات، ومعدات إلكترونية، وأجهزة تشويش، ودبابات، وصواريخ مضادة للدبابات، وذخائر متنوعة، وقطع تبديل. يضاف إلى ذلك 24 طائرة فانتوم، قادها طيارون أمريكيون جواً، إلى إسرائيل، لتستخدم فور وصولها.

وهكذا، حمل الجسر الجوي الأمريكي ما زنته 27900 طن من الأسلحة والمعدات، خلال الأيام العشرة الأولى فقط من بدء الإمداد الأمريكي، لتعويض الخسائر تعويضاً فورياً، ولتفويق إسرائيل في قوّتها العسكرية. وتكامل معه الجسر البحري الأمريكي ليتضاعف حجم النقل الإمدادي الأمريكي لإسرائيل، خاصة الطائرات المقاتلة والدبابات. وكان مجموع ما نقله الجسـر البحـري 74 بالمائة من إجمالي خطة الإمداد الأمريكية العاجلة لإسرائيل.

استطاعت إسرائيل، بهذه النجدة الإنقاذية الأمريكية، أن تغيّر مجرى الحرب، وأن تستثمر الوقفة التعبوية في سيناء (من 9 إلى غاية 13/10/1973)، لتوظف تلك الأسلحة في إطار قواتها المقاتلة في الجبهة[4]. وهكذا، اصطدمت العمليـة الهجوميـة، التي استأنفتها القوات المصريـة، صباح يوم 14/10/1973، بالأسلحـة الأمريكية الحديثة، فارتدّت دون أن تحقق هدفها. أدى هذا الوضع العملياتي الجديد إلى أن تندفع القوات الإسرائيلية في هجومها المضاد، وتحط على الضفة الغربية لقناة السويس من “ثغرة الدفرسوار”، التي فتحتها في الجبهة المصرية، ليلة 15 – 16/10/1973. وعلى شاكلة ما وفّره الإمداد الإنقاذي العسكري الأمريكي لإسرائيل من قدرة على خرق الجبهة المصرية، استطاعت القوات الإسرائيلية أن تخرق الجبهة السورية في جيب سعسع.

لم تقتصر المساعدات الأمريكية، في المجال العسكري، على الأسلحة والمعدات، بل شملت الاستطلاع والمعلومات أيضاً. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تزود إسرائيل بالمعلومات والصور، التي تلتقطها طائرات الاستطلاع والأقمار الصناعية الأمريكية. وكانت القيادة الإسرائيلية تستخدم هذه المعلومات والصور، عن أوضاع الجبهتين المصرية والسورية، من أجل تخطيط عملياتها العسكرية، وتعديلها بحسب تطور تلك الأوضاع.

هذا عن الجسر الجوي الأمريكي. أمّا الجسر الجوي السوفيتي إلى مصر وسورية، فقد حمل 16000 طن من الأسلحة والذخائر، في 935 طلعة طائرة. في حين يرى بعض الباحثين “أن الجسر الجوي السوفيتي المزعوم، لم يقدم إلى مصر أي استعواض لأي خسائر من الأسلحة والمعدات. ولو تم نشر تفاصيل ما حمله هذا الجسر، لعرف الجميع أنها كانت أشياء لا تحتاج إليها القوات المسلحة المصرية في ظروف معركة كمعركة أكتوبر”.

رابعاً: استخدام النفط العربي كسلاح

تميزت الإستراتيجية العربية الشاملة في حرب 1973، باتساع أفقها، وتنوع مجالاتها، وقدرتها على ممارسة الضغوط والشدّ والإرخاء بقدر ما يتطلبه الموقف، وبالقدر الذي تستطيعه في إطار العوامل والاعتبارات والضغوط الإقليمية والدولية.

وما نقصد به من شمولية الإستراتيجية العربية، هو ولُوجها الميادين السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، مع انطلاقـة الإستراتيجية العسكريـة إلى ميدان القتال. وبذلك، اشتركت “أسلحة غير عسكرية” في حرب 1973، كان “سلاح النفط” أبرزها وأقواها تأثيراً.

