شادي عمر الشربيني: لماذا تريد قطر الهيمنة على آثار مصر؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“أنت عارف لو الثورة إتأخرت شوية كنا هنصحى في يوم من الأيام و مكوناش لقينا الأهرامات، كانوا عايزين يبيعوا كل حاجة في البلد و الأجيال المقبلة هي التي كانت ستدفع الثمن و شبابنا هيتظلم”

كلمات قالها المشير طنطاوي أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، و نقلت من أكثر من مصدر سمعها منه مباشرة. و قد كان ظني، حتى وقت قريب، أن موضوع التصرف في الأهرامات هذا، هو فقط نوع من المبالغة للدلالة على المدى الذي كان يمكن أن يذهب له النظام السابق، أو بمعنى أدق جماعة جمال مبارك الصاعدة، في موضوع التصرف في الأصول الوطنية و الاستعداد الدائم للبيع و التفريط حتى أخر المدى، و لكني الآن اكتشفت أنه ربما لم يكن هناك أي مبالغة في الموضوع، بل حديث عن أشياء يبدوا أنها كانت تلوح في الأفق…!!!

الآن….
ما كان في العهد السابق يبدوا أنه يلوح في الأفق……
ما كان يتم تداوله على أنه مجرد أفكار……
تحقق بعد ثورة كان أحد أهم أسبابها هو تفريط النظام السابق في الاستقلال الوطني و ميله إلى التبعية و الانبطاح و عدم التورع عن طرح كل شيء في السوق…!!!
 ما لم يجرؤ عليه نظام مبارك…..
تحقق في عهد الإخوان المسلمين الثوري العظيم….. فقد تسرب مشروع مقدم من قطر لتأجير الآثار المصرية، في البداية نفت وزارة الآثار الأمر، و لكنها عادت لتأكيده بعد نشر المستندات و المخاطبات الرسمية الخاصة بالمشروع، حيث قال عادل عبد الستار، أمين عام المجلس الأعلى للآثار، إن مقترح التأجير كان صحيحا، و إن وزارة الآثار تسلمت مقترحا مع التوصية بالموافقة من وزارة المالية، مؤكدا أن جميع المستندات التي نشرت سليمة و صحيحة، و هو ما دفع وزارة الآثار في نهاية الأمر إلى إرسال مذكرة رسمية إلى وزير المالية تخبرها برفض المشروع.
أنظر التفاصيل في الروابط التالية:-
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=960439
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=961012
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=962097
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=965981

إذن فالموضوع صحيح، و ليس كما يحاول الإخوانية تصويره، في حملة الاستظراف “خدهم على قد عقلهم” التي يغرقون بها الفيس بوك، أن الأمر مجرد شائعات تطلقها المعارضة و يصدقها معدومي العقل…!!!

 الموضوع صحيح أيها السادة، و كان مطروحا و وصت وزارة المالية بالموافقة عليه، أي أن الأمور كانت قيد التنفيذ تقريبا، و لم يتم التراجع عنه إلا بعد النشر و تسرب الأمر إلى الصحافة، فهل كان من المصادفة أن يتكلم خيرت الشاطر في حملته الانتخابية، قبل أن تستبعده لجنة الانتخابات، و من بعده مرسي، عن استثمارات عربية تصل إلى 200 مليار دولار، ستدفق إلى مصر بعد انتخابه، و أن تكون قيمة المبلغ المعروض لتأجير الآثار هو بالضبط 200 مليار دولار..!!!!

المسألة بكل بساطة أن أخر ما تبقى لمصر، و هو ذاكرتها و تاريخها، أصبح معروضا في سوق النخاسة، و لا يقدم على هذا الفعل سوى قواد حقير، لا يملك ذرة واحدة من الانتماء لهذا الوطن، و لا يعني له من قريب أو بعيد محو ذاكرته و طمس هويته، بل إنه لا يمانع أن تصبح مصر دولة منزوعة الجذور بلا ماض أو تاريخ، مثلها مثل دولة قطر و أمثالها…!!!

و لكن….

لماذا تريد قطر استئجار الآثار المصرية…؟؟؟!!!

