إكرام يوسف : على رأي المثل!

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“الجنزوري ماشي بنظرية يا رايح كتر من البلاوي”.. كان هذا تصريحا صحفيا لرئيس مجلس الشورى!.. ابتسمت وأنا أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب تحريف الدكتور أحمد فهمي، عضو حزب الحرية والعدالة، صيغة المثل كما اعتدنا على ترديدها “يا رايح كتر من الفضايح”!.. فهل تأثر الرجل بمناخ الإرهاب المطارد لحرية التعبير، حتى بات المرء يتحسس الحروف خشية أن يتورط في استخدام مثل شعبي يورده موارد التهلكة؟ وهل رأى أن كلمة “البلاوي” أخف وقعا وأكثر تهذيبا من “الفضائح”؟ شخصيا، لا أستطيع أن أجد مبررا لهذا التحوير اللفظي. كما لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يؤكد ما إذا كانت “البلاوي” أكثر تهذيبا من “الفضائح” أم لا. وحتى علماء مجمع اللغة العربية لا يمكنهم تقديم الدعم، فكلامهم غير ملزم، وليس له تقدير في زمن توقع الراحل الجميل جلال عامر أن يكتب القوانين فيه “تومرجي”!

شعرت أنني أواجه مشكلة حقيقية.. فمن يضمن لي ألا يفلت مني مثلا شعبيا، يرى فيه البعض خروجا عن الآداب العامة..على الرغم من أن الأمثال الشعبية، والنكات، كانت دائما دليلا يبرهن به علماء التاريخ والاجتماع والنفس واللغويات على عظمة وعراقة هذا الشعب، وثراء تراثه المعرفي واللغوي.
عجزت طوال أسبوعين عن أن أحذف من كلامي أمثالا شعبية تقفزعلى لساني، أمام مواقف مسئولين ابتلانا بهم القدر، في زمان لم يكن على البال ولا الخاطر. واكتشفت أننا في أغلب الاحوال نتحدث بتلقائية، ولا نبذل جهدا كبيرا في انتقاء الأمثال التي تتردد تلقائيا على ألسنة المصريين في مختلف المناسبات وعلى اختلاف مستوياتهم الاجتماعية أوالتعليمية أو الثقافية.
تذكرت عندما خرج علينا رئيس الوزراء يهتف بإباء وشمم “مصر لن تركع”! في إشارة إلى ضغوط يمارسها السادة في البيت الأبيض، لكن “مصر لن تركع”!..ولاتكاد تمر أيام، حتى نسمع عن طائرة تخترق المجال الجوي وتهبط في مطار القاهرة من دون إذن وبلا اي اعتبار لسيادة، ولا تمر ساعات حتى تقلع الطائرة وعلى متنها أفراد، كان المفترض أنهم تحت وصاية قضاء درجنا على تسميته بالشامخ..وجدت نفسي أردد ” أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك استعجب”.. وسرعان ماعدت لأراجع الكلمات والحروف حتى أطمئن أن المثل لا يتضمن ما يدفع عشرات الآلاف من المواطنين إلى تقديم بلاغات تطالب بإحالتي للمحاكمة بتهمة أنني أستعجب من أمور الكبار وأشكك في صدقهم. حيث أن البعض في بلادنا لا يهتز له جفن وهو يتابع استشهاد الشباب وهتك أعراض البنات والسيدات، لكنه يهب غاضبا عندما يستشعر التطاول على مقام “الكبار”، باعتباره نقصان في الأدب.. وهو أمر طبيعي، لأن العبد ينتفض ويثور عندما تمس مشاعر سيده، لكنه لا يكترث عندما يقتل أخوه أو ينتهك عرض أخته أو يبول عبد آخر فوق رأسه. المهم هو التأدب في حضرة الكبار، الذي صار فجأة الهم الأقدس لمواطنين، تتضاءل إلى جواره الهموم البسيطة مثل العيش والحرية والكرامة الإنسانية،وحقوق الشهداء، وما إلى ذلك من سفاسف الأمور! وهنا يلح علي المثل: “قال له يابني لما تشوف دم اخواتك سايح على الأرض، ولحم بناتك متعري، وتليفزيونات العالم تنقل إشارات بذيئة يوجهها الجنود إليك وإلى أهلك، و يبول على رأسك تحت سمع وبصر قادتهم.. تعالى في الهايفة واتصدر”!