فقد عقد وزراء النفط العرب اجتماعاً في الكويت، في 17/10/1973، وأقروا خفض إنتاج النفط، فوراً، بنسبة شهرية متكررة، لا تقل عن 5 بالمائة، ابتداء من الشهر الأول الذي يلي الاجتماع، وذلك حتى يتم جلاء القوات الإسرائيلية جلاءً كاملاً عن جميع الأراضي العربية المحتلة في حرب 1967، وحتى يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية الثابتة. وقد رُوعي في القرار، ألاّ تتضرر من الخفض البلدان التي تساند العرب، وأن يكون حظر التصدير كاملاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا.

وبعد وقف إطلاق النار، في 22/10، عاد وزراء النفط إلى الاجتماع، في 4/11. وقرروا الاستمرار في الحظر الذي طبقوه، مع زيادة نسبة خفض الإنتاج إلى 25 بالمائة.

ونظراً إلى الموقف الإيجابي، الذي اتخذته دول السوق الأوروبية المشتركة، في 6/11، اجتمع وزراء النفط العرب في فيينا، في 18/11، وألغوا تدابير الخفض، بالنسبة إلى الدول المذكورة، والاستمرار في الحظر الكامل بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا. وتلا ذلك قرار، اتخذه مؤتمر القمة العربي السادس في الجزائر (26 -28/11/1973)، يقضي بإلغاء الحظر، بالنسبة إلى اليابان والفيليبين. ثم بدأ التراجع عن نسبة الخفض وعن الدول التي يحظر التصدير إليها، في اجتماع وزراء النفط في الكويت، يوم 8/12/1973. وفي اجتماع طرابلس (23/3/1974)، ثم اجتماع فيينا (17/3/1974)، قرر الوزراء إعادة التصدير إلى بعـض الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية. وكان آخر قرار، اتخذه الوزراء في اجتماعهم في القاهرة (10/7/1974)، هو إلغاء الحظر، بالنسبة إلى هولندا، وبذلك، عاد الوضع، من حيث تصدير النفط العربي، إلى ما كان عليه قبل قرار خفض الإنتاج وحظر التصدير.

وكان وزير الخارجية الأمريكية، هنري كيسنجرHenry Alfred Kissinger ، قال: “إن العرب امتلكوا، في حرب 1973، أسلحة لم تكن في الحسبان. علينا أن ننتزعها منهم، ونقلّم أظفارهم، وألا نسمح بتكرار ما حدث مرة أخرى، لأن امتلاكهم لهذه الأسلحة، يهدد مصالحنا، ويهدد أمن إسرائيل، بل يهدد المنطقة بأسرها”. ثم حدّد هذه الأسلحة بما يلي:

1. التضامن العربي، الذي قاده كلٌّ من الملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية، والرئيس المصري، أنور السادات.

2. سلاح النفـط، الذي أشهرته الدول العربية المنتجة له، والذي قاد الملك فيصل حملة استخدامه بحكمة واتّزان.

3. الأرصدة العربية الدائنة في مصارف الدول الغربية، وما كانت تشكله من قوة ضغط على هذه الدول.

4. إسقاط نظرية الأمن الإسرائيلية. فهذه النظرية كانت تعتمد:

أ. على الذراع الطويلة لإسرائيل، التي تم تحييدها، باستخدام صواريخ الدفاع الجوي.

ب. والحدود الآمنة، التي تم إسقاطها، بعد تراجعها عن موانع طبيعية، كانت إسرائيل تظن أنها حدود آمنة.

ج. والملاحة الحرة في خليج العقبة، والتي أصبحت عديمة الجدوى، بعد السيطرة العربية على مضيق باب المندب.

خامساً: تطوير إسرائيل خطة العمليات

لم تأتِ حرب 1973 على شاكلة سابقتها، فقد فُرض على إسرائيل القتال على جبهتين في آن واحد. وكان الهجومان، المصري والسوري، مفاجئَين ومندفعين بقوة وزخم كبيرين، وهو ما أجبر إسرائيل على القتال، وهي تتراجع، وتحاول، في الوقت نفسه، أن تصد القوات المهاجمة ما وسعتها طاقتها، ريثما تنجز التعبئة العامة والسوق والحشد والحركة والمناورة.

وكان على القيادة الإسرائيلية أن تتفاعل مع الأحداث، وتواجه المفاجآت، وتتصدى للأخطار، وهي أخطار مؤهلة للتأزم والشدة. لهذا، كان لا بد لها من أن تهرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تستمد منها العون والسلاح والحماية. وقد بدأ طلب إسرائيل النجدة من الولايات المتحدة الأمريكية في اليوم الثالث من القتال. وريثما تصل النجدة السلاحية المأمولة، كان على إسرائيل أن تتخذ بعض القرارات، بسرعة وحسم.