لماذا تريد أن تضع يدها على تراث مصر التاريخي لمدة 5 سنوات مقابل 200 مليار دولار…؟؟؟

هل من الممكن أن يكون السبب اقتصادي بحت، و أن قطر تراها صفقة مربحة، ستجني من ورائها أكثر من ما دفعت بكثير.

حسب دراسات الجدوى الموجودة بوزارة السياحة المصرية، فإنه في حالة التشغيل القصوى، و في أفضل الأحوال، فإن مجموع المردود السنوي للآثار المصرية خلال 5 سنوات قادمة، لا يمكن أن يتجاوز 100 مليار دولار، و يضيف خبراء في اقتصاديات السياحة، أنه في الظروف المضطربة التي تمر بها المنطقة، إضافة إلى غياب الاستقرار السياسي، فإن العائد خلال 5 سنوات، سيتراوح بين 50 إلى 70 مليار دولار على أقصى تقدير، و ذلك مع التفاؤل…!!!

إذن لماذا تدخل قطر في هذا المشروع الخاسر، و ترمي بملياراتها في بحر الرمال المصري…؟؟؟!!!

كي نفهم أسباب المشروع القطري، يجب أن نستبعد أولا أي حديث عن جدوى اقتصادية للمشروع، و الأكثر أقناعا، و اتساقا مع العقل و المنطق، هو البحث في الأسباب السياسية و التاريخية حتى نفهم أبعاد هذا المشروع، الموضوع متصل بتاريخ مصر القديمة، و علاقة هذا التاريخ بالتوراة و العهد القديم، حيث الحديث عن التيه اليهودي، الذي حاول أن يمتزج بتاريخ المنطقة، لإعطاء مصداقية تاريخية لوجوده، كي لا يبقى كيانا دخيلا مبني على أسطورة من الوهم….!!

خلال القرن التاسع عشر، و في بدايات القرن العشرين و حتى تسعيناته، و عن طريق الحفائر التي بلغت ذروتها في تلك الأثناء، ، في كل من مصر و العراق و سوريا، تم الكشف عن تراث حضاري بالغ الروعة، علاوة على أسبقيته التاريخية على كل من التراثين الإغريقي و العبري، و لكن ما هو أهم من ذلك، أن هذه الاكتشافات لم يثبت اكتشاف واحد فيها ما جاء في روايات العهد القديم، بل على العكس، كانت الآثار و الوثائق و البرديات المكتشفة تنفي صحة ما جاء في كتاب اليهود المقدس، و ثارت العديد من المشكلات البحثية، فبعد هذه الاكتشافات و الأبحاث التي تناولتها، اهتز عرش العهد القديم بشدة، و لم يعد هو الممثل الوحيد لتراث الشرق القديم، بل أصبح وثيقة ينظر إليها بكثير من شك و الريب، و توصل الغالبية العظمى من الباحثين إلى أن نصوص العهد القديم مقتبسة من تراث المنطقة، كما ذهب كثيرون منهم إلى أن العهد القديم يقوم على العديد من صور الأدب الشعبي، و على رأسها الأساطير. لذلك أصبح التاريخ اليهودي كله على المحك، و أصبح ما من هنا كباحث في التاريخ أو عالم آثار أو اركيولوجي واحد محترم إلا و يعترف و يقر بعملية التزوير العميق و الواسعة التي قام بها اليهود لتاريخ المنطقة.

 إن الإحساس بالماضي، مرتبط تماما بالهوية السياسية و الاجتماعية في الحاضر، و خطاب الدراسات التوراتية طالب، و لا يزال يطالب، بهذا الماضي لمصلحة إسرائيل، لذلك فإن الحماس الصهيوني لعلم الآثار القديمة ما هو إلا وسيلة لاكتشاف و تأكيد المطالبات الصهيونية “بالحق” في الأرض، و الهدف هو إثبات الرواية التوراتية بالكامل، بما فيها من اعتبار “مملكة إسرائيل القديمة” حقيقة تاريخية لا جدال فيها، و من ثم التأكيد على وجود استمرارية تاريخية “مباشرة” بين مملكة إسرائيل القديمة في بداية العصر الحديدي و بين دولة إسرائيل الحديثة. و لا يقتصر الأمر على تأكيد هذه الاستمرارية التاريخية، بل إن الدراسات التوراتية و الباحثين التوراتيين و الصهاينة يعملون على تأكيد التوازي بين التاريخين، بحيث توظف أحداث التاريخ القديم في خدمة الأطماع السياسية الصهيونية المعاصرة، و في المقابل يتم طمس أي مفهوم مماثل لأي استمرارية لتاريخ شعوب المنطقة، و على رأسها الشعب الفلسطيني، بين الماضي و الحاضر.

