د. دعاء أحمد: ولنا فى التاريخ عبرة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

عزيزى قارئ هذه السطور إذا كنت من كارهى قراءة التاريخ فلتنحى هذه الكلمات جانباً, وإن كنت ممن يتخيلون أن الحاضر أولى من مجرد حكايات للماضى فالتتوقف عن القراءة, أما إن كنت مثلى ممن يرون فى الماضى لبنة تبنى مستقبل الشعوب, وبين ثنايا التاريخ عبر لا تنقضى, فلتحاول معى استنباط العبرة التى تنفعنا لبناء ما نقدر على بناءه ولنعمل لدورنا الذى خلقنا رب البرية من أجله “اعمار الكون” ولنخلص لذكرى نُذكر بها أنفسنا قبل أن نُذكر الأخرين, ولعل الذكرى تنفع المؤمنين.

لى ولكثيرين مثلى أن يدعوا  بأن أكبر خسارة منى بها العرب والمسلمين منذ ظهور الإسلام هى ضياع فلسطين, ولا أتصور أن هناك عربى أو مسلم عاقل “مهما بلغ سخطه على حماس أو فتح أو القيادة الفلسطينية بشكل عام” لا يتمنى بكل جوارحه عودة فلسطين لأهلها ولعروبتها, فقضية فلسطين قضية عربية إسلامية رُسخت فى وجداننا قبل كل شئ, وكره الكيان الصهيونى تعلمناه قبل أن نتعلم أى شئ.

ولو تكلمنا عن بداية سقوط فلسطين لابد لنا وأن نتطرق إلى نهايات الدولة العثمانية, أو كما كان يطلق عليها حكام أوروبا فى هذا الوقت (حكم الرجل المريض), والتى مع سقوطها كان السقوط المدوى لفلسطين الحبيبة فى يد الصهاينة.

فى الحادى والثلاثون من أغسطس عام 1876 نصب السلطان عبد الحميد الثانى “الخليفة الرابع والثلاثون” سلطاناً للدولة العثمانية, والتى كانت يترامى نفوذها وسطوتها لتمتد إلى ثلاث قارات, تولى عبد الحميد السلطنة فى الوقت التى بدأ فيه الضعف والفساد يضرب جذور الدولة العثمانية, إلا أنه بدأ عهده بإصلاحات سياسية كبيرة لم تعهدها السلطنة فيما سمى (بعهد المشروطية الأولى).

 حيث أمر بوضع دستور جديد للبلاد يتماشى مع دساتير أوروبا, وقسم السلطات إلى ثلاث

سلطة تشريعية وتتمثل فى مجلس المبعوثان (الشعب حالياً) والذى ينتخب أعضاؤه بالانتخاب المباشر, ويعبر كل نائب فيه عن خمسين ألف من الرعايا الذكور، ومجلس الأعيان أو الشيوخ والذى يعين أفراده مدى الحياة من قبل السلطان ممن قدموا خدمات جليلة للدولة

على ألا يزيد عدد نواب الأعيان عن ثلث أعضاء المبعوثان،والسلطة التنفيذية وتتمثل فى الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) الذى يتولى الباب العالى (مجلس الوزراء) ويكون شيخ الإسلام عضواً فيه.

والسلطة القضائية التى تمارس عملها من خلال محاكم شرعية للمسلمين ولغير المسلمين، فتوجد محاكم ملية بالإضافة الى المحاكم المدنية التى تختص بالقوانين الوضعية.

وبالفعل تم الاحتفال رسمياً بالدستور الجديد فى مارس 1877 ولكن تزامن هذا التوقيت مع حرب روسية عثمانيه “يذكر أن روسيا كانت من ألد أعداء الدولة العثمانية على مدار تاريخها”

إلا أنه فى هذه الحرب لم تٌقدر الدولة العثمانية القوة التى وصل إليها حال روسيا بمساعدة الدول الأوروبية وتمثل ذلك فى مبالغة (مدحت باشا الصدر الأعظم) على قدرة الجيش العثمانى على سحق روسيا إذا ما حاولت التقدم نحو حدود الدولة العثمانية, وانتهت الحرب بينهم بتقدم روسيا وتوقيع معاهدة (أياستفانوس) التى تعتبر معاهدة استسلام لشروطها المجحفة التى سلبت العثمانيين الكثير من حقوقهم, وانتهى الأمر بتدخل بعض الدول الأوروبية لتعديلها فيما بينها للوصول إلى مكاسب تتصيدها هى الأخرى.