كان لا بد لإسرائيل من أن تحدد أي الجبهتين أكثر خطراً من الأخرى، لتركز ما لديها من قوات عليها، فتصدّ الهجوم، وتتفادى اتساع الخرق وامتداد التراجع. وفي اجتماع، عُقد في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، يوم 7/10/1973 ، تقرر إيلاء الجبهة السورية الاهتمام الأول، على أساس أن عمق سيناء كبير، يمكن للقوات الإسرائيلية أن تناور فيه بقتال تعطيلي، إلى أن تنتهي من الجبهة السورية. ولهذا، قررت القيادة دفع ستة ألوية مدرعة، ولواء مظلات آلي، لدعم اللواءين المدرعين ولواءي المشاة، الموجودة في الجولان، مع تركيز جهد الطيران على الجبهة السورية، وفي العمق السوري. كما قررت دفع 6-7 ألوية مدرعة ولواءي مظلات آليين، وعدة ألوية مشاة آلية، لدعم الألوية المدرعة الثلاثة واللواء الآلي ولواء المشاة، الموجودة على الجبهة المصرية، والاحتفاظ بلواء مدرع وعدة ألوية مشاة مقابل الجبهة الأردنية.

وثمة مثل آخر على جهد القيادة الإسرائيلية في التفاعل مع الأحداث والتطورات. ففي مساء 10/10، ظهر على الجبهة السورية وضع جديد، يتطلب قراراً سياسياً إستراتيجياً. فقد وصلت القوات الإسرائيلية إلى “الخط البنفسجي”، تقريباً، أي إلى خط وقف إطلاق النار بعد حرب 1967، وتساءلت القيادة العسكرية عمّا إذا كان عليها أن تكتفي بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 6/10، أم أن عليها أن تطور الهجوم المضاد، وتتابع التقدم. لم يتوصل العسكريون إلى قرار، فعرضوا الأمر، بسرعة، على رئيسة الوزراء، التي أيدت مواصلة التقدم. وهكذا، تابعت القوات الإسرائيلية هجومها على الجبهة السورية، وهو ما أدى إلى نشوء جيب سعسع.

وتطبيقاً للمبدأ نفسه، أي “نقل المعركة إلى أرض الخصم”، خرقت القوات الإسرائيلية الجبهة المصرية، عند ثغرة الدفرسوار، وحطت على الضفة الغربية للقناة.


[1] يقول دوبوي: إن اسم الخطة بالعبرية هو “أبيراي ليف” أي “القلب القوي”. غير أن صحفياً غربياً فِهم أن الاسم الرمزي للعملية، هو “الغزالة”، فشاع الاسم بين الإعلاميين والمؤرخين .

[2] قدّر اللواء الإسرائيلي حاييم هرتسوج   Chaim Herzog قوة المدفعـية السورية، التي اشتركت في السد الناري، بـ 140 بطارية مدفعية ميدانية ومدفعية صاروخية.

[3] قال الجنرال باليت: “قدّر الإسرائيليون أن مجموع قوة الدبابات (السورية)، التي هاجمتهم، في اليوم الأول، كانت تراوح بين 1000 و 1200 دبابة، على الرغم من أن هذا العدد كان، بلا شك، مبالغاً فيه. غير أن دمشق قدّرت الرقم بحوالي 800 دبابة. ومهما يكن من أمر، فإن التفوق كان ساحقاً.

[4] قال الفريق كمال حسن علي، رئيس وزراء مصر السابق، في حديث نشرته جريدة “الحياة”، الصادرة في 6/10/1992: “إن القوات المصرية استولت أثناء الحرب على دبابات إسرائيلية أمريكية الصنع، لم يتجاوز عدّاد سيرها 150 كم”.

[5] ثمة إشارة إلى أن القيادة الإسرائيلية كادت تستخدم القنابل الذرية التكتيكية ضد القوات العربية، بسبب هزيمتها الشاملة، في الأيام العشرة الأولى للحرب، وقد اعترف بذلك وزير الدفاع موشي ديان. ثم كان نداء رئيسية وزراء إسرائيل، جولدا مائير

المصدر: موقع مقاتل