وفاء محمود : شغل البوليتيكا السيئ يرتد لأهله‏!‏

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

ساد في الآونة الأخيرة مناخ من الاغتراب والاضطراب النفسي العام‏,‏ بسبب التناحر السياسي والمزايدات الكاذبة‏,‏ بين الأطراف السياسية‏,‏ والمتاجرة بمعاناة الناس ومطالبهم‏

لكن ما يزيد هذه الأمور بلة, تدني الخطاب السياسي بين المتصارعين علي السلطة لدرك لم تعد تقبله النفوس السوية, ولا الذوق السليم.

حتي وصل الأمر إلي أن يحتكم فيه المختلفون إلي القضاء, ليفصل بينهم في أمور من المفترض أنها بديهية, كان عليهم أن يتعلموها من أهاليهم, أو أي مؤسسة اجتماعية تربوية مروا عليها, قبل أن يتصدروا المشهد السياسي ليعرضوا قاذوراتهم بكل بلاهة!

لا أعتقد أن هناك من ينكر أن وعيا جديدا قد تبلور عند عامة الناس, أن الكلامنجية الذين شجعوا علي الهدم والتخريب, ليس لديهم بدائل حقيقية تملأ الفراغ الذي خلفوه, فانتهج الجميع أسلوب الهجاء والغلوشة للتغطية علي فشل طروحاتهم ـ إن لم يكن خيانتهم ـ فالهجاء والشتم ليس إلا عجزا عن طرح حلول حقيقية, وبدلا من تبصير الناس بحقائق الواقع, حتي لاتهجم عليهم اللوابس وتزداد معاناتهم في انتظار الفرج الذي لايأتي أبدا, يحدون ألسنتهم تجاه بعضهم البعض, ويلبسون ثياب الواعظين, التي لايمكن أن تداري وجوههم المكشوفة.

هذا ما أري ولاحيلة لنا فيما نري, من تدني الخطاب السياسي علي اعتبار أن هذه هي السياسة وتلك هي الديمقراطية, وكلاهما بعيد عما يحدث, وتسمية الأشياء بغير أسمائها, فالسياسة صراع القدرات علي السلطة لإدارة مؤسسات الدولة, لا اقتناصها كغنيمة من غنائم القرون الوسطي, وهي البحث عن المدينة الفاضلة بكل ما تعنيه من مثل عليا وقيم نبيلة تحقق الأمن والحرية والمصلحة العامة, فالسياسي, علاوة علي قدراته المهنية, عليه أن يكون بحرا من الثقافة والدراية بالتاريخ والأنثروبولوجيا, وعلم الاجتماع, والاقتصاد, وحتي العلوم والتكنولوجيا, حتي يعرف إلي أين يقود الناس, فلا تصطدم الطموحات والآمال العالية بالقدرات التي دائما ما تكون محدودة, لاتواكب الأحلام التي يغذيها الخيال ويكبحها الواقع رغم أنف الجميع, فعلي السياسي أن يلم بأمور متشابكة تخلق الواقع الحقيقي, وعليه أن يفطن الناس لهذه الحقائق, لا أن يكذب ويعد بالأوهام, وعندما تنكشف يحاول أن يقنع الناس أن السياسة هكذا.. أكاذيب مشروعة, ويسلط الألسنة الحداد علي المنتقدين, الذين يردون بنفس الكيل وأكثر حتي أصبح المناخ السياسي لايسمح بتطوير الواقع الجاثم علي نفوس الجميع فيحيق الخطاب السياسي السيئ بأهله!

للأسف أصحاب الوجوه المكشوفة الجامدة, لايهتمون بالنقد ولو كان جارحا, ولا يكفون عن تقديم الوعود علي طريقة جحا عندما وعد السلطان بتعليم الحمار القراءة والكتابة, في انتظار حل من السماء, إما أن يموت السلطان, أو الحمار, أو يموت جحا ويأمن العقاب!

الغرض أن أنفي عن السياسة وأهلها استحلال الكذب والهجاء من سب وقذف, بل هي العكس من ذلك إنها فن الإقناع بالقدرات لا عدمها أو الاستعاضة عن إبراز المواهب, بالابتزاز الشعاراتي الأجوف, أو المزايدات الرخيصة, فالأكاذيب يكشفها الناس عندما يصلون مع الكذاب لباب الدار!

عزائي أن بلادنا تمر بظروف غير طبيعية لابد أن تمر منها بحكم تاريخها وشعبها الكبير سنا وعددا, فلابد أن يظهر فيه من يصحح المفاهيم ويضع الأمور في نصابها, ويجعل من السياسة فنا للإقناع, وليست كذبا مثلما كان يتهكم الزعيم البريطاني تشرشل عليها, ويصدقه الناس ومنهم الفنان المثقف الكبير نور الشريف في تصريحات أخيرة له أزعجتني أن يصل اللبس إلي هذه القامة الثقافية الكبيرة, ودليلي أن تشرشل نفسه السياسي الكبير, لم يكن كاذبا, ولم يعد شعبه قبل الحرب إلا بالألم والدموع! ثم قادهم إلي النصر!

عندما كانت ابنتي طفلة تتعلم الكلام, كانت تصيح فيمن يغيظها قائلة ذوق.. أدب.. تم أي دم, فذكاؤها المحسود لخص ما لايمكن أن تقوم لأي تشكيل اجتماعي قائمة من غيره, ويسميها العامة شغل البوليتيكا أي السياسة, أي الذوق.. الأدب.. الدم.

شغل البوليتيكا لم يتبلور علي ألسنة العامة اعتباطا ولكن بعد أن أيقن الوعي العام, أن السياسة تحتاج لأكثر الناس ذكاء ودهاء وصبرا وثقافة ووعيا, فهي علم السلطة لتنظيم المجموعات المركبة المتداخلة, والسياسي عندما يقبض علي السلطة لابد أن يحظي بقبول تلك الجماعات, الموالية والرافضة فهم جميعا ينتظرون منه أن يحل النظام محل الفوضي, وإلا قبضت تلك السلطة علي أنفاسه.

لذا فشغل البوليتيكا يتطلب الذوق لمعرفة نفسية المجموعات البشرية ودراسة الرأي العام, وشغل البوليتيكا يتطلب الأدب في احترام عقول الناس والبعد تماما عن الخطاب المنتفخ الكذاب, الذي يفضحه الأطفال قبل الكبار, واحترام القواعد الاجتماعية التي صنعها التاريخ المتراكم, والتي تعرف كيف تنتقم لنفسها انتقاما رهيبا, بمن يعبث باستقرارها السحري, وقد فاجئنا في ثورة النباتات بتركيا وشغل البوليتيكا يحتاج إلي دم, أي الإحساس بمعاناة الآخرين والعمل الدءوب لايجاد الحلول التي تخفف المعاناة والآلام وليس بمقدور السياسي أن يطالب الناس بالصبر حتي يدخلوا الجنة, فهذا انحراف عن دوره السياسي, إلي دور ديني, لم ينتخب لأجله, فالسياسي انتخب من أجل وعود بالحلول العملية الجادة المثمرة التي تتطلب عملا شاقا مرهقا بعد الوصول للسلطة, فكما يقول نابليون: أخطر اللحظات التي تأتي مع النصر: فشغل البوليتيكا ليس مهارة السب والقذف فهذا الشغل السيئ عادة ما يحيق بأهله!