شعر السلطان عبد الحميد بضرورة إقصاء مدحت باشا “لتوريط الامبراطورية فى حرب لم تقدر حسابات الخسارة والمكسب فيها بدقة”، وقرر حل مجلس المبعوثان وتعطيل العمل بالدستور وتكريث السلطة فى يده هو فقط.

على الجانب الآخر كانت الحركات الصهيونية قد بدأت فى الظهور متمثلة فى (جمعية أحباء صهيون 1880) وبدأ هيرتزل (الصحفى اليهودى) فى تبنى القضية الصهيونية ومحاولة إيجاد وطن قومى لليهود فى فلسطين, وكانت محاولاته جميعها لاستمالة السلطان عبد الحميد لإعطائهم القدس قد باءت بالفشل.

فى الوقت ذاته تركيز معظم السلطات فى يد السلطان جعلت بعض الحركات المعارضه تبدأ فى الظهور والنشاط على الساحة السياسية مثل (جماعة الاتحاد والترقى) والتى تمكنت من إنشاء فروع لها فى بلدان أخرى وتمكنت أيضاً من استمالة عواطف العامة من الرعايا لها ولشعاراتها والتى كانت تندد بسياسات السلطان القمعية للمعارضة وضرورة العودة للقرآن وتعاليم الإسلام. 

وجدت الحركة الصهيونية فى هذه الجماعة وسيلة مضمونة لعمل القلاقل داخل أنحاء السلطنة وإلهاء السلطان فى الصراعات الداخلية وإبعاد الأنظار عن عمليات إنشاء المستوطنات اليهودية التى بدأت على استحياء وفى الخفاء.

ووجدت جماعة الاتحاد والترقى هى الأخرى فى الدول الأوروبية نقطة ضغط على السلطان للاعتراف بها كحركة معارضة وإحياء الدستور وانتخابات جديدة لمجلس المبعوثان

وبالفعل نجحت الحركة فى الوصول لهدفها بالاستقواء بالغرب (رغم نبل الغاية) وتم احياء الدستور وإجراء انتخابات أسفرت عن فوز الاتحاد والترقى بأغلبية كراسى مجلس المبعوثان ومن ثم تشكيل الحكومة.

بعد وصول الجماعة للحكم اختلف الأمر كثيراً عما كانت تنادى به, فبرغم تهميش دور السلطان وتوليها الحكم إلا أنها لم تمارس أياً من الحريات التى كانت تنادى بها, ولم تنفذ حكم الشريعة الإسلامية التى كانت تندد بعدم تنفيذها، واتضح للعامة من البسطاء أنهم قد خُدعوا وقامت الاحتجاجات التى تنادى بإقالة حكومة الاتحاد والترقى إلا أنها لم تستجيب, ووصل الأمر الى استدعاء الجيوش لمحاصرة قصر السلطان وإجباره على التنحى فى أبريل 1909 وأعلنوا للعامة على لسان شيخ الإسلام (الذى هُدد بالقتل إن لم يفعل) أن إقصاء السلطان جاء نتيجة استهانته بتعاليم الإسلام ومحاولته لتمزيق القرآن!!

وبعد أن تمكنت الجماعة من الانفراد بالحكم ونتيجة للتخبط السياسى وعدم استقرار الأوضاع فى السلطنة أبرمت حكومتها معاهدة دفاع مشترك مع ألمانيا التى كانت الجماعة ترى فيها الحامى للسلطنة من الهجمات العدائية المتكررة, ومع نشوب الحرب العالمية الأولى تورطت السلطنة نتيجة لهذه المعاهده فى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل, وعلى أثرها تمكنت القوات الأجنبية من احتلال فلسطين وتعهدت بإنشاء وطن قومى لليهود فيما عرف بوعد (بلفور 1917 ) وعد من لا يملك لمن لا يستحق.

وهكذا سقطت فلسطين, وهكذا هى كل خساراتنا عبر التاريخ, قمع, فتمرد, فوصول للحكم  , فتخلى عن بعض المبادئ، فتخبط سياسى, فسقوط, التاريخ يعيد نفسه بكل تفاصيله بشكل مضحك ومبكى فى آن واحد, وكأنه يخبرنا  أن من لا يتعلم من الماضى لا يستحق الحاضر ولا المستقبل, لنا فى التاريخ عبرة فاعتبروا يا أولى الألباب. فقد صدق الحق حينما قال “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.