وفاء محمود : شر الفكر!

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بقلم:   وفاء محمود 

 

 

أرهقنى التفكير فى مقالة على موقع التواصل الاجتماعى (face book) جعلتنى أفهم سر دعوة أمى رحمها الله “ربنا يكفيكى شر الفكر” والفكر عمل مرهق أيما إرهاق ولكن كل مآسينا، وليس بعضها، ترجع إلى أن نظرتنا للفكر بأنه شر، هربا من إرهاقه القريب، وتغافلا عن منافعه البعيدة، فمن الأسهل الهرب من تبعات المعرفة ومسئوليتها الثقيلة، فيقول الناس “آفتى معرفتي. راحتى معرفش”، وفى الحقيقة أنه لا المعرفة آفة، ولا الجهل راحة، وتلك هى العبرة الخالدة من قراءة التاريخ الإنسانى كله!.

وتقول المقالة (post) على موقع التواصل على لسان الملك “فاروق”: هل حررتم القدس من بعدي؟، ويقول “جمال عبدالناصر”: هل حققتم الديمقراطية من بعدي؟ ويقول الرئيس “أنور السادات”: هل ألغيتم معاهدة (كامب ديفيد) من بعدي؟ ويقول الرئيس “حسنى مبارك”: هل قضيتم على الفساد من بعدي؟، وهذه المقالة حبلى بالمعانى والدلالات المرهقة للفكر، فهى تستدعى أحداثاً ومعارك وانتصارات وإخفاقات جرت فى العهود الأربعة، لا يستقيم أن نقيمها بأفكار مطلقة سطحية، بوصم كل فترة بفكرة عامة سطحية، بعيدة عن الأسباب الداخلية، المستترة للحوادث، وعدم سير العلاقات الخفية الغامضة، وتركها غير واضحة، حتى لا نتكلف عناء الفكر المرهق، فتأتى هذه المقالة البليغة لتكشف عور السطحية فى الحكم على الأمور، حتى إننى لولا أن “نابليون بونابرت” قد مات منذ عشرات السنين لأ جزمت أنه قائلها!.

فقد ذكرتنى هذه المقالة بالقائد الفرنسى الشهير، لأنها تتفق مع فكره، فهو لم يكن قائدا عسكريا فذا فحسب، ولكن كان مفكرا مطلعا على فلسفة عصره، ومستوعبا لمغزى التاريخ وحوادثه، فهو بلا شك عبقرية متعددة الجوانب، أثارت دهشة معاصريه، وكاتبى سيرته المعقدة.

 وأعتقد أن غموض نابليون يرجع إلى قدرته العقلية الفذة، على تحويل الأفكار من عالم المثال إلى أرض الواقع، فطورت الأفكار المثالية الواقع، وكشف الواقع والتجربة العملية الأوهام والزيف، الذى يصاحب الأفكار المثالية، التى يدعمها المنطق والشواهد العقلية الافتراضية، وتستمد منطقها من الصيغ اللفظية المحكمة، فمن المعروف عنه الإصرار على الواقعية، ورؤية الأشياء لذاتها، بعيدا عن الأقوال المرسلة والألفاظ المتداولة، فكان ذلك سببا مباشرا فى اندفاع الأمة الفرنسية وراءه ليحسم الفوضى التى أوجدتها الثورة الفرنسية، ويضع حداً للمزايدات والشعارات المثالية، التى لا تغير نظاما، ولا تقر أمنا ولا تؤكل جائعا!.

عبقرية نابليون النافذة كانت ترفض الحكم على الزعماء والحكومات بناء على أفكار مثالية غير واقعية، لا تكلف قائلها غير النطق بها بلسانه، بينما الحكم الصادق لا يكون صادقا إلا بدراسة البيئة الاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية، التى حكمت عملهم، لذا فكان نابليون يكره بشدة المؤرخ الرومانى القديم (تاسيتوس) الذى أرخ لتاريخ الامبراطورية الرومانية خلال القرن الأول، واشتهرت كتبه التاريخية خاصة الحوليات، لتميزه بالجرأة وخفة الظل، بينما يراه نابليون مضللا، يعزو أبسط الأعمال إلى الدوافع الإجرامية، ويصور الأباطرة جميعهم على أنهم أشرار سفلة، لكى يكسب الإعجاب بعبقريته، التى هتكت سترهم، بينما لا نتعلم شيئا من مجرد التنقص والتنكيت للرجال، مما يجعل القادة يهابون الشعب، وفى هذا نكبة على الشعب نفسه!.

عقلية (تاسيتوس) فى الحكم على الزعماء والحكومات، مازالت تعيش فينا فنطلق الأحكام المختزلة فنحمل الزعيم كل أخطائنا، التى ارتكبها هو ليرضينا، فعلينا التساؤل عن السبب الذى جعل الملك فاروق يخوض الحرب فى فلسطين، ضاربا عرض الحائط بإقرار رئيس وزرائه “النقراشى باشا”، بعدم الاستعداد لها، وعدم التورط فيها، إلا إرضاء للشعب الذى كون ميليشيات شعبية لتحرير القدس!.

رغبة الزعيم فى الاحتفاظ بشعبيته الجارفة تجعله يتخلى عن الحسابات الدقيقة والوقائع الحازمة الحاكمة، وعندما يخفق فى تحقيق ما لا يمكن أن يتحقق بناء على الحقائق والقدرات وحدود القوة يتحمل وحده حكم التاريخ القاسي، وخاصة لو كتبه أمثال (تاسيتوس)! ويدفع الشعب محنة إيجاده لزعيم ليس موجودا!.

كان “نابليون” حريصا جدا على كسب الشعب فى صفه، ويقول: “إن سياسته قائمة على أن أحكم الناس بما يريده العدد الأكبر منهم، وفى هذا سيادة الشعب، وقد فزت فى الحرب الفنلندية باعتناقى الكاثوليكية، وبدخولى الإسلام وضعت قدمى فى مصر، وباعترافى بسلطة البابا اكتسبت الرأى العام الإيطالي، ولو حكمت اليهود لأعدت لهم هيكل سليمان!. ورغم سياسته النفعية الظاهرة إلا إنه لم يحكم إلا بالعقل والحزم والحسابات الدقيقة، ولم تكن نهايته إلا عندما سيطر عليه الغرور وتخلى عن الحذر وأراد غزو روسيا، ليحكم العالم ويحظى بإعجاب كل العالم! وتدين له الدنيا!.

رغم نهاية “نابليون” المأساوية، فإن الشعب الفرنسى يكن له تقديرا عظيما، وجعل مقبرته متحفا ومزارا، وربما كان ذلك دليلا على النضج السياسى للشعب، فلا يوجد زعيما ثم تقتله معنويا، بتسفيه عهده وحكمه وشخصه وأهله. فلا نأخذ إلا الفشل، بالاحتفاظ بنفس الأهداف العالية، وإيجاد زعيم آخر على نفس المنوال، بينما الأجدى أن نبنى على الإيجابيات، وفهم الحقائق والسلبيات التى أدت إلى الفشل، بالتعامل الصحيح مع ما يسمى الزمن. العصر. الدنيا. الحاضر”، فكان نابليون يقول بعد إنجازاته الهائلة: “لو جئت من ألف سنة ماضية، لأعلنت نفسى سليل الآلهة، وصدقنى الناس، لكن لو فعلت ذلك الآن لسخرت منى أحقر بائعة سمك فى باريس. فإلغاء الزمن من الحسابات عند أى شعب لا يجعل الأمر غريبا أن يحكمه بائعى السمك” شر الفكر!.