تذكرت أيضا “الكبار” وهم يقيمون الدنيا ويقعدونها في محاولة لوصم الثورة بأنها مؤامرة نفذها شباب ممولون من الخارج بغرض تخريب البلاد.. وما قاله هؤلاء الكبار عن عناصر 6 ابريل والاشتراكيين الثوريين والجماعات الحقوقية. ثم يكتشف “الكبار” أنهم ورطوا أنفسهم في إثارة زوبعة كاذبة ، انقلب معها السحر على الساحر وتأكد كذبهم للجميع. خاصة وأن كثيرين من هؤلاء الكبار يتلقون نصيبا من المعونات القادمة من خارج الحدود. وهنا، يدور في بالي مثل شعبي أعرفه، كما تعرفونه جميعا، لكنني لن أكتبه حتى لا يزايد من يستخدمونه ليل نهار (نعم.. هو بالضبط ما ورد إلى ذهنك وأنت تقرأ) لكنني سأستخدم مثلا عربيا فصيحا يقول “رمتني بدائها وانسلت”!
ترد على ذهني أيضا صور كبار يرتدون مسوح التقوى والورع، ويصورون أنفسهم باعتبارهم المتحدث الرسمي باسم الله، و شاهدنا رموزا منهم يحلفون كذبا على شاشات التليفزيون، وبعضهم (أكرر، بعضهم) ثبت اقترافه جريمة الكذب عمدا ومع سبق الإصرار والترصد.. مع أن أقلنا معرفة بالدين يعلم جيدًا أن الكذب من الكبائر. فهل أتجاوز أصول اللياقة عندما أردد “من برة هالله هالله ..ومن جوة يعلم الله”؟
ويمر بخاطري عدد من المتلونين في الإعلام والسياسة، الآكلين على جميع الموائد. وطالما حفلت مقالات بعضهم بالكثير من “مسح الجوخ” للمخلوع وابنه المحروس، وزخرت مواقع الانترنت بلقطات له محنيًا أمام سادته أو مقبلا أيديهم. لكنه لا يخجل من أن يصرخ شاكيا: “الثورة بتتسرق”! محاولا إلصاق نفسه بثورة ناصبها العداء حتى يوم رحيل المخلوع، واتهام من واجهوا الموت ـ وكانوا معرضين لنهاية مخيفة لو استمر المخلوع في الحكم حتى نهاية ولايته، كما كان ينصح المتلونون ـ بمحاولة سرقة الثورة! هل من سوء الأدب هنا أن أستخدم المثل القائل بأن “ديل…. لا ينعدل ولو علقوا فيه قالب”؟
خلاصة القول، أنني صرت أتمنى أن يتعطف علينا “الكبار” فورا بإصدار دليل ممهور بتوقيعهم الشريف يحدد الأمثال الشعبية المسموح بتداولها.. وتلك الممنوعة.. ونكون شاكرين، إذا تفضلوا بتحديد المثل العسكري المناسب لكل رتبة عسكرية أومستوى وظيفي أوطبقي حتى نكون في مأمن ونحن نعبر عن أفكارنا. وحتى يجدوا وقتا لمتابعة القضايا الثانوية المتعلقة بتسليم السلطة وإعداد الدستور، وما إلى ذلك من أمور.. وهنا، أتوقف لأن المثل الذي ورد إلى ذهني يتعلق بموت كائن من مخلوقات الله على مايجيله العليق!