و لكن، ماذا كان حصاد عمليات البحث و التنقيب الأثري المحمومة التي شهدتها فلسطين من شمالها إلى جنوبها و من شرقها إلى غربها…؟؟

النتيجة كانت فضيحة كبرى للصهيونية، فلم يتم العثور على أثر واحد يثبت الرواية التوراتية، و الأكثر من ذلك، أن كل التنقيبات الأثرية كشفت عن آثار مادية للشعب الفلسطيني، كشفت عن جوانب متعددة من التراث الثقافي و الروحي الضخم الذي خلفته الشعوب العربية القديمة و بخاصة الكنعانية، التي استقرت في فلسطين مع مطلع العصر التاريخي، حتى أنه تم التسليم بأن “إمبراطورية داود” هي مجرد ضرب من الخيال التوراتي، بعد أن ظهر جليا تاريخ فلسطين في أواخر العصر البرونزي و أوائل العصر الحديدي، و هي الفترة التي شهدت نشوء مملكة داود حسب الرواية التوراتية التقليدية. إزاء ما حدث لم تجد السلطات الإسرائيلية، المهيمنة الآن على الكشف الأثري، مفر من العمل على طمس معالم الحضارة العربية الكنعانية التي لا يخلو منها متر واحد من أرض فلسطين.

كانت نتائج الكشوفات الأثرية في أرض فلسطين تمثل ضربة قاتلة للعقيدة الصهيونية، ضربة تنفيها من الجذور و تثبت أن دعاويها لا أصل لها و لا أساس، و أصبحت الفكرة الصهيونية كلها على المحك، و بالطبع أستتبع ذلك تعليق عمليات الاستكشاف الأثري في فلسطين، أو انحطاطها بسياج قوي من السرية و التعتيم، ثم تم الالتفاف بعد ذلك إلى التراث الأثري للمنطقة، و وضعة في قلب لوحة النتشين.

البداية كانت في العراق، فالمستهدف في حرب العراق لم يكن فقط صدام حسين و نظامه، و لم يكن فقط الكيان العراقي ذاته، بل و قبل كل ذلك كان المستهدف هو تاريخ العراق و تراثه الخالد العريق، و بالفعل ما إن سقطت بغداد، حتى تم البدء في عملية نهب و تحطيم واسعة للآثار و المتاحف العراقية، عملية نافست في همجيتها ما حدث عند دخول المغول لبغداد و سقوط عاصمة العباسيين الآن بعد مرور حوالي عشر سنوات على سقوط بغداد، بدأ الحديث عن وثائق و قطع أثرية عراقية تتكلم عن بني إسرائيل..!!! لقد بدأ حصاد عملية التزوير المنظمة لحشر التاريخ اليهودي و طمس التاريخ الأصلي للمنطقة، و محطة البداية كانت العراق بعد احتلالها….

و يأتي أيضا في هذا السياق ما يحدث في سوريا الآن، فقد أفادت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، في تقرير لها، بأنّ مليشيا الجيش الحر في سوريا شكّلت مجموعات تنقيب سرّية، وقاموا بشراء أدوات جديدة من أجهزة الكشف عن المعادن والتنقيب عن الآثار لتهريبها إلى خارج البلاد وبيعها بصورة غير مشروعة….و ذلك ليس غريبا إذا عرفنا مدى الاختراق الإسرائيلي لتلك المليشيا، حتى أن العلم الإسرائيلي رفع في أكثر من بلدة سيطرت عليها تلك المليشيا، و رصدت ألاف من قطع السلاح الإسرائيلي في أيديها، كما أن مصابيها يعالجون في المستشفيات العسكرية الإسرائيلية،  مرة أخرى عملية جديدة لتحطيم الذاكرة الوطنية و إحلال التاريخ اليهودي محل التاريخ الحقيقي للمنطقة العربية…!!!!

و الآن هل أصبح واضحا بالضبط غرض الاستيلاء القطري على الآثار المصرية…؟؟!!

و لا أحد يقول لي ما هي علاقة قطر بإسرائيل…!!!

لا يقل لي أحد أنه لا يعلم أن قطر هي أكبر دولة عربية تقيم علاقات تجارية مع إسرائيل؟ .. ـ وهي أول من باع الغاز لـ “إسرائيل” بكميات أكبر مما كان يبيع نظام مبارك وبسعر أقل منه؟
لا يقل أحد أنه لا يعرف أن وقت العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006، كان حمد بن جبر بن جاسم آل ثاني وزير خارجية قطر، يقضي اجازة في شقته بإسرائيل، حيث يملك شقة في مصيف نهاريا بـ “إسرائيل” للإجازات؟!
لا يقل لي أحد أنه لم يدرك بعد أن قطر هي مخلب القط الأول و الرئيسي لأمريكا و إسرائيل في المنطقة الآن…؟؟؟!!!!

إن الصفقة القطرية الإخوانية كانت تضمن تأجير الآثار الثابتة في مصر، و إقامة معارض بكل الآثار المصرية المنقولة لدول العالم، و الأخطر من ذلك أن الصفقة كانت تضمن حق انتفاع للأبحاث العلمية و الأثرية التي تعتبر ملكا لدولة مصر، و لوزارة الآثار وحدها، أي أن الصفقة تضمن استباحة كاملة للآثار المصرية و تمرير كل عمليات العبث بها و تزويرها ضمن إطار الترويج السياحي والإعلامي والبحثي. عملية تزوير مبرمجة تضع الأسطورة اليهودية و تحشرها في قلب تاريخ مصر و ذاكرتها، لتصبح بعدها جزءاً من المنطقة وكيانها ومن الواقع، وعندها تصبح يهودية الدولة أمراً مبرراً، بل و يتم أيضا تبرير الحدود التوراتية، حيث  من النيل الى الفرات ارضك يا اسرائيل؟!!

و من يصلح لهذه العملية سوى قطر كواجهة عربية تخفي عملية التزوير الضخمة تلك، بعد أن وصلت عمق شراكتها مع إسرائيل إلى مدى مذهل غير مسبوق…؟؟؟!!!

…………..
………..

نقولها مرة أخرى إن التفكير، مجرد التفكير، في صفقة استئجار تاريخ مصر و جعله مستباحا للمزورين و المغامرين و الأعداء و المتآمرين، يعني بمنتهى الصراحة الوضوح، أن مصر أصبح يتحكم فيها، و يتلاعب بمصيرها مجموعة من القوادين، لا يتوانون عن طرح عقل و ذاكرة و شرف و تاريخ هذا الوطن في أسواق النخاسة…….

هل من أجل هذا قمنا بثورة…؟؟؟!!!!

 

المصادر:

بخصوص ما جاء في المقال بشأن الرواية التوراتية و الاكتشافات الأثرية، تم الاعتماد على المصادر التالية :-

1- السواح، فراس : آرام دمشق و إسرائيل (في التاريخ و التاريخ التوراتي) – دار علاء الدين –  دمشق – 1995 م.

2- سواح، فراس : الحدث التوراتي و الشرق الأدنى القديم (نظرية كمال صليبي في ضوء الحقائق التاريخية و الآثارية) – دار علاء الدين –  دمشق – 1997 م.

3- وايتلام، كيث : اختلاق اسرائيل القديمة (إسكات التاريخ الفلسطيني) – سلسلة عالم المعرفة / المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب –  الكويت – سبتمبر 1999 م.

4- القمني، سيد محمود : إسرائيل (التوراة ….التاريخ….التضليل) – دار قباء– القاهرة – 1998 م.

5- عزيز، كارم محمود : أساطير التوراة الكبرى و تراث الشرق القديم – دار الحصاد –  دمشق – 1999 م.